سلطان المعاني.. فارس الكلمة وحارس التراث

تاريخ النشر : الجمعة 09:34 17-10-2025
No Image

احتضنت عمّان التظاهرةَ الثقافيّةَ التي تمّ فيها تكريم الأستاذ الدكتور سلطان المعاني بمناسبةِ اختيارِه شخصيةَ العام الثقافيّة لمعرض عمان الدولي للكتاب في دورته الرابعة والعشرين.

وفي لحظةٍ عاطفيّةٍ حميمة، وأثناء إلقاء المعاني كلمته في المناسبة، تذكّرَ دعاءً لوالدته كانت تدعو به أثناء حضوره: «يمّا يا سلطان، السماء تنزل لك، والأرض تطْلع لك»، فلم يتمالك نفسه، إذ انفجر باكياً وهو يرى أنّ ما حقّقه من إنجازات، وما حالفه من توفيق، ما هو إلّا استجابة لهذا الدعاء.

تعود معرفتي بـالمعاني أيامَ كنت ضابطاً في كليّة العلوم الشرطيّة-الجناح العسكري في جامعة مؤتة، وكان في قسم الآثار والسياحة في الجامعة، ثم التقينا بالعمل الجامعيّ، مرة ثانية، في الجامعة الهاشمية (كليّة الملكة رانيا للسياحة والتراث) أيام كان نائباً لرئيس الجامعة الهاشمية وكنتُ عميدَ كليّة الآداب، وقد عرفتُه من خِيرة مَن عرفت.

نحن في حضرة فارسِ الكلمة، صاحبِ السِفر الطويل والمعرفةِ والحضورِ والهويّة: هويّة الباحثِ الرصين، حارسِ التراث، وأحدِ سدنةِ البحث العلميّ، الذي توزّعت اهتماماتُه البحثيّةُ بين الحفريّات المعرفيّةِ في النصوص، والحفريّاتِ المعرفيّةِ في النقوش والآثار والحجارة، وبين استنطاقِ النصوصِ الإبداعيّةِ الورقيّة، واستنطاقِ النقوش في الدرس المثيولوجيّ والحضاريّ.

نحن في حضرة أستاذٍ على قلقٍ معرفيّ وتساؤلاتٍ حارّة، أستاذ يرى أنّ الثقافة وعيٌ وموقف، وأنّ الكتابَ وطنٌ وحياةٌ ورسالة، وأنّ الكلمةَ سلاح، وأنّ المعرفةَ قوّة... أستاذ يؤمن أن الثقافة تُبنى بالحوار، وأن الهويةَ تزداد رسوخًا وعمقًا حين تنفتح، فـ «لا حوارَ بلا هويّة، ولا هويّةَ بلا انفتاح»... أستاذ يرى أنّ الأمةَ التي لا تحافظ على ذاكرتها تكتبُ على نفسها الخروجَ من التاريخ... أستاذ جسّد بمسيرته صورةَ المثقّف العضويّ الفعّال الذي ينحازُ لقضايا الإنسانِ والأمّة والعدل والحريّة، ولا ينعزل.

لاختيار الأستاذ الدكتور سلطان المعاني شخصيةَ العام الثقافيّة دلالات عديدة، لعل من أبرزها:

أنه تكريمٌ للكتاب في أسمى معانيه، وللثقافة في أبهى صورها، واحتفاءٌ بالكلمة القادرة على التغيير، وبالرسالة التي يمثّلها المثقّف الفعّال، وبالإنسان البنّاء، واعترافٌ بأنّ الكتابَ سيبقى خريطةَ الوعي، وأنّ الثقافةَ ستبقى دربَ المستقبل. وهو تكريمٌ للرموز التي أثْرت المشهدَ المعرفيَّ والثقافيَّ والفكريَّ والأكاديميَّ بالدراسات، ولكلّ أكاديميّ ومثقّفٍ وصاحبِ منجزٍ نقدي، مما يجعله أهلاً لأن يُحتفى به في هذه التظاهرة الثقافية.

أجدني مضطراً، في هذه المقالة، إلى الوقوف عند الميّزات التي يتميّز بها منجزُه النقديّ:

أولاً: هذا منجزٌ أطروحتُه ثقافيّة

تُركّز أطروحتُه الثقافية على «اللقاء الثقافي» بشقّيه: «الهيمنةُ الثقافية» و"التكاملُ الثقافي»، الذي تتراوح مظاهرُه بين التصادم والتكامل وبين الذوبان والمقاومة، بين طرفين متكافئين أو غير متكافئين، حيث التعاونُ والتبادلُ والقبولُ بين الثقافات حيناً، والصدامُ والرفضُ حيناً آخر، وتنشأ الإشكاليّةُ الحضاريّةُ والثقافيّةُ حين يحاول الطرفُ الأقوى أن يجعل من الطرف الأضعف تابعاً له، وأن يُشيع ثقافتَه على حساب الطرف الأضعف، ولنا في التجارب الكولونياليّة الدليلُ والمثال.

يدرك المنجزُ أهميةَ الثقافة في العلاقات بين الأمم والحضارات والشعوب، إذ صارت عنصراً في تشكيل حركة التاريخ وتفسيره وقراءته، وأداةً من أدوات الهيمنة والتطويع وتغيير المواقف، مثلما هي أداةٌ من أدوات التفكيك، فما من مشروعٍ للهيمنة إلّا ويواكبه فريقٌ من المفكرين والمنظّرين. وما من مشروعٍ اقتصادي وعسكري وسياسي إلّا وينطوي بقصدٍ أو بغير قصدٍ على مشروعٍ ثقافيّ.

يعي هذا المنجزُ أنّ الحضارةَ تقوم على التأثّر والتأثير وعلى التواصل مع الحضارات الأخرى. وهذا جانبُ إيجابيٌّ للاختلاف، ذلك أنّ الحياةَ تقوم على الاختلاف والتعارف بين المختلفين. وبهذا ندرك إيجابياتِ التفاعل الحضاريّ في السياقات الطبيعيّة، كما في قوله تعالى (يا أيها الناس إنّا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا).. ويحثّ المنجزُ على التبادل الثقافيّ الطوعيّ، ويرفض الهيمنةَ الثقافيةَ بالقوة. وقد ساعدت التكنولوجيا الحديثة في التبادل الثقافي وفي الغزو الثقافي.

وقد وقف المنجزُ طويلاً أمام الفوائد التي تتحصّل جرّاءَ التبادل الثقافي، وعرّى السوءات التي تنجم عن الاستحواذ الثقافي، فاللقاء الثقافي فرصةٌ للتعارف وتحويل الاختلاف إلى منصات للحوار والتفاعل، وفرصةٌ للتعددية الثقافية وتطوير الذات وإثراء الوعي والإدراك.

ويركّز المنجزُ على الوظيفة النقديّة للمثقف في تفكيك المسلّمات ومساءلةِ المقولات الجاهزة وتحريرِ الفكر من الهيمنة الثقافية المنغلقة.

المنجز رسالةٌ إلى الشعوب للحذَر ومراقبةِ وسائلِ التكنولوجيا والانتقالِ الثقافيّ في عصر العولمة والصورة، لما تنطوي عليه من خطورة رغم فوائدها.

ثانياً: آفاقُ هذا المنجز إنسانيّة

يتطلع هذا المنجز إلى تشكيل «وعي إنساني» يدفع باتجاه تشكيل «ثقافة إنسانية كونيّة»، بالبحث عن «المشترك الإنساني»، لأنّ الحضارةَ منجزٌ إنسانيّ متراكمٌ عبر العصور، ومن علامات هذا المشتركِ الإنسانيّ أنّ لكلّ أمةٍ أو شعبٍ خصوصيةً وهويةً خاصة، من خلال نشر قيمِ الحقِّ والجمال والخير والصدق. ومن هنا سرُّ عناية د.سلطان المعاني بقراءة النقوشِ والنصوصِ الإبداعيّةِ بحثاً عن القيم الإنسانيّة عبر التاريخ. ويرى المعاني أنه لو تمّ تسخيرُ وسائلِ التكنولوجيا المعاصرةِ والتواصلِ التكنولوجيّ في نشر القيم الإنسانيّة لكن ذلك أجدى، ويحذّر هذا المنجزُ من الانفتاح غيرِ المدروس، إذ قد يقود إلى الذوبان والانصهار، وأنّه يمكنُ الجمعُ بين الانفتاح والحفاظ على الهويّة. وينبغي ألّا يكون الحفاظُ على اللغة والتراث والتاريخ حاجزاً أمام الانخراط في المشهد العالميّ، بل إنّ الوعيَ بالذات ينبغي أن يدفع نحو المساهمة في الثقافة الإنسانيّة من أجل تقديم الذّات، وهو شكلٌ من أشكال المقاومة.

