في روايته «توابيت وقبر واحد»، يقدّم الشاعر عمر أبو الهيجاء عملاً أدبياً يتجاوز حدود النوع الأدبي، فيمزج بين الشعر والرواية، وبين التجربة الفردية والذاكرة الجماعية، ليكتب نصاً يُعيد رسم الوجع الفلسطيني في أبعاده الإنسانية والسياسية والرمزية. هذه الرواية أولى تجاربه في السرد الروائي بعد مسيرة طويلة في الشعر، غير أن انتقاله من القصيدة إلى الرواية لم يُفقده الحسّ الشعري الذي يميز لغته، بل على العكس، جعله يسكب الروح الشعرية في السرد، ليولد نصّ نابض بالإيقاع، عميق في المعنى، ومشحون بالصور التي تلامس القلب والعقل معاً.
«غزالة»، القرية الفلسطينية الرمز التي تدور أحداث الرواية فيها، تمثل نموذجاً لعشرات القرى الفلسطينية التي عاشت المأساة نفسها: الاحتلال، التهجير، المجازر، ومحاولات طمس الهوية. غير أن «غزالة» ليست مجرد مكان، بل هي مرآة لفلسطين كلها، تختصر حكاية الأرض والإنسان، وتقدّم صورة عن المقاومة التي لا تموت مهما اشتدّ الليل. عبر سردٍ يتراوح بين الواقعية والرمزية، يعرض أبو الهيجاء حياة سكان القرية في ظل الخوف والدمار، لكنه لا يقدّمهم كضحايا فحسب، بل كبشرٍ يحبّون، يحلمون، ويقاومون حتى آخر لحظة.
منذ الصفحات الأولى، تظهر اللغة الشعرية المكثفة التي تُعدّ السمة الأبرز في الرواية. فالمشاهد مكتوبة بأسلوب يفيض بالصور، مثل وصف شجر الزيتون، والحواكير، والدماء المنثورة، والقناديل التي تقاوم العتمة، والبيوت التي تنهض من تحت الركام. كل مشهد يخلق صورة فنية تتجاوز الوصف المادي إلى الدلالة الرمزية: الزيتون رمز الصمود، القنديل رمز الأمل، الدم رمز الهوية والتضحية. هكذا تتحول التفاصيل اليومية إلى إشارات كونية عن معنى البقاء والمقاومة.
من أبرز الرموز المتكررة في الرواية: الدم والنور، وهما عنصران يشكلان ثنائية مركزية في النص.
الدم في الرواية لا يرمز إلى الموت فحسب، بل إلى الاستمرار والتجدد، فهو دم الشهداء الذي يُغذّي الأرض ويمنحها الحياة، وذاكرة الفلسطيني التي لا تنطفئ. أما النور، المنبعث من القنديل أو من داخل الشخصيات نفسها، فهو رمز للأمل والإيمان بالحياة وسط العتمة التي تفرضها الحرب والاحتلال. العلاقة بين الدم والنور علاقة تكاملية لا تناقضية: من رحم الدم يولد الضوء، ومن الألم ينبثق الأمل. هذه الجدلية تجعل الرواية رحلة وجدانية روحية بقدر ما هي سرد واقعي لتاريخ مؤلم.
كما يظهر في الرواية رمز الضبع الذي يهدد القرية مراراً، وهو رمز بالغ الدقة في دلالته. فالضبع ليس مجرد خطر حيواني، بل هو تجسيد للتهديد المستمر الذي يواجه الفلسطيني: الاحتلال من الخارج، والانقسام والخيانة من الداخل. وجوده المستمر يعكس فكرة الخوف الدائم والتهديد المستمر على الهوية والأرض، ويُبرز حالة القلق الجماعي التي تعيشها القرية، تماماً كما يعيشها الشعب الفلسطيني في واقعه الراهن.
يتميّز أسلوب أبو الهيجاء كذلك بـ الحيادية في السرد، فهو لا يقدّم أحكاماً جاهزة ولا ينحاز إلى خطاب سياسي مباشر، بل يعرض الأحداث كما هي، ويدع القارئ يكوّن رؤيته الخاصة. هذه الحيادية تمنح الرواية مصداقية وعمقاً إنسانياً، إذ لا تُختزل المعاناة في شعارات، بل تُقدّم من خلال البشر أنفسهم، في نقاط ضعفهم وقوتهم، في حبهم وخوفهم وصمودهم. فالكاتب يروي، لكنه لا يُدين، ويصف، لكنه لا يحكم. إنه يترك الوجع الفلسطيني يتكلم بنفسه، دون وساطة أو تزييف.
