تنطبق على مسرحية «النهر لن يفصلني عنك» مقولة إن عنوان المسرحية هو الباب الذي يدخل منه المشاهد مباشرة إلى أحداثها والتنبؤ بأجوائها، فالمشاهد وهو يدلف إلى قاعة العرض يدرك أن مشاهدها تعكس الوشائج المشتركة للناس على ضفتي نهر الأردن.
وكانت هذه المسرحية التي كتب نصها وأخرجها صلاح حوراني، عن رواية للكاتب رمضان الرواشدة تحمل الاسم نفسه، عُرضت مؤخراً على خشبة مسرح مركز الحسين الثقافي في رأس العين، ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون في دورته لعام 2025.
ولا بد من التنويه بأن أعمال الرواشدة الروائية مسكونة بتلك الوشائج المشتركة، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، فقد حضر ذلك في عمله «المهطوان»، الذي ألف نصه الدرامي وأخرجه مسرحياً صلاح حوراني.
لكن «النهر لن يفصلني عنك» تختلف عن عملي الرواشدة الأسبقين؛ فـ «الحمراوي» و"أغنية الرعاة» تحويان مضامين ذات صلة بالمكان والزمان الأردنيين، بينما أراد الرواشدة في «النهر لن يفصلني عنك» أن يحلّق في فضاءات أكثر رحابة.
إلا أن المؤلف المسرحي صلاح حوراني أضاف لمجريات «النهر لن يفصلني عنك»، ضمن نصه المسرحي، أحداث الإبادة الجماعية في غزة، وما يمور في فضائها من قتل وتجويع وتعطيش وتدمير للبنية التحتية، من خلال إضافات معينة أهمها شخصية الضابط والطبيب (سالم) الذي عمل سابقاً، في سياق أحداث العرض، طبيباً في أحد المستشفيات العسكرية الأردنية المتنقلة في قطاع غزة.
وتوظف الرؤية الإخراجية محمولات هذه الشخصية، لتبيان سردية جماليات قيم الأعمال البطولية للمقاومة في غزة، مقابل قيم القبح لأعمال الإبادة الجماعية من قِبَل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وُفِّق حوراني في هذه الإضافة بفعل إفادته من تقنيات كتابة الرواشدة المرنة لروايته في لغة بعيدة عن الواقعية التقريرية، قريبة من الإشارات والرموز الجمالية التي لا تخلو من خيال جامح؛ ما أسهم في إنشاء فضاء مسرحي ثري للعرض، لجهتي المبنى والمعنى، بفعل قدرة حوراني على تخليص الحوارات من السياقات الأدبية، إلى السياقات المسرحية، دلالاتٍ ورموزاً، تحقيقاً لترسيخ الرسالة الأساسية من وراء تقديم هذا العرض، في تبيان مشاعر الأردنيين بمختلف شرائحهم، نحو دعم إخوانهم الفلسطينيين في أراضيهم المحتلة وبخاصة في غزة.
تفاعل المشاهدون مع العرض بعد أن صيّره حوراني فضاءً مسرحياً ضمن نظام «السميأة»، واشتغلت الرؤية الإخراجية في مظهرة الفضاء الدلالي، لإحدى نوازل التاريخ الكبرى (الإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة). وعادة ما يجتهد أي مخرج؛ في البحث عن شكل مسرحي ملائم أو قريب، ليتناول فيه أحداث أي نص، وخاصة في مقامنا هذا التي توصف الأحداث فيه بالنازلة، سواء كانت بفعل عوامل طبيعية؛ كالفيضانات التي اجتاحت مدناً كاملة كما في درنة الليبية، أو بفعل الإنسان نفسه كما أحدثته حروب طروادة وأثينا، أو حروب المغول الذين قاموا بإبادات جماعية للناس، قبل أن يوقف المسلمون جبروتهم وطغيانهم في معركة عين جالوت.
كانت الرؤية الإخراجية موفقة في اختيار الشكل الطقسي، لتناول «مقتلة غزة» مسرحياً، لكون هذا الشكل من أوائل الأشكال المسرحية التي عرفتها البشرية ضمن المجتمع المشاعي، وشكّل التعبير الفطري الأول لصراع الإنسان الوجودي ضد النوازل الكبرى، التي كانت يخوضها ضد القوى الهائلة من أجل وجوده على الأرض، قبل مجيء مآسي التراجيديا، والأشكال المسرحية الأخرى، التي واكبت تطورات المجتمعات البشرية اللاحقة في صراعها الوجودي.
حوت مشاهد المسرحية ولوحاتها الحضور الجمالي لمدلولات «الضحايا المدنيين»، وخفوت الصراع الفردي وإن كان موجوداً، إلا أنه لا يُذكر مع حضور الصراع العظيم الذي يخوضه مجاميع الناس، وصمودهم أمام آلة القتل الحربية الإسرائيلية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية رصد المشاهد لسياسات التعطيش والتجويع والحصار، التي تتماهى مع سياسات فرض النزوح على مجاميع الناس.
وكانت شخصيات المؤدين في إحالات المعنى ضمن البناء العميق للعرض؛ (مريم) تشير إلى حضور الأم والأرض والحبيبة، و(القرين) الذي يطرح معاناة حول الفقد والرجاء، للأرواح المتشظية على مذبح الموت اليومي في غزة، والتي يتماهى معها المواطنون شرقي النهر، ألماً وتضامناً مع أشقائهم غربيه، و(الطبيب سالم) الذي رأى نفسه مقسوماً إلى نصفين بين غزة وعمّان، فكان تيار الوعي يتراءى في نظام التواصل للمشاهد أنه (الطبيب سالم) من حيث الانتماء، إنه هنا موجود شرقي النهر وهناك غربيه، في آن واحد، كما هو حال صاحب «النهر لن يفصلني عنك»، وهكذا جاء المؤدون رواةً وحكواتيين تقنياً، ضمن «الفرجة» التي حضرت ضمن الشكل الطقسي العام للفضاء المسرحي.
ومن الجهة التقنية أيضاً، يمكننا اعتبار أن نص هذه المسرحية، جاء مؤتلفاً من الحكائية السردية الشعبية، التي نهلت معطياتها من النصوص اللغوية العربية المتأسسة على النص الوصفي، والحواري، التفسيري، والإرشادي، والمعلوماتي، وغير ذلك من النصوص الأخرى التي كان حضورها يتمايز ضمن روابط وأعراف تنظم الخطاب، هادفةً إلى فك الشيفرات الألسنية من حيث معاينة نظم التواصل للمفردات والتراكيب، لتأخذ قيمتها من تعاقبهما وتضادها، وصولاً لإنتاج المعنى مع المتلقي.
وجاءت الحوارات أقرب للمونولوجات منها للحوار الدرامي، وذلك لتعزيز حضور تجليات تلك المشهدية الطقسية، التي تواصل المشاهد معها في البناء العميق للعرض، من حضور (المقدس) لحالات شخوص أهل غزة، كأصحاب حق، ضمن دلالات الحالات الواقعية، التي يجاهدون فيها للفوز في حياة ولو لبعض الوقت، في أثناء صراعهم مع (المدنس) ضمن دلالات الحالات الواقعية لإجرام جيش الاحتلال، المعتمدة دمويته على تأويلات توراتية مزورة ومنحرفة وشوفينية.
سمعياً، حوت المشاهد مدلولات الابتهالات الدينية، التي هي الجذر الأساس للطقوس الإنسانية الأولى، فتمظهرت هذه المدلولات بصرياً في لوحة الدراويش،التي حضر فيها ضرب الدف في رقصة الدرويش، حيث تغيب الموسيقى، وتحضر هذه الضربات، والصوت البشري المواكب لهذه الرقصات التي جاءت طقسية في السياق. عدا حضور الأصوات غير المنطوقة من همهمات ونبرات وابتهالات، كالمُفادة من المتصوف المغربي أحمد بن علي إبراهيم البدوي، (إلهي جد بعفوك لي فإني/ على الأبواب منكسر ذليل)، وأيضاً من مناجاة رابعة العدوية (وكــنت أناجيك يـــا من تــرى/ خـفـايـا الـقـلـوب ولسـنـا نـراك).
كما تعمق البناء السمعي لهذا الطقس، بتعميق الأجواء الدينية، عبر أنساق المؤثرات السمعية غير المنطوقة من مؤثرات صوتية وموسيقى وأصوات ممزوجة بين الموسيقى والأصوات البشرية، كما في ترانيم الأذان، وقرع أجراس الكنائس، والأصوات المنطوقة غنائياً، عبر تسجيلات أغنية الرحابنة بصوت فيروز من أغنياتها (جسرا خشبيا/ لونك فرح الماء وبك العطر يجن/ أخشــــــابك أفياء تحت الخطو تئن/ وبصــــمتٍ وصفاء ينطلق الأردنّ/ يزرع في الأوداء موسمه القدســـيّ)، والغناء الشعبي (يا زريف الطول.. ركبنا صهوة الجوع ومشينا)، والحوار المنطوق (حب الوطن سنّة)، وأغنية «هدّي يا بحر هدّي/ طوّلنا في غيبتنا» من الموروث الشعبي الفلسطيني.
كل ما ذكر وغيره من الأصوات المنطوقة وغير المنطوقة، فعّل الزخم التعبيري للبناء السمعي، وجعله متناغما مع البناء البصري، مما أنشأ الفضاء الدلالي للعرض، مبنىً ومعنى، تواصل معهما المشاهد، إلى فضاءات إنسانية تنويرية.