ثالثاً: صاحبُ هذا المنجز «عاشقٌ للمكان»

وبهذا نفسّر عناية المعاني بالحفريّات الأثريّة بوصفها منصةً للتعارف الثقافي والعبور الثقافي واللقاء الثقافي. ففي الآثار تلتقي ثقافاتٌ وحضاراتٌ عديدة، وتتراكم إسهاماتُها عبرَ الزمن على شكل طبقاتٍ حجريّة، ففي المكان الواحد نلتقي مع الاختلاف، وبهذا يصير المكان روحاً ناطقةً وخطاباً شاهداً، يحسن الإصغاءَ والبوحَ في الوقت نفسه، وهكذا، يندغمُ الإنسانُ بالجغرافيا، ويعكسُ كلٌّ منهما الآخرَ ويذوبُ فيه ويسكن. في المكان يلتقي الإنسانُ بالإنسان، والحضارةُ بالحضارة، والهويّةُ بالهوية، ويكتسبُ مفهومُ المكان والزمان دلالاتٍ جديدة.

انشغل هذا المنجزُ بالمكان الأردنيّ ووقفَ طويلاً عند دلالاتِ مسمّياته وربطَها بسياقاتها الثقافية، فـدلالة «عمّون» مثلاً تتمحورُ حول «العمومة والشعب»، ودلالة «فيلادلفيا» تتمحورُ حول «الحبّ الأخوي». وقف المعاني عند «عين غزال، الرقيم، وادي السير، البيادر، عبدون، ناعور، عراق الأمير، البترا، معان، البادية، الأزرق، أمّ الجمال، الكرك، الموجب، العقبة (إيلا)، أدم، أدما، أدمة، أُمّ قيس، أرابيلا.. إلخ. ومن الطريف أنّه كتبَ تأويلاتِه وقراءاتِه بلغةٍ شعريّةٍ بعد أن ناجى الآثار.

وفي الختام، أقتبسُ نصّاً للمعاني عنوانُه: «عمونُ تعلو عرشَ المدائن":

"عمانُ.. زهوُنا الجميل.. ما انحنى المجدُ يوماً في مواكبها.. ولا خارتْ ذُراها.. وظلّتْ مُشرِعةً سيوفَها، وقد التقى العُربُ والعروبةُ فيها... ولها... من بطاح الجزيرة إلى ضفاف النهرين... ومن عذب بردى... وصدق الشهداء... إلى فخر مؤتة واليرموك. وها هي عمانُ سيّدةُ العواصم وتاجُها... وزاهرةُ العرائس، والبطولة، والمدى».

"عمانُ اشتياقُ العاشق،.. فيا سيدةَ العشق.. وسيدةَ الحضور، وسيدةَ الرؤى والوئام، ودليلَ العاشقين».

"هي عمّان؛ باختلاف أحقابها وتعاقبها، قصةٌ مشدودةٌ أركانُها بخيوط نورٍ وموشّحةٌ بأكاليل الغار... ففي كلّ ركنٍ فيها قصةُ خلقٍ وإبداع، نُسِجت حروفُ ملحمتها ضياءً على مرّ الزمان».

"عمانُ أو عمّون، أو ربّةُ بني عمّون، أسماءُ حبيبة... تشي بمعناها ومقصَدها... ففي دلالاتِها أنّ عمّانَ تجمعُنا، وأننا أبناءُ عمومة،... نسكنُها فتسكننا، وندخلُها (بسلام آمنين)... فعمانُ خارطةُ الزمان... وبوصلةُ العاشقين... صوبَ نبعِ الهوى، وكحلِ العيون، وعذبِ الكلام».

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }