يحمل كتاب معاذ بني عامر المعنون «الإنسان الفيلسوف» دلالات على كون الإنسان مسكوناً في بنيته التكوينية بجوهر الفيلسوف، بمعنى النزعة المتأصلة فيه إلى التفكر والتساؤل، أو بالعبارة الاصطلاحية «التفلسف». ولعل العنوان الفرعي للكتاب يشير إلى هذا البعد ممثلا بـــ «عن الأسئلة التي يطرحها الأطفال ويجيب عليها الحكماء».
إن الأسئلة هي العنصر الفلسفي الأول، ومن يمارسها هنا هم الأطفال. هذه فكرة جوهرية تتعلق بجوهر الفرد الإنساني وطبيعته التكوينية التي تدل على كونه «فيلسوفا» بالقوة قبل أن يصبح فيلسوفا بالفعل. فإذا كان البشر مولعين بالمعرفة، فإنها تبدأ لديهم بالسؤال. بمعنى أن الفلسفة ليس حكرا على الدرس الأكاديمي، أو أقسام الفلسفة، كما يرى بني عامر، الذي يذهب إلى أن كتابه تجاوز لهذه الرؤية، أو التصور النظري المؤسس على فكرة الاحتكار. فإذا كانت أسئلة الطفلة ذات السنوات الأربع مثيرة للدهشة، وسببا في تأليف الفصل الأول من الكتاب، فإنها تمثل الحالة المجسدة لفكرة الإنسان الفيلسوف التي تمثلها أسئلة الطفولة الأولى التي لا تتورع عن الخوض بالمسائل الكونية الكبرى، ذات الصلة بالوجود، وبالدين، وبالمجتمع وعلائقه الغريبة. مثل هذه الأسئلة-التساؤلات عارية من مستوى الدرس الفلسفي، وهي لا تنتظر -في الغالب- أجوبة، ولكنها تبدي الميل الفطري لدى الإنسان للمعرفة والتفكير البدئي الذي يتصاعد، ليقترن عبر التأمل الواعي والدرس الفلسفي المفكر في عناصره، بفكرة التفلسف التي تأخذ الإنسان إلى تحقيق إنسانيته المعلقة بقدرته على الاكتمال، كما يرى فلاسفة اليونان، وعلى رأسهم أرسطو الذي يقرر أن الإنسان لا يكتمل إلا بكونه عقلا مفكرا. فالوجود الحق لا يجسده الوجود الطيني، بل يجسده العقل بوصفه الصورة الحقيقية المكتملة له. إن السؤال هنا يمثل أسّ الفلسفة، بل إن الإنسان السائل هو من يسعى إلى المعرفة العقلية المجردة المستندة إلى دهشته بالوجود.
وتحكم المرحلة العمرية للإنسان أنساق وسياقات الأسئلة التي يطرحها، فالأطفال غير المكتملين معرفيا يطرحون أسئلة مثيرة تُستقبل إما بدهشة الآباء والأمهات، أو بحرجهم، مما يعني أن من يجيب لا يملك الأفق المعرفي الذي يمكنه من الإجابة، وبخاصة حين تكون الأسئلة متعلقة بالدين، أو الوجود، أو طبيعة التناسل البشري.
هنا تكمن المواجهة الأولى مع فكرة التفلسف المتسائلة التي لا تقيم وزنا للضوابط الاجتماعية، والتي لا تعرف حدودها، كما يعبر بني عامر الذي يعرض تصورات عميقة حول أسئلة الطفولة من خلال مجموعة من النصوص التربوية والفلسفية التي قرأت هذه الظاهرة من وجوه متعددة. لكن طبيعة الاستجابة لهذه التساؤلات هي ما يقود إلى قمعها، وإرسالها إلى مستوى اللاوعي. وهو ما يقع في أطر المجتمعات المحكومة بالأوامر والنواهي التي تخضع فعل التفكير لإكراهاتها، وهو ما عبر عنه بني عامر بلغة جارحة: «المجتمع العربي إلى حد كبير ختم نقاشاته... وختن... عقول أبنائه، إذ بترت مناطق الشهوة المعرفية في عقولهم، فأصيبت بعنّة حضارية، مما أدى إلى عجز مزمن، علميا وأدبيا وفلسفيا وفنيا ونقديا». وهذه لغة، إن شئنا التفلسف، ليست ذات طوابع حكمية، بقدر ما هي لغة وصفية مؤكدة للحال.
وإما أن تعقل تساؤلات الطفولة، وتدرك على أنحاء تقود إلى تطويرها وجعلها أساسا لفكرة التفلسف وتعزيزها. وهو فعل اجتماعي مناقض للصورة الأولى في المجتمع العربي. والمقصود هنا المجتمعات التي تنمي سياقات وأطر التعامل مع أسئلة الأطفال ذات الطبيعة الأولية المدهشة، مما يسهم في تطويرها، وتمهيد السبل لتكون طريقا إلى مرحلة تالية، تمكن الفرد من التفلسف.
وهذا ما يعالجه الكتاب في الفصل الثاني الذي يبحث في ماهية الإنسان المتفلسف. ويذهب في رؤية موضوعه إلى العناصر المحورية التي تمكن الفرد من إدراك هذه الصفة، وهي عناصر تحدد في قسمين: الأول جمعي يشمل الأسرة والمدرسة والمجتمع والقرار السياسي. وهي عناصر ذات تأثير حاسم في تنمية فكرة التعقل، والتساؤلات المتعلقة بها وتنميتها. وتظهر هنا الفكرة الجمعية بما هي فعل اجتماعي يمنح الفرد القدرة على الاستمرار في التفكير والتساؤلات، وتكوين بنى معرفية تنقله من التفلسف بالقوة الناجمة عن مورثاته التي تتخلق فيه منذ وجوده الأول، إلى التفلسف بالفعل الذي تؤهله له الحواضن الأربع التي حددها بني عامر بالأسرة التي قد تستقبل تساؤلات الطفل بشغف يدفعه إلى المزيد من التحصيل المعرفي، مما يسهم في تكوين بنية معرفية ذات أثر فعال في تشكيل فرد مالك للحرية، والجرأة على ممارسة فعل السؤال. وهو ما يتعمق بفعل المدرسة، الحاضنة الأوسع ذات الأثر الفعال في البعد التكويني المعرفي للأفراد. وهي حاضنة متعددة الفاعلين فيها: المعلمون، والرفاق، والمنهج. وهي بهذه الفواعل تشكل عنصرا في البنية المعرفية والإبداعية للأفراد، مما يشكل عناصر دفع أو كبح لمسيرة الفرد المعرفية، أو لمسيرة الأسئلة والإجابات التي تتمخض عنها في إطار مكرس لبناء الفرد معرفيا وإبداعيا. في الحال النقيضة يمكن أن تكون الأسرة والمدرسة عنصرا كابحا، إن هي مارست دور الضبط الاجتماعي والديني والسياسي.
أما القرار السياسي فيرى فيه بني عامر ذروة الحواضن، لأنه القادر على الاستثمار في «الولادة المعرفية للإنسان»، وعلى حماية ذلك بالقانون على نحو لا يترك لما يمكن تسميته بـ «الضمير»، والفكرة هنا محورية، فالقانون هو ما يفرض البنى الأخلاقية والسلوك المرتبط بها. وهو بالتالي ما يمثل حماية للفرد المبدع بعيدا عن حكم العامة، أو في الوقت نفسه حماية من الطغيان السياسي الذي يريد فرض استبداده العقدي أو المعرفي.
وحين الوقوف على الحواضن الفردية نجد بني عامر يحصرها في ثلاث، هي: البنية النفسية للفرد التي تعد عنصرا أساسيا في بنية الذات التي تحميها من حالات الاستلاب أمام الآخر، سواء أكان إرثه المعرفي والفكري الخاص، أم المدونة الثقافية الوافدة من ثقافة أخرى. هذه البنية النفسية تمثل نواة صلبة تمكن الفرد من الثقة بذاته، وقدرتها على مساءلة الآخر دون وجل، أو استلاب، أو تردد معرفي. وهذا ما يجعلها شخصية مستقلة ترفض الإذعان لما يأتيها.
وتسند هذه الشخصية بـ «القوة المعرفية» القادرة على جعلها مستقلة مبدعة تملك طريقها في رؤاها الفكرية، وهي رؤى لا يمكن أن تتشكل إلا ببنية معرفية ممكنة، تمنح الفرد القدرة على الاستقلالية الفكرية التي تجد طريقها إلى التفلسف.
أما «الحاضنة الثالثة: الإمكان الإبداعي»، فتمثل الفعل المتحقق الذي ينجزه الفرد، أي الانتقال من مجرد امتلاك المادة إلى تحقيق وجودها في الصورة الدالة على الفعل الممثل للعمل الإبداعي أو الفكري الخاص به، بصرف النظر عن تصنيف هذا العمل. فالشعراء مثلا قد يمتلكون مادة الشعر، لكن قيمة ما ينجزونه تتوقف على كيفية العمل، وصورته التي قد ترقى إلى عمل عظيم، أو تحصره في أطر الأعمال النمطية البائسة المكرورة.
وينشغل الفصل الثالث من الكتاب بـ «الفيلسوف»، بمعنى الإنسان المتفلسف الذي ينبني تكوينه كنتيجة ضرورية للاشتغال بالمعرفة، مما يعني أنه يمارس دوره في المجتمع من خلال احتيازه جملة من المعارف التي تمكنه من تقديم رؤى فكرية متسقة في سياقات متعددة: نفسية، واجتماعية، وسياسية محكومة بلغة واضحة قادرة على جلائها. وهذا التعريف عند بني عامر يأتي في سياق متصل متكامل يرتبط بالتصورات التي طرحها في الفصلين السابقين. والبحث في كل هذا يستحضر آراء العلماء والفلاسفة التي تعمق رؤيته أو توضحها أو تسندها، لكنه يقدم رأيه وتصوره للقضايا المطروحة على نحو نقدي، لا يجعله في إسار المتلقي المستقبل حسب، بل يقدم مشروعه الخاص الذي ينبئ عن رؤية تقرأ تطور الحضور الفلسفي في سياقات عمرية ومعرفية واحترافية تقود إلى الأسباب الموجبة لحضور الفيلسوف في مجتمع دخل في أطوار من السكون والغياب الحضاري الذي يوجب خلخلة المفاهيم السائدة وإيجاد بدائل لها، أو بعبارة بني عامر الذي ينظر كون «الفيلسوف.. يتوسط بين كينونتين: يهدم واحدة ويبني أخرى... ووجوده مقترن بحالة موات كبير للأمة على المستوى الحضاري»، مما يستدعي إحداث صدمة، الفيلسوف هو الأقدر على إحداثها.
ويذهب المؤلف في الفصل الرابع المعنون «الحكيم بما هو أكثر من فيلسوف» إلى كون هذه الشخصية تحضر بوصفها امتدادا طبيعيا لـ «نسقية تصاعدية» لما عرض في الفصول السابقة. لكن من الطريف أن نلحظ ما يقوله بني عامر: «تأثرت أثناء كتابتي هذا الفصل بنموذجين: أولهما هو الراهب البوذي شونميو ماسونو، وثانيهما خالي إبراهيم الموسى»، وهذا الجمع الطريف بين الشخصيتين يجعل القارئ يدرك أن معاذ بني عامر ينسج رؤاه الخاصة به معتمدا على معرفة علمية بعيدة المدى تعود إلى البوذية، وعلى تجربة شخصية حميمة يمثلها الخال الذي أشير إليه غير مرة. هذا فعل يمارسه فيلسوف يمتلك عينيه يقرأ بهما، ويتأمل الخال حال رواياته.
هذا الكتاب لا يكفي أن تقرأ عنه، لكن عليك أن تقرأه؛ لترى شخصا يحدثك عن مشروعه في الفكر الفلسفي المسند بالمعرفة الثرية متعددة المصادر، وفي الوقت نفسه بالرؤية الشخصية والتجارب الخاصة التي تعود إلى الطفولة والفتوة التي تمد الذات المتكلمة بفلسفة وفكر تنتجه هي، وتريد منك أن تعرفه.