مراجعة لثلاثة تعيينات
أما وقد تجاوزت «السردية» معضلة التجنيس، فغدت قارّة تتسع لكثير من الأنواع، بدءاً بالأسطورة والخرافة والحكاية مروراً بالملحمة والتاريخ وانتهاءً بالسيرة والرحلة والقصة والرواية والدراما بعد المكتوبة في «التلفزيون والسينما»، بل غدت تمتد لجنس آخر مثل الشعر، فإن الفضل يعود في هذا التوسع غير المسبوق، إلى نوع محدّد من أنواع السرد ألا وهو الرواية، التي نجحت في استدخال جُلّ تقنيات السردية الخاصة بسائر أنواع السرد من جهة، وغدت منذ أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين مسرحاً تجريبياً لكثير من المناهج والإيديولوجيات والمقاربات الفلسفية والنفسية والاجتماعية والأنثروبولوجية من جهة ثانية.
ومع أن المقاربة الفلسفية الأشهر والأقدم للرواية في العصر الحديث، قد تعرّضت وما زالت تتعرض لكثير من التحفظات لأسباب تقنية بحتة، إلا أن الحدس التاريخي الذي انطوت عليه هذه المقاربة، أناخ بظله في ذروة الهجوم على المنظومة الشمولية لقائلها. لقد نظر هيجل إلى الرواية بوصفها «ملحمة البرجوازية» وتابعه في ذلك لوكاتش. وقد قيض لهذا الفهم المستغرق للتاريخي والسياسي والاجتماعي، أن يتبوّأ واجهة الأفهام التي تصدت للرواية حتى ثلاثينيات القرن العشرين، وقبل أن تنطلق المدارس التقانية من عقالها، مندّدة ببؤس المقاربات الرامية إلى استخلاص المعنى والدور، ومعلية من شأن الآليات والوظائف بذاتها ولذاتها.
على أن المنعطف الدرامي الخطير الذي أعاد للسرد ولهيجل اعتبارهما في ذروة الهجوم عليهما، تمثّل في صدور كتاب «حالة ما بعد الحداثة: تقرير عن المعرفة» عام 1979، وما أعقبه من جدل وحوار صاخب. إنها مفارقة تقدم توصيفاً دقيقاً للشق المدهش في فكر ما بعد الحداثة والمتمثل في مقدّماتها التشخيصية النقدية الفذّة والشق المفاجئ المتمثل في نتائجها المفتوحة.
وسأعمل في هذه المراجعة الموجزة، على تلخيص وتكثيف أبرز التقاطعات بين السّرد وفكر ما بعد الحداثة أولا، كما تجلّى لدى ليوتارد وبالاعتماد على النصوص والقراءات المتعدّدة التي ضمّها ملف «ليوتارد وما بعد الحداثة».
ففي حوار مثير أُجري مع ليوتارد بتاريخ 14/10/1979 نراه يعلّل ظهور المجتمعات البرجوازية الحديثة (الحداثية) بوجود عدد من القصص أو الحكايات الكبرى، التي اشتملت على ما يكفي من الخطابات الصادقة والعادلة. فيما تبدو هذه المجتمعات الآن (أي في عام 1979) في مرحلة ما بعد الحداثة، مفتقرة إلى ما هو صادق أو عادل؛ لأن أزمة المجتمعات الحديثة لا تتمثل في ارتفاع أسعار البترول، بل تتمثل في أزمة القصص والحكايات الكبرى ذاتها!
إن هذا التشخيص الدقيق لواقعة استنفاد المجتمعات الحديثة لمحّركاتها القابعة في قصصها وحكاياتها الكبرى، وبدلاً من أن يقود ليوتارد للمناداة بابتكار قصص وحكايات كبرى جديدة يمكن أن تعيد ضخ الحياة في المجتمعات الحديثة، فإنه يقوده إلى رفض كل الأفكار التي من شأنها الدعوة لإنشاء نظريات أو فلسفات أو مناهج كليّة شاملة، تحسباً لقوة وفاعلية الحكايات أو القصص الكبرى/ العليا التي سترفد هذه المنظومات بسلطة فائقة.
ثمة سلطة سحرية لا متناهية، تثوي في الحكايات أو القصص الكبرى التي صنعت المجتمعات الحديثة، كما صنعت المجتمعات القديمة. وثمة «ما وراء حكايات» أو «ميتا حكايات»، هي التأويلات والتقنيات الميتافيزيقية العليا المسيّرة للجنس البشري، والتي يمكن تصنيفها على النحو التالي:
-«ميتاحكاية» المعنى؛ باعتبارها مفتاحاً للتكوين الذاتي البشري المفضي إلى المثالية الطوباوية.
- «ميتاحكاية» الصراع الطبقي؛ باعتبارها مفتاحاً لخلاص الجنس البشري المفضي إلى المادية الطوباوية.
- «ميتا حكاية» العلم الوضعي، باعتبارها مفتاحاً للتقدّم البشري المفضي إلى الاختبارية الطوباوية.
كل هذه القصص أو الحكايات العليا التي احتكرت الحق في تسيير المجتمعات، سقطت من وجهة نظر ليوتارد. ولم يعد هناك أي وجاهة أو مشروعية لأي قصص أو حكايات عليا مسيطرة. المشروعية الوحيدة القائمة مفتوحة أمام ما يسميه ليوتارد -استنادا إلى فتجنشتين-: «الألعاب اللغوية"؛ وهي مستويات من الأداء اللغوي المفرداتي، أو الجملي غير المعياري المنمط مسبقا، ولا يمكن الحكم على معانيها أو دلالاتها، إلا من خلال التعرف إلى طريقة استخداماتها بين الناس والدور الذي تؤدّيه في خضم هذا الاستخدام (هل نحن أمام استعادة متأخرة لنظرية النظم عند الجرجاني؟).
وأكثر ما يبدو مثيرا لحفيظة ليوتارد، هو السّرديات التاريخية المجوهرة لوهم «ذات كلّية» تعلو فوق كل الفروقات والخصائص وتتمتع بسيرة ذاتية؛ بدءا من لحظة الميلاد مرورا بلحظة التطوّر ثم التحرر، كما هو الحال في سردية «البروليتاريا» الممّثلة للمجتمع الاشتراكي أو في سردية «الحزب» الممثل للطبقة الكادحة.
وللحيلولة دون وقوع المجتمعات البشرية مجدّدا في براثن المأساة السردية الحداثية؛ فإن ليوتارد يؤكد ضرورة التصدّي لأي محاولة للبدء في إنشاء نظرية شاملة، لأن أي محاولة من هذا القبيل، لن تعدو كونها محاولة لبناء نموذج حكائي جديد عال ومسيطر (narrative Grand) سيقود -كما قادت النماذج الحكائية الحداثية السابقة- إلى حروب كونيّة مروّعة، على شاكلة الحربين الكونيتين الأولى والثانية؛ فالنظريات الكلية الهادفة إلى توحيد كل القصص، وتقديم تفسير لكل ما يقع في محيطها، لا بد أن تنتج نظماً سياسية مستبدة، تلحّ على انتقاء ونشر القصص والحكايات العليا، على أنها الحل الشافي لكل مشاكل الجماهير.
لقد قُيّض لليوتارد أن يعيش ليرى جزءاً من نبوءته يتحقق في حرب الخليج الثانية، حينما نجحت الولايات المتحدة الأميركية في استثمار الخطأ القاتل الذي ارتكبه النظام العراقي السابق بإقدامه على احتلال الكويت، للخروج من أزمتها البنيوية الحداثية المتمثلة في استنفادها التام لكل قصصها وحكاياتها العليا المقدسة (الحلم الأميركي) بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي؛ فسارعت على الفور لبناء سردية جديدة تستعيد مقولات الخير والحرية في مواجهة الشر والطغيان. وقد نجحت في حشد تحالف دولي واسع عمل على إكساب هذه السردية الجديدة شرعية دولية.
لكن العمر لم يمتد به -فقد توفي عام 1998- ليشهد التجسيد الكامل لنبوءته ما بعد الحداثية، الذي تحقّق جرّاء الهجوم الذي استهدف نيويورك وواشنطن (11 سبتمبر 2001)، والذي وفّر للولايات المتحدة الأميركية فرصة إنضاج سرديتها العليا الجديدة، التي أفصحت عن نفسها جزئيا في حرب الخليج، لكنها ما لبثت أن راحت تميط اللثام عن فصولها فصلا فصلاً، تحت عنوانين رئيسين: نهاية التاريخ وصدام الحضارات، ومضمونين رئيسين: «دموية الإسلام والمسلمين» و"تخلّف العروبة والعرب»، والتي جوبهت بسردية إسلامية عربية في المقابل مفادها: «إفساد الولايات المتحدة الأميركية في الأرض».
