في ذكرى رحيله الثانية عشرة

قراءة في ((أنثى الغيم)) لعاطف الفرّاية

تاريخ النشر : الجمعة 11:47 19-9-2025
No Image

«أنثى الغيم» قصيدة من مجموعة «أنثى الفواكه الغامضة» للشّاعر الأردنيّ الراحل عاطف الفراية (1964-2013).

سنقف في هذه المقالة على عدد من العناصر التي توضح معاني ورموز القصيدة؛ كالبنية الفنيّة والبنيّة الرّمزية والبنى الكونيّة واللغويّة والدّلالية.

في البنية الرّمزية للقصيدة يظهر الغيم كائنًا علويًّا متحرّرا، محمّلًا بالحياة، كما يأتي الكأس رمزًا للاحتواء والامتلاء، وربّما للشّعر ذاته الذي يعدّ وعاءً لفكر الشّاعر وإحساسه.

وتأتي الموسيقى الدّاخلية في القصيدة؛ لتبرز دور الإيقاع الدّاخلي (التّكرار، التّدوير، الجناس وتجاور الأصوات) في تكوين موسيقى النّص التي منحته انسيابيّة خاصّة، وكأنّ هذا الإيقاع يعكس حركة الغيم وتحوّلاته، فالموسيقى ليست مجرّد عنصرًا جماليًّا، بل إيقاعًا يعكس حركة الغيم ذاتِها في التّدفّق والتّحوّل؛ الأمر الذي يضفي على النّص حيوية تتناسب مع معناه الرّمزيّ.

في البعد النّفسيّ تظهر علاقة الشّاعر بذاته، فهو الغيم، وهو (نسغه)، وهو (أبوه)، هذا التّعدّد الذي يعكس قلق الهويّة، وهو قلق تبعثه ثنائيّات الاكتمال/ النّقصان، الحضور/ الغياب بين الأصل والفرع، في رحلة بحث عن ذاتٍ أكثر صفاءً.. ذلك يعكس رغبةً في التّجدّد المستمرّ، كما يعكس قلقًا وجوديًّا ورغبةً في إعادة صياغة الذّات باستمرار، وكأنّ الشّاعر يبحث عن معنى كونيّ يتجاوز الأرضيّ إلى العلويّ أو من النّاحية النّفسيّة هي حالة من التّوتّر بين الرّغبة في الاحتواء والاندماج (الكأس، النّسغ) والرّغبة في التّحرّر والانطلاق (?لجناح، الطّيران). بهذا المعنى يعكس النّص تجربةً داخليّةً وجوديّةً يحاول الشّاعر منْ خلالها التّعبير عن ازدواجيّة الإنسان بين الجذر والفضاء، بين الحاجة إلى الثّبات والرّغبة في التّحليق.

في القصيدة رؤية كونيّة يحاول فيها الشّاعر أنْ يتجاوز حدود الأرض إلى الفضاء العلويّ (الغيم، الطيران، الجناح)، تظهر هذه الرّوية في التّجربة الشّعريّة -عامّة- وتجربة الشّاعر في البحث عن معنى وجوده في هذه القصيدة.

أمّا البنية الفنيّة فتقوم الصّور في القصيدة على التّشخيص؛ كأنْ يظهر الغيم كائنًا حيًّا يحتسي، يطير، ويورق، كما نلمس حضور المجاز الكليّ حين تتجلّى القصيدة بأكملها كرحلة تحليق مع الغيم، تتناثر فيها الكلماتُ مثل قطرات المطر؛ لتُشكّلَ لوحةً متكاملة ذات وحدة دلاليّةٍ وبصريّةٍ في آنٍ معًا.

وإنْ شئنا الرّبط مع قصائد عربيّة أخرى جعلت من الغيم رمزًا للحريّة أو الرّحيل أو الأمل من مثل بدر شاكر السّياب حين جاء المطر عنده معادًلا للخلاص أو محمود درويش حين ربط المطر بالرّحيل، أو عند امرئ القيس في نهاية معلقته حينَ عمّ المطر وأغرقَ الكائنات، ورأى فيه بعضُ الدّارسين -ضمن المنهج النفسيّ- تطهيرًا وخلاصًا؛ إذْ عاش امرؤ القيس عقدة ذنب حين ألهاه الخمر عن ثأر أبيه؛ فقال قولته الشّهيرة: «ضيعني أبي صغيرًا وحمّلني دمه كبيرًا؛ فاليوم خمر، وغدًا أمر.... أقول إنْ شئنا الربط مع قصائد أخرى فقد رسم عاطف رؤيته الكون?ّة الخاصّة حين جعل من الغيم معادلًا للقصيدة ذاتها، ولقدرة الشّعر على عبور حدود المكان والزّمان، ليغدو المكان أرضًا/ أنثى للطّهر والنّقاء.

ويختلف التّلقي من قارئ لآخر؛ ففي هذا النّص ثمّة شعور بالتّحليق والانفلات، وأحيانًا بالشّفافية والرّهافة والتّجدّد حين ينقل القارئ من أفق الواقع إلى فضاٍء يشبه الحلم، أو قل فضاءً متحوّلًا يتناثر في الشّعر كرذاذ المطر، فيمزج الغموض بالوضوح، والملموس بالمجرد... وقبل:

سألتُ عاطفًا -رحمه الله- يومًا: ما كلّ هؤلاء الإناث في قصائدك (أنثى الغيم، أنثى الورد، أنثى النّخل، أنثى الثّلج.... الخ؟) قال: هي المرأة الرّوح التي تأتي في وجه النّزاريّة (في إشارة للشّاعر الكبير نزار قبّاني الذي غنّى للمرأة الجسد).

ففي العنوان (أنثى الغيم) دلالة استفهاميّة/ تعجبيّة توحي بالدّهشة والتّيه؛ فكان عتبة أولى جعلت من الغيم مركزًا ومفتاحًا نلج منْ خلاله إلى القصيدة، فكان الغيم هو ذات الشّاعر والقصيدة أجنحة تطير، وتفضي إليه في رحلة امتلاء وارتواء عاطفيّ، في رحلة تحليق إلى الحريّة، كما جاء تكرار (أنا... أنا...) تكريس للهويّة و تعدّدها، بلْ قلق يجعل من ذات الشّاعر تبحثُ عنْ أصلها بين الأرض والسّماء في رغبة مزدوجة تتأرجح بين الاحتواء (الكأس) والتّحرّر (الجناح)، كلّ ذلك في إيقاع يعتمد على التّدوير والانسياب منْ داخل القصيدة، وموس?قى تتناغم مع حركة الغيم التي عبّر عنها عاطف بالتّبعثر حينًا والانسياب أحيانًا، فكان المطر ابن الغيم الذي يرمز إلى الحريّة وأحيانًا إلى الحلم والتّجدد، فجاءت أنثى الغيم معادلًا موضوعيًّا للقصيدة، بل للحياة وفضائها الرّحيب.

أنثى الغيم

إلى أمل

أنا ولد الغيم.. أو.. إنّني نسغه.. أو أبوه..

أنا كأسه الـ.. يحتسيني صباحا

وعند اكتمال القصيدة تلك التي

كلّما راودتني استوى كلّ سطرٍ جناحا..

أطير مع الغيم شعرًا تناثر مثل رذاذ على

قمر مستفزِّ الضّياءِ.. وأهمي على كوكب.. حطّ ركبته

في دمي واستراحا.

ثمّ صلّى.. وأصغى إليِّ.. بكى.. ثمّ باحا.

هناك.. رأيتُ الإناثَ

كما تتدلّى الملائكُ تأتي إناث الغيوم..

وتشرب ما يتسنّى لها منْ رذاذٍ..

وشعرٍ.. ودمعِ سماءٍ بكتْ لوداعي..

وتشربني.. فتضجُّ بها الأغنياتُ.. فتهطلُ..

ها إنّني والقصائدَ نهطلُ.. في جوفِ

أنثى الغيوم.. على كوكبٍ شاحبٍ اسمه الأرضُ

-والأرضُ تعشق أنثى الغيوم وتعشقني-

نتدلّى معًا.. لنحاضنَها..

فيصيرُ الجنوبُ ذراعا.. يصير الشَّمالُ ذراعا..

نؤجّجُها بالأغاني.. نبدّل كلّ فساتينها

وتفرُّ الغزالاتُ منْ بينِ أكمامنا..

تخشعُ الريحُ.. ينقلبُ الرّملُ وردًا..

تعودُ المياهُ إلى نهرِها

والوعولُ إلى رقصِها.. والدّفوفُ إلى

سعفِ النّخلِ.. تغدو الفواكه قيثارةً

.....

ها هي الأرضُ تجثو على ركبتيها.. مثلما الطّفلُ تغفو

على صدرِ أنثى الغيومِ.. وتحلمُ.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }