الأديب الشاعر محمد أحمد السُّويديّ وإحياء العِلم المَوَات

تاريخ النشر : السبت 01:02 6-9-2025
No Image

يبرز الأديب والشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي كأحد النابهين على امتداد الوَطن العربي في اهتماماته المتنوعة التي عَلق بها وارتبط، وتحفل سِيرته الذّاتية بالبذل والعَطاء والإنجاز، وهي دالَّة على ما يَمتلكه من نُزوع صادق للبَحث العلميّ الرّصين، وإقامة المشاريع العلمية الرائدة الفريدة التي تكشف عن جوانب غائبة أو منسية من الحضارى العربية الإسلامية، والرّغبة في ارتياد المجاهِل التي لم تُطرق ولم يُكشَف عنها، حتّى حقّق في ذلك التَّميزَ والإبداع بصمتٍ ودون ضجيج.

انشغلَ السويدي بأدب الرحلة والسفر في التراث العربي، وملاحقة ما أنتجه العرب من أدبيات التطواف في مشارق الأرض ومغاربها، ولمس قلَّة الاعتناء بالتراث الجغرافي وأدب الرحلة على وجه الخصوص، واقتصار المكتبة العربية في هذا الحقل على ما أنجزه المستشرقون وبعض العرب في طبعات قديمة عزيزة التداول، فأنشأ منذ ربع قرن، مؤسسة تُعنى بتحقيق التراث الجغرافي وتقريبه، وتولى إدارتها، ولا يزال، الشاعر السوري نوري الجراح، وهو أديب عارفٌ بذخائر التراث العربي ومكنوناته، وممن تعاطى التطواف والتقلُّب في الأرض مجبراً في حقبة الظلم التي عاشها السوريون طيلة نصف قرن من حكم أسرة الأسد.

وهيَّأ السويدي كل الوسائل الدافعة والمحفزة للباحثين على ارتياد هذا الحقل، فخصّص جائزة للأعمال المحقّقة في أدب الرحلة والجغرافيا، وضمن عدة حقول، ولم يُمهرها باسمه على عادة أقرانه ممن يقيمون مشاريع ثقافية وعلمية، بل جعل اسمها مرتبطاً بالرحالة العربي الشهير ابن بطّوطة، فأشعّت هذه الجائزة بتحدّد مقاصدها الباعثة والمحفّزة، وبَنَت اعتبارًا معنويًا وهدفًا عاليًا ينجذب إليه الباحثون، وأضحت بذلك شرفًا ومطمحًا لأنظارهم على امتداد رقعة الوطن العربي وأقطار العالم، وحيث يوجد العربيّ خارج دياره.

أحيَت هذه الخطة التي وضعها السويدي تراثاً واسعاً وغنياً كان في عداد المُهمل والمتروك، ونفضَت الغبار عن مخطوطات كانت مركونة في زوايا الخزائن ودور المخطوطات، تتنوَّع مادتها بين كتب الجغرافية، وكتب الغرائب والعجائب، والرحلات العامة، والرحلات البحرية، والسفارات، ورحلات الحج «الرحلات الحجازية»، والرحلات إلى اسطنبول، والرحلات العلمية والبعثات الاستكشافية، وغيرها من الأنواع والوجهات المختلفة، بعضها يقع في مجلدات كبيرة، فحُققت وطُبعت في نشرات مخدومة بالمقدمات الدراسية والفهارس والكشافات الدالة، وظهرت نصوص جغرافية ورحلاتية لم تكن تُعرف حتى لدى بعض المختصّين في هذا الحقل كرحلة سكيكر الشامي إلى اسطنبول، ورحلة الصلاح الصفدي إلى الحج وغيرهما من الرحالة، وأُعيد بناء بعض الكتب الضائعة كما هو الحال في رحلة يوحنا ابن بُطلان التي حفظ بعض نصوصها الجغرافي ياقوت الحموي (ت.626هـ/ 1229م) وصديقه المؤرخ كمال الدين ابن العديم الحلبي (ت.660هـ/ 1262م) وتصدى لجمعها ودراستها الأستاذ شاكر لعيبي، وبلغت النصوص التراثية المحققة والمكتشفة قدراً كبيراً يزيد على المئتين، تُشكّل بمجموعها مكتبة جغرافية وأدبية متكاملة. ونُشرت بموازاة ذلك دراسات في أدب الرحلة وترجمات متنوعة، ونهجت الجائزة على إقامة المؤتمرات والندوات العلمية المصاحبة لتوزيع جائزة ابن بطوطة فأعادت حقل الرحلة إلى واجهة العلوم المطروقة.

إلى جانب ذلك، أسّس السويدي مشاريع خادمة للبحث العلمي، وأصدر في أواخر القرن الماضي الموسوعة الشعرية الضامّة لأشعار العرب منذ العصر الجاهلي حتى منتصف القرن العشرين، والتي أتاحت خدمة البحث الإلكتروني من خلالها واشتملت على نحو مليونين ونصف المليون من أبيات الشعر، إضافة إلى مئات الكتب والمجاميع الأدبية والمعاجم اللغوية. كما باشر في إعداد وإنتاج العديد من الكتب التراثية المسموعة صوتياً، وأنشأ مؤسسة خادمة للنشر الإلكتروني أسماها: القرية الإلكترونية، تتفرع إلى العديد من المجالات والأذرع، منها: الوراق، واحة المعلقات، أطلس القرآن وغيرها.

ولئن كان العرب قد ارتادوا مسالك الأرض بأقدامهم، ووطئوا مجاهلها في الشرق والغرب، واستكشفوا عالم البحار وكتبوا حولها الكثير من المصنّفات والمؤلفات، فقد طوّفوا أيضاً بأبصارهم ونظرهم في السماء، ورصدوا -بالتجربة والمعاينة وطول التحري والمتابعة- حركة النجوم والكواكب في عالم السماء، وتمّموا جهود من سبقهم من علماء الهند واليونان وغيرهم بعد ترجمة نتاجهم في هذا الحقل، وصنفوا الكثير في علم الفلك «الهيئة»، وبذلوا جهوداً في استكشاف حركة الكواكب والنجوم وقرّبوا صورها برسوم دالة على هيئتها وما يشكله اجتماع هذه الكواكب في كل منزلة من رسم تقريبي، ولاحظوا ما يستجد في كل منزلة من الأنواء وتقلبات الطقس وما ينعكس على أحوالهم ومعاشهم، وبرز في هذا الحقل علماء أفذاذ، أمثال: محمد بن موسى الخوارزمي والبتاني والصوفي والبيروني وغيرهم.

يتشعّب علم الفلك إلى جانبين، أحدهما قائم على أسس علمية حمل اسم علم الفلك أو الهيئة ومن فروعه علوم الأزياج، وقد نال مكانته في الدولة الإسلامية منذ العصر العباسي مدعوماً برغبة بعض الخلفاء واعتنائهم وتوجيههم، وبرع فيه علماء كثر من العرب وغيرهم، والآخر يتجه إلى التنجيم، غايته التنبأ بوقوع الحوادث الدنيوية عند اقتران الكواكب وامتزاجها، وقد أوْعب ابن خلدون في التمييز بين هذين النوعين، وخصّ علم الفلك «الهيئة» بالتقدير: «وهذه الهيئةُ صناعةٌ شريفةٌ، وليست على ما يُفهَم، في المشهور، أنّها تُعطي صورةَ السَّماواتِ وترتيب الأفلاكِ بالحقيقة، بل إنّما تُعطي أنّ هذه الصورَ والهيئاتِ للأفلاك لزمَت عن هذه الحركاتِ. وأنت تعلمُ أنّه لا يَبعُدُ أن يكونَ الشيءُ الواحدُ لازماً لمختَلِفَينِ. وإن قلنا: إنّ الحركاتِ لازمةٌ، فهو استدلالٌ باللاّزم على وجودِ الملزوم، ولا يُعطي الحقيقةَ بوجهٍ. على أنه علمٌ جليلٌ، وهو أحدُ أركان التَّعالِيم». «المقدمة 2: 306»، بينما حطَّ ممن تعاطَى صنعة التنجيم وضرب الرمل والعرافة واعتبرها «مغالط يجعلونها كالمصائد لأهل العقول المسْتضعفة» «المقدمة 1: 205».

ورغم ما نال هذه العلم من اعتناء في العصور الإسلامية المتعاقبة، فقد انطفأ البحث فيه وانصرف الباحثون المعاصرون عن النظر في ما أنتجه العرب من متعلقاته وتراثه، واقتصر البحث فيه وتحقيق أصوله على بعض العرب والمستشرقين والهواة، وانقطع البحث فيه كلياً ولم يعد معدوداً من جُملة العلوم منذ القرن الماضي، ولعل آخر المعتنين بعلم الفلك كان المستشرق الإيطالي كرلو نلِّينو (Carlo Alfonso Nallino) الذي حقق ودرس أحد أصوله «الزيج الصابئ للبتاني»، وأعد بحوثاً عديدة في علم الفلك، واستقدمته الجامعة المصرية عام 1909م للمحاضرة في طلبتها، وجُمعت محاضراته وطبعت بروما 1911م في كتاب حمل عنوان «علم الفلك: تاريخه عند العرب في العصور الوسطى».

مرة أخرى، يرمي السويدي بنظره بعيداً نحو السماء مُتتبعاً لانعكاسات ضوء النجوم والكواكب وما تُشعه على كوكب الأرض، فاتجه باهتماماته لهذا التراث المهمل، الذي نال مؤخراً من الاستبعاد والإغفال ما لم ينله غيره من حقول المعرفة، وانكبّ منذ سنوات على دراسة منجز العرب في علم الفلك، وساقه الشغف المفرط إلى التأليف فيه، ضمن مشروع طويل الأمد حمل عنوان: «منازل القمر»، تتبع فيها معارف العرب التي دوّنوها حول المنازل القمرية التي ينزلها القمر كل عام، واستقصى خبرها في التراث الأدبي وأسجاع العرب وأرجازهم وعموم أشعارهم، وفي الموروث الشعبي غير المدوّن، ولاحق شواهدها ورسومها، وأعاد بناء سيرتها مُستحلباً لتفاصيلها من تراث متناثر في بطون الكتاب وتفاريق الروايات والحكايات. كان حديثه عن النشرة التجريبية التي عرضها في منزله العامر في أبو ظبي منتصف العام 2023م مليئاً بالفخر والاعتزاز بما قدمه العرب ودوّنوه حوله، وبدا ممسكاً وملماً بمحطات نزول القمر الثمانية والعشرين، تستغرق كل منزلة ثلاثة عشر يوماً سوى منزلة جبهة الأسد التي يحلها القمر في أربعة عشر يوماً يكون بها تمام أيام السنة عند العرب، شارحاً لمدلول المسميات وارتباطها في ذهن العربي وسبل معاشه وضبطه لمواقيت الزمن.

لقد أنتج التأني والتحري الذي أولاه السويدي لمشروعه الخاص بالفلك مزيداً من التدبّر والإجادة قبل إطلاق الكتاب في هذا العام، فجاء عمله موسوعيّاً مُستوفياً لأدواته ومادته، ومُستقصياً للمعارف العلمية التي أنتجها العرب حول منازل القمر ومحطاته، في عمل ناضج معرفياً، ونشرة قشيبة مُزدانة بالرسوم والتصاوير وموصوفة بحسن الإخراج.

هذه أنظارٌ ولمع متفرّقة عن بعض المجهودات العلمية التي قدّمها السويدي وخدم بها حقولاً مخصوصة من التراث العربي وعلوم الحضارة العربية والإسلامية التي انصرف عنها الباحثون، وهو صنيعٌ محمود يسدّ الخلل، ويستوفي النقص، ويستدرك التقصير في دراستها وبحثها؛ ويؤكد الثقة في ذَاتنا بأنَّ في ديار العرب مَن يعمل على ما ينفعُ النَّاس ويمكث في الأرض.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }