• قبل أن أموت أريد أن...
هكذا استهل تود هنري كتابه (مُت فارغاً)، استهله بحكاية عن سيدة قابلت موت عزيز عليها بسؤال وجودي، فلسفي ونفسي، ثم أخذني معه لجلسة حوار بين الأصدقاء حيث سأل أحدهم: «في اعتقادكم ما هي الأرض الأعلى أو الأسمى قيمة في العالم؟». نعم، لقد حاولت الإجابة معهم، لكني لم أدرك يوما حتى قرأت الإجابة أن القبور هي الأغلى ثمنا.
بهذا الإدراك نظرت لكل من حولي وتذكرت من فارقني وأبصرت الأحلام والطموحات والقدرات التي ما تزال حبيسة التأجيل والتردد والتعذر وكم منها نسي أصحابها أنها تملكت مشاعرهم وآمالهم يوما.. وأنت أيها القارئ الفاضل أولا ترانا أحلاما، أفكارا، روايات تمشي فوق الأرض، وما هي حالة هذه المكنونات الآن؟ هل خرجت من غياهب العقل والقلب إلى النور؟
• الحياة العادية لا تحتاج إلى تخطيط
الحياة العادية أو الراكدة تبنى على عمل يحقق الكفاءة لا الفاعلية، عمل يجلب دخلا يغطي الاحتياجات قصيره المدى ويتسم بالروتين والتكرار وحتى الملل، وقد وصفت كتب الإدارة شريحة من الموظفين بالذي يمشي وهو نائم. باختصار؛ بالحياة العادية لست أنت من يمسك زمام أمور يومك، بل اليوم هو الذي يمضي من خلالك، ولكن إن أردت أن يكون لك بصمة في هذه الحياة فعليك أن تحّرم على نفسك الخطايا السبع للحياة العادية (الوهم، الملل، الراحة، التشتت، الأنا، الحذر، الخوف).. عليك أن تنخرط في عمل يجعلك تستيقظ كل يوم متحمسا لإنجازه، العمل الذي تبذل فيه جهدا لتصنع قيمة لم تكن موجودة من قبل حتى وإن كان عملا إضافيا، وعندما نعلم أن كل الابتكارات بدأت مثل وميض أو حدس في الأجزاء السفلية من الدماغ سنتحسر على كل فكرة اندثرت من ذاكرتنا.
• وهم الشغف
أنت تعرف الآن معي أيها القارئ الفاضل أن أصل كلمة «شغف» في اللغة العربية يعود إلى إصابة القلب وخرقه، أما باللغة الإنجليزية فإن أصلها لاتيني يعني المعاناة أو التحمل، وهذا بعيد كل البعد عن فهمنا واستخدامنا لهذه الكلمة، وهذا يعيدنا إلى إعادة ضبط الرابط العام في حياتنا، فبدل أن يسأل الواحد نفسه: «ما الذي يبهجني؟»، قد يكون السؤال الصحيح: «ما العمل الذي أستعد للمعاناة من أجله اليوم؟».
ولا يتساوى الشغف كله، فالشغف المثمر يركز على الآخرين وليس على الذات، ولتعرف الشغف المثمر عليك أن تشعر بعاطفة الغضب النافع، تلك المشاعر التي تساعدك على اختيار المعركة التي عليك خوض غمارها، تلك المعارك التي تستهدف حلّ المشكلات وبناء حياة أفضل، وإن وصفك الآخرون بالهوس في عملك فاعلم أنك على النهج الصحيح وعليك أن تتحلى بالأمل والطموح، فنجاح البارحة ركيزة لنجاح الغد، خاصة إذا كان النجاح يعني أن تفرغ نفسك من أفضل أعمالك كل يوم.
• التظاهر بالحكمة ليس كامتلاكها
البعض يعتبر الجهل فشلا، وقد يرافقه شعور بالخجل عند البعض؛ فتراه يهز رأسه موافقا وهو بعيد كل البعد عن فهم الأمر. هؤلاء يشتركون بكونهم ملولين مشغولين يعانون من الركود الفكري ويؤمنون أن الفضول للقطط، ينجزون الكثير من المهام، لدرجة أنهم يصفون اليوم بأنه قصير، ولكن إن قمت بتحليل ما تم إنجازه اليوم فلن تجد الكثير فعليا. هي حلقة تدور بهم كل بحسب طبيعة عمله، لا يخرجون منها بنسخة أفضل من أنفسهم.
الأشخاص الذين يبحثون عن الحكمة يشعرون بالعطش الشديد تجاه المعرفة ولا تهددهم المعلومات الجديدة، بل إن الأشخاص الناجحين يتميزون بإقرارهم بنقاط الجهل عندهم ويعتبرونها فرصة للنمو والاستثمار، ولكن كيف أخرج من ثوب الملول المشغول؟ بالفضول.. وقد ذكر الكاتب هنا استراتيجية مثيرة للتعامل مع هذه الحالة، وهي بتحويل الترفيه إلى مساهمة، ويكون ذلك مثلا باستغلال كل مقطع تشاهده على الإنترنت في تحسين أدائك وعملك مهما كانت طبيعته، فلو قررت مثلا استخدام شعار «أذهل الناس» في إدارة عملك -كما فعلت مجموعة مطاعم بوكا- وقمت بتحويل ساعات الترفيه على الإنترنت لعملية بحث عما يذهل الناس في هذا الفضاء الواسع، أعتقد أنك ستولد الكثير من الأفكار الإبداعية التي تعكسها على عملك مهما كانت طبيعته.
"لأن التحرق للرفاهية ينحر أهواء النفس في كبدها فيرديها قتيلة، ثم يسير في جنازتها فاغراً شدقيه مرغياً مزبداً» (جبران خليل جبران).
مت فارغا، اخرج من منطقة الراحة وقدم أفضل ما عندك حتى وإن لم يسمعك أحد، فهذه هي أفضل طريقة تجعل بها نفسك لا تقدر بثمن، أعد ابتكار نفسك ضمن هيكل من القيم التي هي جوهر وجودك كالإيمان والعائلة، أبحر لأقاصي فضائك في العمل والفكر والروح، فلربما كان للرحلة معنى أكبر من نهايتها، كن أنت أفضل ما يمكن تقديمه للمجتمع.
• وما الغد إلا أمنية غير محققة
الكون من حولك، الأرض تحت قدميك، الشجرة التي على طريقك أو تملأ بيتك، نسيم الهواء الذي تبحث عنه في يوم قائظ، عائلتك التي تنتظرك، مكان عملك الذي تقضي به أكثر من نصف عمرك، مجتمعك الأوسع، وطنك، كلهم ينتظرون إسهامك، وأثرك، وفضل وجودك بينهم، وتذكر أن العالم يصطف خلف القوي الذي يعرف هدفه ويثق بحدسه، الأصيل ذي الجوهر الذي لا يغريه استحسان الآخرين، الصلب في قناعته وموقفه، والذي يمضي قدما حتى وإن كان في مواجهة المجهول.
الكون من حولك، الأرض تحت قدميك، الشجرة التي على طريقك أو تملأ بيتك، نسيم الهواء الذي تبحث عنه في يوم قائظ، عائلتك التي تنتظرك، مكان عملك الذي تقضي به أكثر من نصف عمرك، مجتمعك الأوسع، وطنك، كلهم ينتظرون إسهامك، أثرك وفضل وجودك بينهم وتذكر أن العالم يصطف خلف القوي الذي يعرف هدفه ويثق بحدسه، الأصيل ذي جوهر لا يغريه استحسان الآخرين، الصلب في قناعته وموقفه، والذي يمضي قدما حتى وان كان في مواجهة المجهول.