هاجس الهوية في ((مَن قتل بالومينو موليرو))

تاريخ النشر : الجمعة 11:49 19-9-2025
No Image

يشارك ماريو بارغاس يوسا زملاءه من الأدباء الأمريكيين اللاتينيين هاجس الهوية، ويكاد يكون هذا الهاجس عنصراً مشتركاً في أعماله الإبداعية كافة.

أدب هؤلاء الناس منفتح على العالم، ومحبوب من العالم أيضا. فيه تكمن الروح التي ترتقي بالخصوصية المحلية لتجعل منها شأناً إنسانيّاً عامّاً. أعمال ماركيز دارت في معظمها حول محليات ضيقة لكنْ وسَّعتها رؤيته. بورخيس ذهب في اتجاه موازٍ؛ ربما لأنه أديب مفكّر، انطلق من الخصوصية ليصهرها بثقافات أخرى، كان يدمج المَشاهد فيخرج بنكهة تتسق مع ميوله الفلسفية، لا يكاد حديث له يخلو من «ألف ليلة وليلة»، يطوف ببابل والهند، يرتحل مع الزمن إلى الماضي والمستقبل ويتناول شخصيات غير متوقعة كالمعتصم وفريد الدين العطار في «حديقة المسال? المتشعبة». هذا التناول بالذات له رمزية ما؛ فهل كان يرى الثقافات مسالك متشعبة تقود إلى الغاية نفسها؟ ربما..

ألبرتو مانغويل يشبه أستاذه بورخيس وله صلات راسخة مع مثقفين عرب أشار لها في «يوميات القراءة» وفي تحليلاته السيسيو ثقافية المتعددة لما يحصل في المنطقة العربية. هو بالمناسبة يهودي ناقد للثقافة الغربية في نظرتها للآخر، يقول في يوميات القراءة: «يتعرف الغرب على الآخر فقط كي يمعن في احتقاره، لكنه يُفاجأ عندما يُقابل بالمثل» (1).

عن أي غرب يتحدث هؤلاء؟ أليسوا غربيين؟ لعلَّ في الأمر شيئاً من التفصيل.

إنهم غربيون لكن بنكهة مختلفة. يرى الشاعر الأرجنتيني سيزار فرنانديز مورينو أن وراء هذا الوعي المختلف بالهوية عند الأمريكان اللاتينيين عوامل عدة من أهمها الشرخ القائم بين الهوية اللاتينية والهوية الأنغلوسكسونية المجاورة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ أي صورة الغرب النمطية التي يظهر بها أمام العالم. ولهذا أسباب يأتي على رأسها:

1. الخصوصية الديموغرافية التي اندمجت فيها أكثر من حضارة دون أن تلغي إحداها الأخرى رغم وحشية الغزاة الأوائل. فما زال للسكان الأصليين حضور واضح في دول مثل بيرو وبوليفيا والأوروغواي، يضاف إليهم الخلاسيون (2) والمهاجرون من أفارقة وعرب وغيرهم.

2. تحقق ثقافة هجينة -بسبب هذه الخصوصية الديموغرافية- من الحضارات الغازية والأصيلة والمهاجرة.

3. الفقر والهوة الاقتصادية الواضحة مقارنة بالدول الغربية الأخرى.

ما سبق أدى برأيه إلى عالمية هذه البلاد التي باتت «مقدمة لعالم المستقبل حين يصبح الإنسان واحدا من وراء الأجناس والثقافات» (3).

يمكننا إضافة شيء بناء على ما سبق: حين خرجت هذه الثقافة من عباءة الغرب الاستعماري تخلصت بالتأكيد من مركزيته، أي من تلك النظرة التي ترى نفسها مركز كل شيء وأصله، وباتت قادرة على رؤية الآخر وفهمه، ومن ثم امتلاك نظرة إنسانية شاملة تمهد لما نريد قوله عن ماريو بارغاس يوسا؛ فحين تكون قادرا على فهم نفسك وتلمُّسِ أوجاعك والاعتراف بمشاكلك، وحين لا تكون شوفينيّاً ولا ترى نفسك مركز الكون، يمكن لك أن تحقق التواصل الإنساني المطلوب.

برأيي ليس هناك انفصال بين الموقف الموضوعي الذي يتخذه أدباء أمريكا الجنوبية من قضاياهم ونقلهم تفاصيلهم المحلية بمنتهى الجمال والعمق، وقدرتهم بالمقابل على استيعاب ثقافات العالم، والنظر إليها نظرة موضوعية، بل نظرة تواصلية منفتحة.

هذا بالضبط ما يفتقده الغربيون الآخرون، إلا قليلاً منهم.

يؤكد يوسا مبدأ الاستقلالية هذا، فرغم أن الثقافة اللاتينية ثقافة أوروبية بامتياز إلا أن انتماءها هذا لم يأخذ «شيئا من تفوق وأصالة الكاتب الأمريكي اللاتيني» (4). ولعل كلمة «أصالة» هنا محورية؛ فهي تعني بحسب فهمي لها الاختلاف، وتشير معه إلى شيء ينتمي إلى الجذور. ويصف يوسا بورخيس الذي يَعدُّه الأكثر تأورباً من بين الكتاب اللاتينيين بأنه حافظ على مسافة من الثقافة الأوروبية ونأى بنفسه عن أن يُحشر وراء «القضبان الثقيلة» لتلك الثقافة.

نعود إلى موضوعنا الأساسي..

ينتمي يوسا إلى «الهسبانوز». هذه الكلمة تعني في الولايات المتحدة الأمريكية الأمريكان اللاتينيين بشكل عام، لكنها في بيرو وجاراتها تشير بشكل مخصوص إلى السكان الذين ينحدرون من الغزاة الذين فتحوا البلاد؛ أي أولئك الذين يعودون إلى أصول إسبانية وبرتغالية.

يجاور الهسبانوز في بيرو أعراق أخرى، فهناك السكان الأصليون الذين ينحدرون من حضارات عريقة كحضارة الإنكا، وهناك السود والآسيويون والبرونيون وغيرهم من تكتلات صغيرة. من تفاعل هذه الأعراق نتجت بيرو الحديثة، وهو؛ أي التفاعل، يظهر في مجمل أعمال يوسا مثل: «حرب نهاية العالم» التي تدور أحداثها في البرازيل لكنها تتناول شيئاً لاتينيّاً عامّاً، و"البيت الأخضر» التي تتناول قضايا التبشير الديني القسري وغير الإنساني الذي عُرّض له السكان الأصليون، والاستغلال الاقتصادي بل النهب واللصوصية اللذين مورسا على الفئة نفسها (5)، و"م? قتل بالومينو موليرو» التي نحن بصددها هنا.

***

هذه الرواية ذات طابع بوليسي؛ إذ تدور حبكتها حول مقتل الشاب «بالومينو موليرو» بطريقة شنيعة. لقد وجدوه معلقاً على شجرة وقد مُثّل بجثته، ووصلت الوحشية إلى حد الانتقام من أعضائه التناسلية. رغم هذا الطابع البوليسي إلا أن يوسا يفاجئ قارئه بالقول إن الجريمة لم تكن هي الهدف الرئيسي الذي كُتبت من أجله الرواية، بل كان هذا الطابع مجرد شكل أدبي حمَّله أفكاره.

يتولى الملازم سيلفا والشرطي ليتوما التحقيق في ملابسات الجريمة فور اكتشاف الجثة فتتكشف الحقائق تدريجيّاً. كان القتيل قد التحق بإحدى الكليات العسكرية التابعة لسلاح الطيران؛ وهو وسط يسيطر عليه البيروفيون البيض، فتنشأ هناك علاقة غرامية بينه وبين أليسيا ابنة الكولونيل ميندرياو؛ قائد الكلية. هنا مربط الفرس؛ ذلك أن بالومينو المسكين «تشولو»، وهذا اسم يبدو أنه يُطلق على السكان الأصليين هناك، فيقع عليه الغضب لأنه قد دخل منطقة محرمة..

يصف الملازم دوفو الذي كان خطيباً مفترضاً لأليسيا ما اقترفه بالومينو قائلا:

"لأنه نقر عالياً جداً. لأنه دخل قنّاً ليس له.. وهذه أمور يُدفع ثمنها، وقد دفع الثمن، وأحسن صنعاً بدفع الثمن (...).. أجل يا أخي، فمن ينقر عالياً، ومن يدسّ نفسه في قنّ الغير سيدفع الثمن عموماً. وإلى أي قنٍّ دخل بالومينو؟».

تشير الرواية بشكل الواضح إلى الفارق الشاسع بين الطبقة البيضاء ذات الامتيازات الكبيرة وباقي سكان المنطقة، ففي حين كان الضباط يعيشون في مكان مليء بالرفاهية والحدائق والزهور والمسابح الخاصة والفتيات اللاتي يرتدين ملابس السباحة، بجوار هؤلاء الذين يعيشون «وراء جدرانهم وأسوارهم كما في الأفلام»، تقع المدينة البائسة «تالارا» التي يعاني أهلها شظف العيش، وتأكلهم الهوام والحشرات والغبار والأتربة. هذان النمطان يعيشان في حيز جغرافي واحد لكن المسافة الحضارية بينهما شاسعة.

يخترق بالومينو وأليسيا هذا الحاجز، ويبرز المعنى الإنساني عبر الحب الذي يذيب كل فرق بين الأعراق والطبقات:

«كان هو (بالومينو) يميل برأسه ذي التجاعيد السوداء القصيرة على كتف الفتاة (أليسيا).. يغنّي لها: روحان وحّدهما الله في الدنيا، روحان متحابتان، أنا وأنت. وكانت عيناها تترقرقان تأثرا بحنان الأغنية ورقتها».

يتضح في النهاية أن «دوفو» هو القاتل بمعاونة مجموعة من رفاقه العسكريين الذين هم بالتأكيد بيض مثله، وبتحريض من الكولونيل ميندرياو الذي ينتهي به الأمر منتحراً حين يتضح أن علاقته بابنته أليسيا لم تكن سوية؛ فقد سارت تلك العلاقة في أحد مسارين لم يُبتَّ في أحدهما؛ فإما أن الكولونيل كان يتحرش بابنته فسبب لها عطباً نفسيّاً كبيراً، وإما أن الابنة بسبب تلك العاهة النفسية ألصقت بأبيها هذه التهمة.

ينتهي التحقيق فيعود الملازم سيلفا -الذي يبدو أنه أبيض- إلى ولعه بإحدى النساء المحليات في «تالارا» (6)، ويجتر الشرطي ليتوما الرومانسي الحالم عقدته التي سبّبها له عرقه؛ الـ"تشولو»، ويسائل نفسه: هل يمكن له أن يكون أحد «الناس المحترمين» الذين أشارت إليهم أليسيا حين وصفت حبيبها بأنه يشبههم رغم أنه «تشولو»!

***

قبل أن أختم، وكي نفهم يوسا أكثر، ينبغي التنبه إلى أن ما سبق، في هذه الرواية وغيرها، يصدر عن موقف أخلاقي للكاتب، ومتى اتسم موقف الإنسان من قضية ما بالموضوعية فإنه يكون قادراً على تكوين رؤية أوضح، ومن ثم ممارسة النقد الذاتي على نفسه وعلى ما يخصه.

يوسا حفيد الغزاة المتوحشين، لكنه يعود إلى التاريخ باحثاً عن ضوء ما فيجده. لقد وُجد رجال من البيض استطاعوا أن يقفوا في وجه الوحشية واستغلال السكان الأصليين، هذا لم يمنع المأساة، لكن ما زال على الأدب أن يفعل شيئا.

لقد تجاورت الثقافات في المكان لكنها تباعدت في الروح والوجدان. مارس العرق الأبيض وحشية على الطرف الآخر، سيق الرجال عبيداً واغتُصبت النساء وهُجّرت القبائل من أراضيها. كانت ثمة فجوة اقتصادية كبيرة، ومسافات ضوئية شاسعة بين القرى والمدن التي أسسها الغزاة. إنها العقلية الاستعمارية المدفوعة بمركزية الأوروبيين واستعلائهم، مارسوها حتى الوقت الحاضر بمزيد من العنجهية والصلف وقسوة القلب. يرى يوسا أن هذه العقلية امتداد لأخلاق أجدادهم الأوائل والجميع يدفع ثمنها الآن، ويصر بعد تشخيصها على الاعتراف بها، كيف لا وهي مجرد تر?ث استعماري. ولعل من عمى البصيرة -بحسب رأيه- أن تُنسب مشاكل الحاضر في بيرو إلى أي مصدر خارجي؛ فهذا غياب في رمال التعصب.. إن الغزاة، الإسبان، الفاتحين، الرجال القادمين من وراء المحيط، هم المسؤولون عن ذلك:

"هل فعلوا ذلك حقّاً؟ نحن فعلناه؛ نحن الغزاة».

(1) انظر: ألبرتو مانغويل، يوميات القراءة، ترجمة: عباس المفرجي، دار المدى للثقافة والنشر، 2008.

(2) الخلاسيون هم المهجنون من عرقين أو أكثر من الأعراق المذكورة. العرب كانوا يسمونهم في الأندلس «مولَّدين».

(3) مجموعة مؤلفين، أدب أمريكا اللاتينية.. قضايا ومشكلات، القسم الأول، ترجمة: أحمد حسان عبد الواحد، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أغسطس 1987.

(4) ماريو بارجاس يوسا، الكاتب وواقعه، ترجمة: بسمة محمد عبد الرحمن، المجلس الأعلى للثقافة، 2005، ص17.

(5) كادت هذه الرواية تصيبني بالجنون بسبب صعوبتها وأساليب يوسا التجريبية في الحوارات وغموض الشخصيات، وأزعم أنني ما زلت غير قادر على فهمها بالكامل، ومعرفة أي الشخصيات كانت هنا وأيها كانت هناك.

(6) سألت نفسي إن كان في هذا الولع المبالغ فيه رمزية للقاء العرقين الأبيض والهندي أم لا؟ فلم أصل إلى نتيجة، لكن جو الرواية يحتمل هذه الرمزية.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }