يُنظر إلى الدكتور يوسف بكّار بوصفه واحدًا من الوجوه البارزة في ميدان الأدب المقارن في العالم العربي، إذ خصّص جانبًا كبيرًا من جهده العلمي والبحثي لتوسيع آفاق هذا الحقل، والعمل على تحريره من انحصاره التقليدي في دائرة التأثيرات الأوروبية وحدها، وإخراجه من إطاره التقليدي الضيق الذي ظلّ محصورًا في دراسة التأثيرات الأوروبية على الأدب العربي، إلى أفق أوسع يجعل من الأدب المقارن مجالًا لدراسة الصلات العميقة بين العربية والفارسية.
وما يميّز رؤية بكّار أنه لا يتعامل مع الأدب باعتباره مجرد نصوص لغوية معزولة، بل يقرؤه باعتباره فضاءً ثقافيًا وفكريًا تنتقل عبره المعارف وتتقاطع فيه الرؤى، مما يمنحه بعدًا أعمق يتجاوز حدود اللغة إلى إطار أوسع من التفاعل الحضاري. ومن هنا جاء كتابه «في الأدب المقارن: مفاهيم وعلاقات وتطبيقات» ليكون مرجعًا أساسيًا يطرح رؤية متكاملة تجمع بين النظرية والتطبيق، مع إيلاء اهتمام خاص بالعلاقة التاريخية المتبادلة بين العربية والفارسية وما انبثق عنها من تأثيرات أدبية وحضارية متواصلة.
يؤكد بكّار أن الاكتفاء بدراسة صلة الأدب العربي بالآداب الغربية، على أهميتها، يحجب جوانب جوهرية من تكوين الأدب العربي ومساره التاريخي، فالعربية عاشت قرونًا طويلة في تماس مباشر مع الفارسية، أخذت منها وأعطتها، وتبادلت معها الكلمات والتعابير والرموز والصور الشعرية. وهذه العلاقة التي كانت واضحة في الواقع التاريخي لم تحظَ بالقدر الكافي من الاهتمام الأكاديمي، لذلك عمل بكّار على إعادة الاعتبار لهذه العلاقة، وجعلها في صميم البحث المقارن، مؤكدًا أنها تكشف مسارات التأثير والتأثر المتبادل، وتوضح أوجه التداخل الثقافي واللغوي التي أسهمت في تشكيل ملامح الأدب العربي.
في الفصل الرابع من كتابه، يتناول بكّار موضوع الأدب العربي القديم والثقافة الفارسية، موضحًا أنّ التواصل المباشر بين العرب والفرس لم يكن مجرد تفاعل عابر، بل ترك بصمة عميقة في اللغة والأدب معًا. فقد أسهم هذا التواصل في تبادل الألفاظ والمصطلحات، وفتح المجال أمام أنماط جديدة من التعبير والتصوير، ما جعله أحد أبرز العوامل في تشكيل ملامح الهوية الأدبية لدى الطرفين.
وفي هذا السياق، يتتبع بكّار المظاهر اللغوية التي دخلت العربية من الفارسية وأصبحت جزءًا من نسيجها، مثل أسماء الملابس والأطعمة وبعض المصطلحات الحضارية، ويبيّن أنّ الأدب العربي الكلاسيكي تأثر بالصور والمضامين الفارسية، وخصوصًا في موضوعات الحكمة والوصايا. ويعبّر عن ذلك بقوله: «لقد دخلت كلمات فارسية في لغة العرب، وتشكّلت بها صور شعرية جديدة تدلّ على الاحتكاك الحضاري بين الأمتين» (ص70). ثم يضيف أنّ العرب لم يكونوا متلقّين سلبيين، بل كان لهم أثر واضح في الأدب الفارسي، حيث يلمس القارئ في الشعر الفارسي القديم صدى للبلاغة العربية وصورًا مستوحاة من المعلقات ومن الموروث الشعري العربي (ص72). ويُوضّح كذلك أنّ الحضارة الإسلامية بعد الفتح قدّمت إطارًا مشتركًا لتفاعل العرب والفرس، إذ صار الأدب ينهل من معينين متداخلين. فالشعراء الفرس في البلاط العباسي كتبوا بالعربية والفارسية معًا، ومن أبرزهم بشّار بن بُرد الذي جمع بين الحسّ العربي والنكهة الفارسية. ويرى أنّ دراسة هذه النماذج تثبت أنّ بعض جوانب الأدب العربي لا يمكن أن تُفهم على نحو دقيق من دون النظر إلى محيطه الشرقي، وأنّ الفارسية أسهمت بوضوح في تشكيل عدد من موضوعاته وصوره.
أما في القسم التطبيقي من كتابه، فقد خصّص بكّار حيّزًا مهمًا لدراسة عمر الخيام، ورأى أنّ رباعياته تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعة التفاعل بين الأدبين العربي والفارسي. فقد تناول في مبحث بعنوان «عمر الخيام وتأثره بالشعر العربي» أنّ الخيام لم يكن بمعزل عن التراث العربي، وأنه تأثر بشكل خاص بأفكار أبي العلاء المعرّي، سواء في نظرته إلى الحياة أو موقفه من الموت. ويشير إلى أنّه » في رباعيات الخيام نلمح صدىً لأفكار المعرّي، خصوصًا في نظرته التشاؤمية إلى الدنيا» (ص128). ويورد أن الخيام «لم يكن بمعزل عن الثقافة العربية، بل انفتح عليها وأفاد منها، حتى بدا في كثير من أبياته قريبًا من روح المعرّي» (ص131). ويرى أن هذا التشابه ليس محض صدفة، بل نتيجة تفاعل ثقافي ممتد بين العرب والفرس على مدى قرون متعاقبة.
وفي المقابل، يشير بكّار إلى أن الخيام لم يكن متأثرًا بالعرب حسب، بل أصبح مصدرًا لإلهام الأدب العربي الحديث عبر الترجمات. ففي فصل «تأثير الخيام في جماعة الديوان»، يوضح أن الرباعيات وصلت إلى العرب في مطلع القرن العشرين عبر ترجمات أوروبية، وأنها أثّرت في جماعة الديوان التي ضمّت العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري، مؤكدًا أن «جماعة الديوان لم تجد في الرباعيات مجرد صياغة شعرية، بل وجدت فيها فكرًا جديدًا وأسئلة وجودية متصلة بالحرية والموت والزمن» (ص143).
ويؤكد بكّار أنّ الترجمة لم تكن مجرد وسيط لنقل رباعيات الخيّام إلى العربية، بل كانت فاعلًا مؤثرًا في تشكيل صورته داخل المخيال العربي؛ إذ إنّ كثيرًا من هذه الترجمات لم تعتمد النص الفارسي مباشرة، وإنما استندت إلى نصوص أوروبية مترجمة، وهو ما أضفى على صورة الخيّام في الثقافة العربية طبقات إضافية من القراءة والتأويل. ولذلك يرى أنّ العرب لم يقرأوا الخيام كما كتب بالفارسية، بل كما قدّمه المترجم الإنجليزي أو الفرنسي، ثم كما أعاد المترجم العربي صياغته. ويشير هنا إلى أنّ » صورة الخيام في الثقافة العربية صورة مترجمة، وقد دخلت إليها عبر وسائط متعددة، فكانت في كل مرة تتشكل بصورة جديدة» (ص150).
وأولى بكّار هذا الجانب عناية خاصة، فتتبّع أخبار الخيّام في بطون الكتب، ودرس ما وصل من آثاره بالعربية وشعره العربي، وراجع آراء كبار الخيّاميين الفرس وما كتبوه عن شخصه ورباعياته. ومن خلال هذا الجهد الدقيق، استطاع أن يميّز بين ما هو أصيل وما هو دخيل، مسهمًا في تصحيح صورة الخيّام الأدبية، وتحديد مكانته الحقيقية بعيدًا عن الالتباس والتأويل. وعلى ضوء هذه المقاربة في تتبع أخبار الخيّام وتمحيص آثاره ومراجعة ما كُتب حوله، ينبّه بكّار إلى «أن من واجب الباحث المقارن أن يتأكد من صحة النصوص المنسوبة إلى مؤلفيها قبل أن يشرع في دراسة أثرها، وإلا كان بناؤه كله على غير أساس» (ص135). ويجسّد هذا المنهج صرامته العلمية، وسعيه إلى ترسيخ الأدب المقارن بوصفه علمًا دقيقًا يرتكز على التوثيق والتحقيق، لا على الانطباعات والظنون.
ويرى بكّار أن الترجمة ليست مجرد أداة ناقلة، بل هي عملية إبداعية تخلق نصًا جديدًا. فالمترجم يختار ويعيد الصياغة وفق ثقافته وخلفيته الفكرية، فينتج نصًا مختلفًا في ملامحه عن الأصل. ومن هنا يدعو الباحثين إلى أن يدرسوا الترجمات نفسها بوصفها نصوصًا قائمة بذاتها، وأن يقارنوا بينها لرصد صورة النص المتحوّلة في كل ترجمة. وأورد مثالًا على ما أثبته في دراساته المقارِنة، بأن جماعة الديوان تأثرت بصورة الخيّام المترجمة لا بصورته الأصلية.
لقد كشفت جهود بكّار عن ريادة واضحة، إذ لم يقتصر عطاؤه على التنظير ووضع الأسس النظرية للأدب المقارن، بل مضى أبعد من ذلك لترسيخ تقاليد تطبيقية راسخة جعلت من إسهاماته علامة فارقة في هذا الحقل. ومن أبرز جهوده التطبيقية دراسته الموسّعة لرباعيات الخيّام، حيث جمع ما يزيد على مئة ترجمة عربية، وقارنها بالنصوص الأصلية التي نُقلت عنها، مقدّمًا قراءة نقدية معمّقة كشفت عن تباين مناهج المترجمين واختلاف رؤاهم، وعلى امتداد هذه الجهود الفردية، انتقل بكّار إلى المستوى المؤسسي حين أسّس جائزة الأدب المقارن للغات الشرقية-الشرقية، الأولى من نوعها في العالم العربي، بالتعاون مع رابطة الكتاب الأردنيين، لتكون امتدادًا عمليًا لمشروعه العلمي. وقد هدفت هذه الجائزة إلى إبراز أهمية المقارنة حصريًا بين العربية والفارسية والتركية، نظرًا لما بينها من صلات تاريخية وثقافية وأدبية متشابكة، ولما لهذه العلاقات من أثر عميق في تشكيل الهوية الحضارية المشتركة، فغدت شاهدًا على فكره ودليلًا على رؤيته المنفتحة. ومن خلال هذا الجمع بين التنظير والممارسة، وبين الجهد الفردي والعمل المؤسسي، أسهم بكّار في تعزيز حضور الأدب المقارن العربي وإعطائه بعدًا تطبيقيًا ومؤسسيًا.