في مجموعتها الأخيرة «جبل الجليد» الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2025)، يظهر جليًّا أنّ د.أماني سليمان داود قد شحذت خيالها جيدًّا قبل أن تخوض غمار هذه المغامرة البنائية واللغوية والرمزية حتى تصل بنا إلى حالة شعورية مقصودة بعينها، ويقال بأن كلمة مفجع تستخدم لوصف ألم يسبب حزنًا عميقًا وكبيرًا، كالألم الناتج عن الفقد. ولعل هذا ما أرادت أن توصلنا إلية القاصة من خلال تقنيات سردية مركّبة وربما معقّدة، وصور دقيقة، وشخصيات محكمة لتدفعنا للتأمل والتفكير والتدبر. هذه المجموعة من الحفريات التجريبيّة في القصة العربية التي لا تتقيد بنموذج واحد للتعبير عن هواجس الناس ومعاناتهم في الحروب والنزاعات والقلق والخوف، بل تجترح أسلوبيات متعددة لتمرير محمولات معرفيّة وإنسانيّة وثقافيّة وازنة.
هناك اشتغال واضح على اللغة عمل على توهجها من العتبة إلى الهامش، وقد ساهم هذا التوهج في فعل القص والحكي ولم تعد اللغة مجرد ناقل للحدث والصيرورات والمصائر، بل هي جزء عضوي من نسيج حكائي متماسك يستدعي أزمنة وأمكنة وشخصيات وثيمات وتقنيات لصنع حالة مشحونة تجبرنا عجينتها السرديّة-اللغوية على الالتفات والتفاعل. كما امتازت اللغة بالوصف الدقيق الذي يدفعنا إلى خضم المشهد فنقف بين الشخصيات وقد نلكز إحداها من خاصرتها لتنتبه لأمر ما غفلت عنه. نقرأ من قصة «حاجز رمادي» فقرة فيها من دقة الوصف: «تذكرتْ كل واحدة منهن ما توفر لديها: سندويشات زعتر وزيت التصق بأغلفة الكتب وبالمراييل الخضراء، خبز محشو بجبنة بيضاء مع شرائح خيار ارتخت رطوبته على الخبز فتراخى قوامه، وبسكويت في كيس بلاستيكي تكسر من ضغط الكتب عليه في الحقائب، لم تعلّق أي واحدة منهن، لم تملك إحداهن رفاهية الشكوى».
أما فاتحة المجموعة، «رجل الملاريا»، فهي قصة احتجزتني طويلًا في تفاصيلها؛ فهي تتحدث عن اغتراب إنسان هذا العصر ومكابدته وحنينه إلى بساطته وفطرته في التفاعل مع البيئة المفتوحة وشعوره بالحرية والانطلاق والرحابة، وتؤكد أنّ إنسان اليوم أسير أفكار الأمس التي تعيده إلى ذلك الزمن البكر والذكريات المطبوعة في وجدانه كأنها لوحات (فريسكو) محفورة في الصخر الصلد لا يؤثر فيها غبار الزمن وتصاريفه. وعن مَردّ هذا القلق والتوتر تشير القاصة إلى الحروب والخنادق والملاجئ، وتشير أيضًا إلى الأخبار كمصدر من مصادر القلق والتوتر، ونتيجة لهذا الوضع المأزوم يتوجه السارد إلى عيادة الطبيب النفسي ليساعده في التخفّف من هذه المشاعر السوداوية القاسية. يتحدث للطبيب عن هواجسه حول ممرض الصحة أو رجل الملاريا، يصفه بالخفة كريش حمامة، والقلق ويصف حلمه بالتقاعد ويستطرد في الحديث عنه إلى أن يتعرض إلى حادث مؤسف خلال تنظيف سلاحه ويموت، ولا نعرف على وجه اليقين إن كان ما حدث انتحارًا أم مجرد أمر مؤسف، وعلى الأغلب كان فعلًا غير مقصود لأنّه كان يحلم بالتقاعد كي يتفرغ للعناية بشياهه.