لقد توّجت الولايات المتحدة الأميركية سرديتها الجديدة باحتلال أفغانستان ثم باحتلال العراق، وفق الآلية السردية التي سبق لليوتارد أن وضحها؛ فقد سعت إلى توحيد كل القصص والحكايات وصهرها في نموذج حكائي شمولي عال مسيطر ومن إنتاجها هي، ثم قالت للعالم: إما أن تأخذوا بروايتي كلها دون أي حذف... وإلا! وكم كان ليوتارد سيسعد لو أنه عاش ليسمع بأم أذنيه مفرداته التي أُعيد استخدامها لتأثيث السردية الشمولية الجديدة للولايات المتحدة ال أميركية: الحق.. الصدق.. العدل.. الخير.. الحرية! وكم كان سيحتار إزاء إعادة إنتاج دعوته لـ «شن حرب حاسمة ضد الشمولية والكلية والعمومية» بصورة سردية أميركية جديدة مشغولة بـ «شن حرب واسعة ضد الإرهاب"!
وعلى أي حال، فقد فهم ليوتارد الأيديولوجيا على أنها «رواية كبرى»، أو على أنها لعبة تهدف إلى إخفاء شروط إنتاجها الخاصة بواسطة اللغة. وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى التوصيف الذي أطلقه هيجل على الرواية بوصفها «الملحمة البرجوازية» الحديثة أو الحداثية. ولو حاولنا القيام باستقلاب منطقي بسيط؛ فسنكتشف أن ليوتارد الذي شن حرباً مقدّسة على هيجل والفلسفة الشمولية والكلية يلتقي مع هيجل على اعتبار الرواية «إيديولوجيا كبرى».
وعلى أي حال أيضاً، إذا سلّمنا جدلاً بأن ليوتارد حينما أقدم على نشر كتابه «شرح ما بعد الحداثة للأطفال» عام 1986 لم يكن مسوقا بالحنين إلى القصص والحكايات العليا التي لم يدخر وسعا للمناداة بضرورة إعلان الحرب عليها؛ فإن السؤال الكبير الذي لم يجب عنه هو: بمَ ستتمثل «الشرعية» إذا أقصيت الحكايات اللغوية الكبرى «الأيديولوجيا"؟ وهل سيؤدي هذا الإقصاء إلى اختفاء فلسفة القوة ومحركاتها؟
لقد شهد عام 1986 الذي أصدر فيه ليوتارد «شرح ما بعد الحداثة للأطفال»، صدور كتاب لعالم النفس جيروم برونر، تدثّر بعنوان «عقول حقيقية وعوالم ممكنة»، وميّز فيه بين طرازين من التفكير:
- طراز التفكير القياسي المشغول بالفلسفة والمنطق والرياضيات والعلوم الطبيعية.
- طراز التفكير الروائي المشغول بالحالة الإنسانية.
وقد انتهى برونر في هذا الكتاب، إلى القطع بأن طراز التفكير الروائي، لا يفضي بنا إلى ما يتجاوز الأنساق النظرية أو القدرات الفردية، التي يمكن إخضاعها للاستقراء والتحليل فقط، بل هو يفضي بنا أيضًا إلى اكتشافه باعتباره علامة فارقه للجنس البشري عن كل أجناس الحياة الأخرى. إنه يوفر إمكانية لا متناهية لقراءة أفكارنا في الماضي البعيد وإمكانية تصور ما ستكون عليه أفكارنا في المستقبل البعيد والمعقد. كما إنه يمكننا من فهم الشبكة المعقدة للأعمال والأفعال، والتخطيط للقيام بأعمال مستقبلية على نحو فعّال. وهو يمثل آليات الفهم ذاتها التي نتوسّل بها للإلمام بشبكة العلاقات الاجتماعية المحيطة بنا.
وقد مهّد هذا التمييز بين طراز التفكير القياسي وطراز التفكير الروائي الطريق لمايكل كاريذرس، ليستخدم على نحو أكثر حسماً، مصطلح «الفكر الروائي» باعتباره معادلاً مكافئاً للفكر الأنثروبولوجي، نظراً لما ينطوي عليه من إمكانيات لتحليل العلاقات المباشرة بين الذات والآخر، بل لتحليل تفاعلات بشرية معقدة ومتعدّدة الجوانب اعتماداً على استخدام مفهومي «الشخصية» و"الحبكة» بالمعنى الأدبي الفني. وقد أفرد كاريذرس في كتابه «لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة» الصادر عام 1992، فصلاً ضافياً بعنوان «الثور والقدّيس»، لإبراز الإمكانات المتعدّدة التي يمكن للسرد الروائي أن يرفد بها حقل البحث الأنثروبولوجي، بالاعتماد على بعض تقنيات أو عناصر السرد الروائي مثل الشخصية والحبكة، والى الحد الذي يدفعه إلى المقارنة بين الفيلسوف والروائي من منظور سردي.
