النّصّ الهائل الذي كتبه حميد سعيد بعد انقطاع عن الشعر دام سنوات كما أخبر صديقه كرم نعمة في رسالة كشَف عنها الشّاعر عبدالرزّاق الربيعي في قراءته النقدية المبكّرة لقصيدة الشّاعر (الموت في غزّة) التي نُشرت مع مجموعة من القراءات في دار الخليج للنشر والتّوزيع، حيث جاء فيها: «منذ سنوات لم اكتب شطراً واحدا، غير أنّ غزّة أعادتني الى الشعر.
ارتأى حميد سعيد أن يرسم بالكلمات خمس لوحاتٍ فنية واقعية عما يجري في مدينة غزّة من حرب ضروس أحرقت الأخضر واليابس من الشجر، ولم يسلم منها حتى الحجر، طرفان فيها غير متكافئين، فالكيان مدجج بالسلاح والعدّة من أخمص قدميه حتى قمة رأسه، وهو غاصب محتلّ، وطرف يمثّله أبناء غزّة وهم لا يمتلكون سوى الإرادة الفولاذ، والإباء، وروح الفداء، وأسلحة يصنعونها بأيديهم. ألا أنّ كفّة الحقّ هي الرّاجحة دائماً بالرّغم من حجم ماكنة الإعلام للعدوّ الغاشم وبالرغم من كثرة السلاح!
غيرةُ الشاعر على أمّته وغزّة التي هي جزء من القلب (فلسطين)، دفعته أن يشحذ ما لديه من كلمات ليرسم الفجائع التي لا تنتهي واحدة منها حتى تليها فاجعة أشدّ وأكثر وقعاً. وقد جعل في نهاية كل لوحة فراغاً يحتلّه في الغالب سطران من النقاط ليكون مساحة يملأ بها من يزور جاليري حميد سعيد موقفه ورأيه مما يراه من تعليقات.
ونحن جميعاً رأينا ما فعلته المقاومة في غزّة من تأثير غيّر مزاج الناس في أوروبا والغرب بشكل عام، وقد كانوا قبل ذلك باسم الصهيونية وآلائها يُسبّحون، فقد غصّت الشوارع والجامعات وكلّ أماكن التجمعات بالبشر وهم يرفعون شعارات التنديد والإدانة لحرب الإبادة، والمطالبة بالحرية لفلسطين.
كل من يزور جاليري حميد سعيد يرى خمس لوحات رسمها الشّاعر لتكون معادلاً موضوعياً عما يجري فوق أرض غزّة.
اللوحة الأولى يمكن أن نستخلص لها من النصّ عنواناً هو (الحياة أمام سطوة الموت)، وفيها ينقل مشهداً سينمائياً للموت بأجنحته التي تخبط خبط عشواء فلا تفرّق بين مدني أو مقاوم ولا تأخذ بأي حرف من مبادئ حقوق الانسان. فهذا الموت لم تسلم من يده الصغار ولا الكبار، واحترق الشجر، وزال الحجر، وتلونت الأرض بالدماء، وما أقسى الحياة حينما يختار الموت أحلام العرائس الطريّة بيوم زفافها، ويمنع الأمهات وهنّ يقدّمن ما لا يسدّ رمق جموع الجائعين من القيام بذلك الواجب الإنساني!
وبهذا نصل إلى دور المتفرجين الذين ترك لهم الشاعر أن يقولوا رأيهم فيما شهدوه من مآسٍ وآلام.
ثمّ ننتقل إلى اللوحة الثانية (غياب الخبز والبيوت) متأمّلين فلا نجد بيوتاً، ولا خبزاً:
"اختفت البيوت.. وغادرَ الخبز المدينة..
ضيّع الطُّرقَ التي كانت، إلى النّاسِ.. العجينْ».
في هذه الصورة يُشخّص الشاعر الأشياء بمعنى يمنحها صفات البشر لزيادة تأثيرها في نفس المتلقّي، وهي صورة من الصور الجمالية.
وبعد هذه الصورة التي لم يعثروا فيها على مأوى يلوذون به، ولا ما يأمنهم من الجوع لمغادرة الخبز، تبرز صورة أخرى ترسم مشهداً محرجاً، فما أقسى الظّرف الذي يحيطُ بأمّ يأتيها المخاض فيستقرّ في الأرحام الجمرُ وكأنّي به يقول: «حتى الأجنّة تستعر غضباً لما تشعر به من زلازل الأرض ودمار البيوت وتحاول أن تُشارك فيما يجري، فالولادة هي رمز لمدد استمرار الحياة»، وهنا تساؤل بلاغي، والجميع قد حملوا أسلحتهم أو ما لديهم مما يستطيعون المشاركة به في المعارك، ولم يبق من يوصل هذه الحالة الحرجة إلى مشفى، فقد هدم (المغيرون) المشافي،?فما أقسى هذا الظرف الذي يتمنى الإنسان معه لو لم يكن قد وُلِد:
"الجمرُ في الأرحام.. يخرجُ مُستفزّاً..
من سيأخذه إلى مشفى؟!
وقد هدم المغيرون المشافي».
لم يبق شيء يُظِلّ من شجر في الحقول، فقد ذوى ثمّ لمّ ثيابه ومضى، والشاعر هنا يرسم صورة للشجر مانحاً إيّاه حيلة بني البشر من خلال الاستعارة التي هي صورة من صور البلاغة والجمال.
ولم يبق فوق الأرض سوى التراب وهو يحمل رسالته للقادمين.
ويختم هذه اللوحة بنقاط سطر واحد يستعجل به روّاد المعرض ليقولوا رأيهم بإيجاز للانتقال فوراً إلى اللوحة الثالثة التي فيها رسالة الأمل في عودة غزة مرّة أخرى، ويمكن أن نطلق على هذه اللوحة (غزّة تعود مرّة أخرى).
إن الشاعر حميد سعيد هو أحد الثوّار الذين يغمر التفاؤل نفوسهم مهما ادلهمّت ظروف الحياة وفُتحت أبواب اليأس، فهو يقول في هذه اللوحة: «علينا أن نقرّ بحقائق الحياة وقوانينها، وأنّ غزّة لن تبقى تدور في مكانها، بل ستفتح باباً على المستقبل، وستعرف أن من قُتِل لن يحييه الرّثاء والنحيب، وإنه سوف يذهب دون عودة، لكن غزّة سيُكتب لها البقاء، وستظلّ هناك حيث هي؛ مُتوجّة بأكاليل الغار والكبرياء، فهي تستعيد دروس الماضي التي سجّلتها في أوراق معاركها الأولى، فلقد أصبح طريق الموت سالكاً يؤدّي دائماً إلى حياة الطمأنينة وتوطين ?لسلام":
"لكنّ غزّة سوف لا تمضي..
كما كانت.. تظلّ هناك».
وهو ينتقل في هذه اللوحة الخالدة إلى رسم صورة تهزأ بالموت، مشبّهاً إياه بصيّاد جبان، وجبنه كامن في كونه لا يهاجم إلا تلك الأفراخ التي ما زالت غير قادرة على مغادرة أعشاشها، فهي لا تقوى على الطيران، إذ لم ينبت لها الريش، بينما هذا الموت الجبان الذي يشير به إلى العدوّ الغاصب يفرّ حينما يرى الصقور!
والشاعر يبثّ معنويات المواجهة، ويسخر من ذلك الصياد الجبان ليقلّل من تأثيره، وبعد هذه الصور تطلع صورة الوطن الذي يضع على رأسه إكليل الوقار مذ كان يُقدّم دمه مهراً لعروس الحريّة والانعتاق.
وحينما ينتهي الزائر يُطالبه الشاعر بأن يُشارك في كتابة النصّ معبّراً عن تفاعله مع ما يتأمّله من صور بالرغم من رعبها إلا أنها تنبئ بطلوع فجر جديد.
وفي اللوحة الرابعة التي يمكن أن تكون بعنوان (باعة الكلام)؛ المتأمّل لهذه اللوحة يشمّ رائحة الفجور الذي يستغرب الشاعر في كيفية وصوله إلى أرض الطّهر والفداء ومخاطباً غزّة العزّ:
"أما أيقنتِ.. انّ الموت يكمن في دعاوى العاجزين
وأنّ من كذبوا عليك..
سيكذبون عليك ثانية وثالثة».
هذه لقطة يلتقطها الشّاعر مما يتداوله الناس في حياتهم اليوميّة من أن الذي يكذب مرّة فسوف يستمرئ الكذب مرّات ومرّات، وهؤلاء الكذّابون هم الذين مدّوا في عمر مأساة فلسطين!
في هذه اللوحة يتعفّف الشاعر عن ذكر ما يريد قوله، وهو يريد أن يجعل مما لا يُريد قوله أبلغ من الكلام، فهو لا يعاتب، وكأنّه يقول: «إنّ الذي هو في موقع العتاب لا يستحقّ العتاب، وهو يخشى من زلات لسانه إن هو أطلق له العنان». إنّ في هذين السطرين هجاءً مرّاً لمن هو مسؤول عما جرى ويجري:
"سأرجئ ما أريد القول..
لستُ مُعاتباً.. وأخاف من زللِ اللسان».
وفي الأسطر الثلاثة الأخيرة من هذه اللوحة يستفزّ غيرة الإنسان العربي في مخاطبة المرأة المنيعة المهيبة التي استباح الأوغاد ساحتها من الذين يتاجرون في القضية:
"يا أنتِ يا امرأةٌ حصانْ..
كيف استباح حماك.. أوغادٌ..
يبيعون الكلامْ».
هنا يقف زوار معرض اللوحات وهم يتفاعلون فيما بينهم لما رأوه في اللوحة متدافعين ليعلّق كلّ منهم مبدياً سخطه على ما يجري من فظائع على أرض غزّة الصّمود والإباء.
وفي اللوحة الأخيرة التي هي الخامسة من نصّ القصيدة التي يطلق عليها (أجنحة الموت تخفق مرّة أخرى) يتوقّع الشاعر حميد سعيد لغزّة أن يطول مقامها بين المقابر، وهي رؤية مناضل يقرأ حركة الأحداث باتجاهها الذي ستؤول إليه، وهو يراها تُدخل شواهد الموتى إلى ما يحفظ التاريخ منها. إن غزة هي بداية دورة حضاريّة بالفعل، فقد واجهت ترسانة أسلحة الدمار بمواجهة أسطورية قلّ نظيرُها، وقد ضربت مثلاً نادراً علّم الإنسان درساً أنّ الحقّ لا ينكسر أمام القوة مهما بلغتْ.
وكان هذا التعليق الأخير الذي جعله الشاعر القول الفصل في ختام قصيدته (الموت في غزّة).
بقي لي أن أسلّط الضوء على ملمح من الملامح التي بدت على وجه القصيدة، فقد استعار الشاعر من عمود الشّعر البحر الكامل ليكتب عليه قصيدته المهيبة، وهذا البحر كما يقول د.صفاء خلوصي «يصلح لكل غرض من أغراض الشّعر، ولهذا كثر وجوده في شعر القُدامى والمُحدَثين… والكامل اليوم قد احتلّ مكان الصّدارة في الشّعر العربي الحديث». وربما اختاره الشاعر لمزاياه التي ذكرها خلوصي كذلك: «فأَضْرُبُهُ أكثر من أضرب سائر البحور، فليس بين البحور بحر له تسعة أضرب كالكامل؛ وهو يؤلف مع الرجز والسّريع والوافر ما يُقابل المجموعة الايميبيّة ف? العروض الإفرنجي».
والشاعر بذلك يستجيب لموسيقى الشعر التي هي «ترجع أساساً إلى الوزن والقافية، إذ ينشأ عنهما وحدة النغم والإيقاع» كما يشير إلى ذلك الناقد سعد الدّغمان في كتابه «جماليات الصورة في شعر حميد سعيد».
والشاعر في أحد حواراته مع الكاتب هشام عودة (نُشر في كتاب «الشّمعة والدّرويش") يقول: «حين أكتب قصيدة بأحد البحور الشّعرية أو بإحدى التفعيلات أستجيب لموسيقى الشّعر دون خشية من تجاوز ثوابت العروض الخليلي، وكأنّني بالعُدّة الموسيقيّة التي كان يعمل بها الشّاعر العربي قبل أن تُفرض عليه قيود الخليل الجميلة».
وحميد سعيد يَعدّ موسيقى القصيدة في تقديري شرطاً من شروط شعريتها، وقصيدته بتفاعلاتها وبما يسوقها للولادة تركب بحرها المناسب.
في قصيدة «الموت في غزّة» الكثير مما يمكن الحديث عنه من ملامح تنبئ بقدرة شاعر مكين، خبر الشعر فأنِسَ به وفتح آفاقاً واسعة للقول الفريد فيه. وفي هذه القصيدة احتمالات مفتوحة للقراءات النقدية المتعددة.