ليس بالضرورة أن ندرك إن كان السارد يتحدث عن شخصية حقيقية مرت في حياته أم يتحدث عن نفسه بضمير الغائب، فما يعنينا من القصة هي الحالة وليس من يمرّ بها. ما يفصح عنه فعل القَصّ أن رجل الملاريا والسارد يشتركان في التفكير ببيوت الشعر التي جاءت في رمزية طريفة إلى الفطرة الأولى والامتداد وحياة البداءة، كما جاءت السقوف الإسمنتية في رمزية مقابلة إلى نقيض سليقة الإنسان من الضيق والاحتجاز في أمكنة محصورة. وما تشير إليه القصة أيضًا أن الطبيب وصف للمريض، وهو السارد، مهدئات قوية بعد أن قال: «غالبًا ما يأتي المدد متأخرًا، أليس كذلك؟! كثيرًا ما يحدث ذلك!!»، والمقصود هنا أن الإسعاف وصل متأخرًا ولم ينقذ رجل الملاريا وهذا مؤشر إلى الهلوسات وتداخل الواقع بالخيال وحالة من ثنائية القطبية والقلق التي جعلته يرى نفسه ميتًا من خلال مصير رجل الملاريا.
وقصة «رجل الملاريا» مفتوحة على أكثر من تأويل، لكن حالة الاغتراب وعدم الاندماج والقلق هي الملامح الظاهرة التي تفتح أكثر من باب للتلقي والتفاعل. وهذا ما دأبت عليه الكاتبة في قصصها السابقة، فهي تبحث عن أسلوبية ولغة ورمزية لا تحجز القصة في تأويل واحد. فنحن نرى الشخصيات لكننا لا نمسكها ونشتبك مع الحدث لكنه يراوغنا في لحظة ما ويفلت منا، وهذا أمر مقصود حتى لا تكون القصة سببيّة كاملة ولا منفلتة من عقال منطق الأشياء والزمن، فيأتي قارئ آخر ولا تتقاطع انطباعاته مع انطباعاتي لا من قريب ولا من بعيد.
لم تغب الأجواء السورياليّة عن المجموعة، بل حضرت بقوة في أكثر من قصة، واستخدمتها القاصة للتعبير عن فوضى هذا العالم وهمجيته ومجانية الموت والمجازر وهي إشارة واضحة إلى ما يحدث في غزة، فها نحن نرى في قصة «كأس في حفل للموتى» حفّار القبور وفؤوس كثيرة -تحفر بمفردها- مشغولين بتجهيز لُحود لجثث ستصل قريبًا، ونرى ساعي البريد حاملًا رسائل للموتى يضعها حفّار القبور على ظهر كل قبر، والسارد في هذه القصة سارد مشارك وأحد نزلاء المقبرة ويصف لنا بإسهاب ما يحدث من تطاول الحشائش وحركة الحشرات والديدان وأصداء ضحكات مألوفة، ويظهر في سرده مفردات قابلة للتأويل مثل الفراشات والأوراق والخيّالة الذين هاجموا المقبرة صائحين: أين هو؟ أين هو؟ سنفلق رأسه إلى نصفين. فالفراشات تشير إلى الأمل والحياة رغم أنف كل هذا الموت، والأوراق هي الهوية التي يتمسك بها السارد وتشكل هاجسًا بالنسبة إليه، والخيّالة هم المعتدون الآثمون الذين قتلوا الأطفال والنساء، لكن القصة تنبأت بزوالهم واختفائهم: «وبينما أنا أفكر في ملاذ ألجأ إليه كانت الخيول تتدافع محمحمة، تعبر جسدي نافذة من رأسي وصدري وقدمي، وكلما عبر حصان من خلالي نظرتُ خلفي لأتابع مسيره فلا أجده». وهناك مفردات أخرى تشير إلى بعض مكونات المشهد المحزن مثل الديك والدجاجات وحفّار القبور.
وفي نهايةٍ لا تقل سوريالية عن البداية تحضر جرّافة وتنبش القبور وتقلبها فيخرج الموتى ويجلسون قريبين من بعضهم بعضًا ويأتي حفّار القبور حاملًا صندوقًا من زجاجات الخمر يوزعها عليهم ليشربوا (بصحتك). هذا العالم المجنون بحاجة لبناء سوريالي حتى يعبّر عن حجم جنونه، فمهما صحنا بأعلى صوتنا.. مجنوووون، ستبقى مجرد مفردة بلا صدى لكن السوريالية في غرائبيتها وقسوتها ستنقلنا إلى مدار أعلى من الشعور والإدراك لأنها تفتح أبوابًا كثيرة على التخييل وتحثّ القارئ على الانطلاق من معطيات قريبة إلى مرامٍ بعيدة.
ومن تقنيات القص التي أشرنا إليها في المقدمة تعدد الرواة، وهذا أسلوب يستدعي الحذر الشديد في القصة القصيرة لأنّ اللبس وارد باحتمال كبير. تعدد الرواة أو البولوفونية مستخدمة في الرواية لأن المساحات متوفرة وبالتالي هناك فسحة كافية للمناورة، لكن في هذه المجموعة نجحت القاصة في استثمار هذه التقنية على وجه مقنع ساهم في صدقيّة السرد. في قصة «القناع» يتناوب المرأة والراوي العليم (الذي يلعب دور المكلف بمتابعة حالتها المرضية) على السرد، كما يظهر صوت الزوج في شذرات بسيطة هنا وهناك، ويتضح من الأحداث أنّه شخص متسلّط وشكّاك ويتسبب في وفاة طفله. الزوجة محبة ومهادنة وعلى استعداد لفعل أي شيء لإرضاء زوجها بما فيه التفكير بتكسير إطار لوحات الأُسُود لتحريرها من أسرها فقط لأنه كان يحبّ هذه الحيوانات الكسولة كما وصفتها. تتوالى أفكار المرأة وهواجسها في طريقها لفتح الباب، والوقت الحقيقي الذي استغرقته القصة هو أقل من دقيقة للنهوض والتوجه نحو باب الشقة، لكنها من خلال تيار الوعي استعادت في هذا الوقت القصير أهم المفاصل والأحداث في حياتها.
في «مرآة جانبية» نرى جدليّة بين بطلة القصة (تقوى) والراوي العليم، فكل منهما يروي القصة بطريقة مختلفة، أي أنّنا أمام حالة تمرّد كما يحدث عندما يتمرّد البحارة على قبطان السفينة، فالشخصية تريد أن تفرض رأيها ورؤيتها على الكاتب وعندما تقع المواجهة الأخيرة بينهما تطعنه في صدره وتخرج من الورق.
كان للأحياء الشعبية -والزمن الذي كانت فيه نسوة الحي يجتمعن حول كومة كبيرة من عيدان الملوخية لفرط أوراقها- نصيب من المجموعة. «نافذة وأسرار صغيرة» قصة عن الحنين وحماقات المراهقة: «ظلت أصابع النسوة تعمل باجتهاد في فرط الأوراق التي بدأت تملأ وعاءً كبيرًا عميقًا، مدت بعضهن أرجلها إلى أقصاها بكل طمأنينة، ولا أعلم في تلك اللحظات إن عبر في أذهانهن بأن فتى يبدو غرًّا أحمق يشهق شهقات خافتة وهو يحدّق في بياض ينكشف ستره بين الفينة والأخرى بقصد أو من غير قصد، فينفتح فمه على أقصاه، ثم يبلع ريقه ويعض على شفتيه».
أما «الابن الذي زرع أباه ورشّه بالماء» فتبسط أمامنا مشهدين وصورتين للتأمل: صورة من العقل الواعي وصورة من اللاوعي. صورة الأب الذي علّم ابنه زراعة الفسيلة وريّها بالماء، وصورة الابن الذي وارى أباه الثرى ثم رشّ عليه الماء. كانت الحياة في الصورتين الهدف وراء فعل الزراعة وصب الماء، في الصورة الأولى فعل حقيقي وفي الثانية على المجاز مدفوعة من رغبة طفوليّة تحيي الأب من جديد. ربّما ظنّ الفتى الذي فقد أباه وفقد شيئًا من عقله أنّ أباه سينمو كما نمت الفسيلة وأصبحت شجرة باسقة. ومن الناحية الفنية فقد اعتمدت القصة على تشظية خط الزمن فتوزعت المشاهد ما بين قبل الموت بعده، وفصلت بينها بثلاث نجوم.
ما بين بحر غزة وبحر يافا نرى في «أول الحياة.. آخر الموت» رسالتين؛ الأولى من غزة ويقول مرسلها الذي فقد عائلته تحت الركام: «حين تنتهي الحرب سأسير ببطء نحو البحر.. ببطء شديد، سأخشى الهدوء المفاجئ، سأخشى أن يصحو الموتى على وقع قدميّ، سأُقَلْقِلُ ربما هدأة موتهم بعد استراحتهم من أصوات القنابل، لكنني سأحرص على أن أحمل سنارتي من جديد؛ عسى أن يلد البحر سمكًا كثيرًا وقواقع». ومن يافا تكتب المرسلة ردًّا على الرسالة الأولى: «هل تدرك أي حصار نعيشه هنا؟ هل تعلم كم ينقضّ مضجعي ومضجع أبي الذي لم تدجّنه هويته المصطنعة وجيرانه الأعداء؟! هل تحسّ كيف يضيق صدري وأنا أتابع صفحات الأموات والشهداء خشية أن أرى اسمك بينهم؟!». وهنا نرى تقنية الرسائل ونرى في الأولى الأمل وحب الحياة والشمس على الرغم من كل هذا الدمار: «عسى أن يلد البحر سمكًا كثيرًا وقواقع»، هذا الأمل وهذا التمسك بالبحر والأرض هو جذوة التحدي وروح المقاومة.