وإذا كان ليوتارد قد عمل على إبراز الحكايات العليا باعتبارها الوسيلة الرئيسة للسيطرة والهيمنة السياسية على المجتمعات الحديثة، فإن إدوارد سعيد قد أبدع في إبراز السرديات الكبرى باعتبارها الوسيلة الرئيسة لسيطرة الإمبريالية الغربية على الشعوب المستعمرة، إذ خصّ السرد الإمبريالي-الإمبراطوري بفصل ضاف في كتابه «الثقافة والإمبريالية» الصادر عام 1993، وقد أماط اللثام فيه عن علاقات التواشج الثاوية بين التاريخ والسرديات من جهة، وعلاقات التواشج بين التاريخ والخيال من جهة أخرى، إلى الحد الذي قد يتداخل معه الواقع بالخرافة حتى تبتلعه الأخيرة. ومع ذلك فإن السرد وفق المنظور التفكيكي التحليلي الذي يلتزمه إدوارد سعيد، يغدو عالماً صلباً حتى لو كان من صنع الوهم أو الخيال، لأن فيه تصنع صورة الذات عن ذاتها، وفيه تصهر كل العواطف والأحكام القبلية الجاهزة في بوتقة واحدة، تكتسي مع الزمن طابع القداسة التي تجلّل سردية كبرى تضم إلى جانب القومية اللغة والدين ومنظومة المعرفة الحياتية اليومية.
لقد ابتكرت سردية «إسرائيل» في هذا السياق الذي يتداخل فيه التاريخ مع الخيال والواقع مع الوهم، كما تم العمل بلا كلل على محو السردية العربية المضادة. إن الصراع العربي الإسرائيلي هو -في الواقع- صراع بين سرديتين أو روايتين أو حكايتين. ووفقا لتشخيص ليوتارد للعلاقة بين الحكايات العليا المسيطرة والنظم المستبدة، فإن السردية العربية وعلى الرغم من كل ما قد يقال عن شموليتها وكّليتها، تبدو متواضعة في عدوانيتها ونزوعاتها للسيطرة، إذا قورنت بالسردية الإسرائيلية التي لم تدع أي تفصيل أو تفسير أو حكاية خارج سيطرتها، لذلك فقد اختارت أن تكون دموية منتصرة بدلاً من أن تكون ضحية عادلة.
إن السؤال الذي قد يثور لدى الانتهاء من الفصل الخاص بالسرد في «الثقافة والإمبريالية» هو: هل كانت التحليلات التي أجراها إدوارد سعيد في بعض السرديات الغربية صدى لآراء ليوتارد؟ وخاصة لأن إدوارد سعيد تبنى المزاوجة الخاصة للعلاقة بين الوجود التاريخي والسياق السردي، التي أطلقها هومي بابا (الأمة والسّرد: Nation and Narration)؟
إنني أميل إلى الاعتقاد بالنفي، لأن القيام باستقراء عميق للتحليلات اللافتة التي أجراها إدوارد سعيد في «الاستشراق» الصادر عام 1978، من شأنه أن يؤكد نفاذ إدوارد سعيد منذ ذلك الوقت، إلى حقيقة أن الخطاب الاستشراقي هو -في الواقع- سردية عليا أنتجها الغرب عن الشرق، واكتسبت مع الزمن سلطة ونفوذ القصص والحكايات العليا، بدليل تأكيده في «الاستشراق» أن الاستشراق أسلوب من الفكر القائم على تمييز وجودي ومعرفي بين الشرق والغرب. فتقّبل جمهور كبير جداً من الكتاب، وبينهم شعراء، وروائيون وفلاسفة، ومنظرون سياسيون، واقتصاديون وإداريون استعماريون، التمييز الأساسي بين الشرق والغرب بوصفه نقطة الانطلاق لسلسلة محكمة الصياغة من النظريات والملاحم والروايات والأوصاف الاجتماعية والمسارات السياسية التي تتعلّق بالشرق وسكانه وعاداته وعقله وقدره.