لا يماري أحد اليوم في دور الإعلام وأهميته في حياتنا بمجملها، وأعلم أن الإعلام لا يقتصر على نقل الأخبار والترفيه وحسب، وإنما يذهب بعيدًا إلى قدرته العجيبة على توجيه أفكار الناس وصياغة سلوكاتهم والتأثير على وعي المجتمعات وتشكيلها في العديد من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
والإعلام موزع إلى إعلام ورقي كالصحف والمجلات، وإعلام مرئي ومسموع كالتلفاز والإذاعات، واليوم نعيش الإعلام الرقمي الذي بات تأثيره كبيرًا على الأجيال كافة لتميزه بسرعة نقل المعلومة وإغراق حياة الناس بما يريدون وما لا يريدون.
ولا أقلل من قيمة الرسالة الإعلامية في حياتنا؛ فهي إحدى الركائز في بناء المجتمعات في زمننا المعاصر، والتأثير عليها وتطورها ذلك لأنها نافذة مهمة للإطلالة على العالم والوقوف على ما لديهم من معارف وثقافات، فضلًا عن الأخبار المتسارعة في كل شيء، وأصبح من المغامرة إغفال دور الإعلام في حياة الناس وتوجههم نحو أهداف ومرامٍ قد يكون فيها الخير وقد تحتمل الدمار والخراب.
لم يفت المفكر إبراهيم العجلوني الإلماح إلى موضوعة الإعلام في العديد من مقالاته التي نشرها في الصحافة، وما زاد حرصه على هذا الأمر الحساس أنه ممن انخرطوا في الحياة الإعلامية مبكرًا سواء الصحافة الورقية أو الإذاعة، وخبر من هذه المؤسسات ما تأدّى له فيها أن يضع ملاحظاته ويُفصح عن العديد من الحلول الناجعة لمواجهة الهم الإعلامي وكيفية التصدي لآثاره المدمرة.
وإني لأراه فيما كتب في زاويته القصيرة في جريدة «الرأي» قد ذهب إلى الكثير من القضايا في الفلسفة والآداب واللغة والسياسة والتربية والاقتصاد والعلم ونحو ذلك، وأراد منها صناعة رأي أو تعديل سلوك أو تعميم فكرة أو إجراء مقابلة بين علمين أو عالمين، وهو بذلك يقوم برسالة إعلامية مدهشة جديرة بالبحث.
إلا أنه خص الإعلام وهمومه بكثير من مقالاته، ونراه بعينه الناقدة يُدني من نفسه كل ما يطاله عقله الناقد، مما يتصل بالإعلام وعلاقته بالحياة.
في بعض ما كتب أفرد للسينما والتلفزيون مساحة وافرة من اهتمامه لأنه أدرك أهمية مثل هذه الجوانب من الحياة، ففي كتابه «فصول من النقد» بحث في دور السينما والتلفزيون في المسار الحضاري للعالم العربي والإسلامي. يقول العجلوني تحت عنوان «السينما في الشرق واقع ومحاكاة": «إن السينما تقوم في العالم العربي والإسلامي بدور بالغ الخطورة في صياغه أنموذجات السلوك الاخلاقي، وفي توجيه الأذواق وفي تعزيز قيم وافدة وزحزحة أخرى أصيلة، وفي تحديد ملامح البنية الشعورية للناس بما يغدو الخطاب الإعلامي والثقافي معه عصفًا تذروه الرياح، وبما يؤكد أن الواقع هو الذي يحاكي الفن على عكس ما هو مفهوم من نظرية المحاكاة الشهيرة عند أرسطو».
ويصل العجلوني إلى أن يضرب أمثلة على هذا الدور الخطر في كلّ من مصر والهند، ويقول: «إن قيام صناعة سينمائية متقدمة في مصر والهند لا ينفصل عن خطط الغرب قديمًا وحديثًا لمنع بناء الوعي في البلاد المستعمرة بناءً ذاتيًا لضمان أن يظل المغلوب في غبار الغالب وعلى آثاره».
ولعل ما ذهب إليه العجلوني في هذا التحليل يعيدنا إلى ما قاله المفكر الجزائري مالك بن بني في أحد كتبه بأن الاستعمار قد يتركنا عسكريًا ولكنه يترك فينا القابلية للاستعمار ثقافيًا.
وتحدث عن دور الدراما العربية في التخريب الأخلاقي عند أبناء العروبة، ووجد في فيلم «المصير» ليوسف شاهين ما يوضح ذلك، فهذا الفيلم الذي لا يعرف شاهين ماذا يريد منه وفق حديث العجلوني هو جانب من التشويه المتصل بالإعلام مقارنة مع فيلم «سقوط الإمبراطورية الرومانية» الذي راجعه الفيلسوف «ول ديورانت» وبين في فيما كتبه عنه بأن واشنطن هي المعادل التاريخي لروما، وهي إشادة بالتاريخ الغربي والإعلاء من قيمه وحضوره، على عكس ما يفعل العرب الذين يتأسّون بأسوأ ما عند الغرب لتسويق بضاعتهم الرديئة.
وتحدث العجلوني عن صوره العرب في التلفزيون الإسرائيلي، ثم يقارن بين الإعلام الأردني الذي احترم اتفاقية السلام وابتعد عن الإساءة للثوابت الدينية اليهودية، في حين لم يترك التلفزيون الإسرائيلي في كل قنواته وسيلة إلا وهاجم فيها الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وأورد العجلوني ما تحمله هذه القنوات، ومن ورائها دول الغرب بعض نماذج الإساءة، ومنها: «المسلمون أاناس همجيون متوحشون.. المسلمون كائنات ذليلة.. المسلمون مسكونون بتواكل أصم».
كل ذلك وغيره هو ما يقدم عليه الإعلام الغربي لتشويه صورة العرب والاسلام، وبالمقابل لا نجد في الإعلام العربي من قوة المنطق والحجة الداحضة لرد هذه الضلالات العمياء.
ولا يتوانى العجلوني لحظة واحدة من التصدي لقضية الإعلام وخطورته، فهو قائم على المصارحة بما التبس فيها وخفي أو بان وظهر؛ فمعركة الوجود اليوم تداخل فيها ما يأتي من واجهة الإعلام، وهذا ما أوضحه في محاضرته التي ألقاها في الجامعة الأردنية تحت عنوان «الإسلام والتضليل الإعلامي»، وحشد في هذه المحاضرة ما طالته يده من تجربة في العمل الصحفي، فضلاً عن اطلاعه الغزير وفكره الثاقب المدقق وحرصه الدؤوب على مصالح هذه الأمة والدفاع عنها.
وبيّن العجلوني في هذه المحاضرة ماهية التضليل والسياسة ونظائره وتجلياته، ويقول: «لقد اشتغل دهاقنة الإعلام الغربي بأمة العرب والمسلمين كثيرًا وصدّروا في ذلك أبحاثًا ودراسات لم تترك باعثًا نفسيًا أو ملمحًا فكريًا أو حالة معيشية إلا أخذته بالتفتيش ومحصته تمحيصًا»، وينتهي في محاضرته إلى بيان موقعنا عربًا ومسلمين مما يصيبنا من الإعلام إجمالاً، فنحن أمام أمرين: إما ندخل في قبضة الغالب المتحكم، أو نقاوم ونرفض، وبذلك نكون من الأحرار الذين ينتصرون لعقولهم وكرامتهم وإراداتهم.
لم تغب موضوعة الإعلام وما يتصل بها من قضايا عن قلم إبراهيم العجلوني، فهو مهموم بها، ولا يجد في البحث فيها رادعًا ولا ذريعة، فقد خصّها بعنوان كبير وإفاضة في الحديث بمقالته: «في الإعلام وشؤونه» التي تضمنها كتابه «الشذرات» (الجزء الثالث)، ويُمهّد لحديثه في هذه المقالة تحت جملة من العناوين المتصلة بالسياسة والصحافة إلى أن يصل لما يريد فيقول: «كانت الصحافة في مطلع هذا القرن الغابر (أي القرن العشرين) جامعة حرة، وكان الصحفي على الرغم من معنى لفظه المشار إليه أعلاه أستاذًا فيها، وكان (البيان) ذاتها والصدق مرآتها، ثم تراخى الزمان وبعد العهد، وانقلب الضد إلى الضد، وصارت الصحافة تصنعًا بعد أن كانت صنعة»، ثم ينادي العجلوني إلى عودة الصحافة «إلى أن تكون (الجامعة المفتوحة) التي عرفها مطلع القرن الحالي وأدت دورها التنويري فيه».
وشمل هذا الموضوع عناوين عديدة مثلك الشائعات وأصولها وغاياتها، والتحليل السياسي، والحرية الصحافية، والاستطلاعات، والسلطة الرابعة، نحو مدرسة للتحليل الإخباري، وغسيل الأدمغة، وفي حقيقة الإعلام.
وينتهي العجلوني من عنوانات هذه الموضوعة المهمة إلى عدم اليأس والقنوط، ونتطلع بثقة إلى يوم يتحرر فيه الإعلام من القيود، ويكون واجهة صلبة قوية للأمة في معركتها المصيرية من أجل تحقيق أهدافها لإثبات ذاتها وقيمتها ووزنها الحضاري.