خسارات الحب والحرب في «زرقة خفيفة» تبثّ فينا صورًا حقيقية عن اكتئاب الشاشات الذي أصابنا خلال متابعة الحرب على غزة. ومن الناحية الفنية عمدت القاصة إلى تمييز بعض فقرات القصة بالخط الغامق وهي المتعلقة بيوميات الحرب ومشاهد الدم والموت والقتل، بينما تركت الفقرات التي تتحدث فيها عن خسارتها الشخصية في الحب بالخط العادي. لم تكن «زرقة خفيفة» القصة الوحيدة التي استخدمت نوعين من الخطوط؛ غامق وعادي بل كان هناك قصص غيرها. ليس الهدف من هذا الأمر لفت انتباه القارئ لعملية الانتقال من العام إلى الخاص أو من الحرب إلى الحب، بل هي من أدوات التشكيل البصري في القصة القصيرة، وهذا أيضًا من باب استعارات القصة من الفنون الأخرى كما رأينا في «زووم إنْ».
كما ظهر في بعض القصص حيلة فنية طريفة، قد تبدو غير مفهومة أو تسبب إشكالًا ما في تركيب جزئيات السرد كما في قصة «حاجز رمادي»، والعنوان يشير على سور المدرسة الرمادي لكن في حقيقة الأمر هو إشارة إلى طبقيّة من نوع ما، أو فاصل بين مجموعتين من الناس، ولكن ليست كطبقية العصور الوسطى (برجوازية وعمال)، وإنما فروقات اجتماعية بسيطة. والحيلة التي أشرت إليها هي وجود سرديتين مختلفتين للحادثة نفسها، فالراوي العليم يشير إلى الثماني بيضات في اليوم التالي، بينما تزعم صديقة (شادن) المقربة بعدم وجود البيض المسلوق. لا شك أنّ هذا الأمر مقصود بذاته وليس الهدف منه إرباك القارئ وإنما التأكيد على زوال الفروقات التي أحدثها البيض المسلوق، لكن الثماني بيضات ما زلن موجودات في مكانها المعتاد في العلبة البلاستيكيّة. كان لشادن من قوة الشخصية لتقول: «هذا ما لدي، وأنا لا أعتذر عنه»، ليس من المعيب أن ترسل معي أمي ثماني بيضات، لكن المعيب ألّا أشارككم طعامكم وألّا تشاركوني طعامي.
قصة «أجساد وريش» عن اغتصاب الممتلكات وأكل الحقوق بالتهديد والتدليس والشعوذة، وكأنها تعيدنا إلى أصل الحكاية قبل عشرات السنين، فهناك الغريب وهناك صاحب الأرض. «أهبل الحي» قصة عن أحكامنا المبنية على انطباعات ناقصة، ورقبة جاهزة تقوم على الحوار بين القاتل والمقتول. «رائحة الخبز» لا تستخدم تقنيات عالية لكن أصالتها ولغتها تدفعها إلى موقع متقدم، وربما تكون مقصودة في مكانها حتى يتخفّف القارئ من إعمال عقله وتفكيره فيما يقرأ ويستمتع بقصة طريفة. «مجرد مزحة» تتحدث عن ثورة الموظفين على الإدارة ورئيس الشركة، ويمكن تعميمها على نطاق أوسع. «زووم إنْ» تستعير تقنياتها من الدراما والمسرح فهناك مُخْرج ولقطة أولى وثانية وثالثة.
"جبل الجليد» مجموعة تنشغل بوجع الإنسان وتعرض وجهة نظرها بتقنيات متعددة ولغة عالية ولا تخلو من طرافة أو غرابة أو سخرية، ولكن ما تجتمع عليه أغلب القصص هو انتفاء المجانيّة وضرورة إعادة القراءة أو التأني لهضم الأحداث والشخصيّات والمآلات.
يذكر أن هذه المجموعة هي الخامسة للدكتورة أماني سليمان داود، أستاذة الأدب والنقد في جامعة البترا الأردنية، التي وصلت مجموعتها «غيمة يتدلّى منها حبل سميك» إلى القائمة الطويلة لجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية في دورتها الخامسة (2022).