في هذا السياق، تتألّق الشخصيات الإنسانية التي صنعها الكاتب، مثل «فرحان»، و"عتابا»، و"رومية»، و"أبو الجدايل». كل شخصية تمثّل وجهًا من وجوه الوجع الفلسطيني، لكنها في الوقت ذاته تحمل ملامح الأمل والمقاومة. فعلاقة «عتابا» و"شاهد»، على سبيل المثال، تمثل الحب الذي ينبت وسط الرماد، والإيمان بأن الإنسان قادر على الحلم حتى في أقسى الظروف. بينما يعكس «فرحان» صراع الفرد مع مصيره، وتُجسد «رومية» الأمومة الحانية رغم الفقد، ويُظهر «أبو الجدايل» الانتهازية التي تتكرر في كل زمان ومكان. هذه الشخصيات ليست رموزاً مجردة، بل كائنات حقيقية تنبض بالحياة، وتجعل القارئ يعيش معهم تفاصيل الألم والفرح.
ومع تصاعد الأحداث، تدخل الرواية مرحلة الصراع الرمزي الكبير بين الدم والنور، الموت والحياة، العتمة والضوء. في أحد الفصول المفصلية، يواجه فرحان الضبع في مشهدٍ يجمع بين الرمزية والدراما، فيغدو الصراع بين الإنسان والوحش صراعًا بين الخير والشر، بين الأمل واليأس، بين البقاء والفناء. وهنا تتجلّى قدرة الكاتب على تحويل الحدث البسيط إلى رمز شامل للوجود الفلسطيني الذي يقاوم كي يستمر، ويستمر كي لا يُمحى.
الرواية ليست فقط تأملاً في الماضي، بل أيضًا مرآة للواقع السياسي الراهن. الأحداث التي تمرّ بها «غزالة» تُحاكي ما تعيشه فلسطين اليوم: القصف، التهجير، هدم البيوت، غياب الأمان، والبحث الدائم عن بصيص ضوء في ليلٍ طويل. من خلال هذا الربط بين الماضي والحاضر، تتحول الرواية إلى شهادة أدبية على الاستمرارية المأساوية للتاريخ الفلسطيني، وإلى دعوة للوعي، لا للانكسار.
وعلى المستوى الفني، نجحت الرواية في تحقيق توازن دقيق بين الشعر والسرد. فبينما تحافظ اللغة على شعريتها العالية، يبقى السرد متماسكًا، والشخصيات متطورة، والأحداث متتابعة دون انزلاق إلى الغموض أو الإبهام. وهذا ما يجعل «توابيت وقبر واحد» نموذجًا فنيًا ناجحًا لتحويل الشعر إلى رواية دون فقدان جوهره الجمالي. أبو الهيجاء يكتب بلغة شاعر، لكنه يفكّر بعقل روائي، فيمنح النص عمقًا مزدوجًا: جمالية الشعر وواقعية السرد.
الرواية مشبعة بالتعاطف الإنساني، لا تجاه الشخصيات فحسب، بل تجاه الوجود كله. القارئ لا يشعر أنه أمام نصّ سياسي فقط، بل أمام تجربة إنسانية كاملة تُبرز أن الفلسطيني -رغم كل ما عاشه من ألم ودمار- ما زال قادرًا على الحب والوفاء والأمل. في خضمّ الحرب، ما زالت هناك أمّ تُرضع طفلها، وشابّ ينتظر عودته إلى أرضه، وعاشقة تتمسّك بذكرى من رحلوا.
في النهاية، «توابيت وقبر واحد» ليست مجرد رواية عن قرية فلسطينية، بل قصيدة كبرى مكتوبة بلغة السرد، تمزج بين التاريخ والرمز، بين الجرح والحلم، بين الأرض والإنسان. استطاع عمر أبو الهيجاء أن يقدّم عملاً يُعيد الاعتبار للشعر في الرواية، ويحوّل المأساة إلى عمل فنيّ يفيض بالحياة. الرواية تحمل وجع فلسطين كله، لكنها أيضًا تبثّ روحها، نورها، وصوتها الذي لا ينكسر.
بهذا المعنى، تمثل «توابيت وقبر واحد» صرخة ضد الموت، وحكاية عن الخلود، حيث تتحوّل التوابيت إلى رموزٍ لولادة جديدة، والقبر الواحد إلى وطنٍ يحتضن أبناءه رغم الفقد. إنها رواية تُكتب بالدم والنور معًا، وتبقى شاهداً على أن الحكاية الفلسطينية -مهما تكررت- لا تموت، بل تتجدّد في كل جيل، وفي كل كلمةٍ تنزف حبّاً للأرض والحياة.
(كاتبة أردنية تقيم بالولايات المتحدة)