يعدّ الشاعر محمد خضير أنموذجًا لاجتماع الكلّ في شخصية واحدة، فهو شاعر، وكاتب، وروائيّ، وناثر فنيّ، وفنّان تشكيليّ.. مزيجٌ يحمل في صورته ازدحامًا فكريًّا ووجدانيًا، لكنه في حقيقة الأمر يمثّل عوامل الحتّ والتعرية للتجربة الإنسانية العميقة، فهو يحمل همًّا إنسانيًا يتفرّع منه إلى كون اللّغة، يقاوم بحسّ فلسفي وبلغة تخييلية معالمَ البؤس وشقاءَ الحياة.
ويجد القارئ لدواوين خضير وأعماله الأدبية أنّ تجربته الكاشفة الشفيفة تعكس مرآوية الواقع وتأملات الحياة، وربما تجيب عن بعض أسئلة الوجود وكينونة الإنسان. وأصبح البوح لدى خضير نموذجًا للفضفضة الكتابية والمشاكسات اللّغوية الفلسفية، وفيه كشَفَ عن سرّ الشعر والتلاعب بآلياته ليضيء فضاء الأدب والوعي الحقيقي بكينونة الإبداع.
محمد خضير شاعر وروائيّ وفنّان أردنيّ فلسطيني، حصل على جوائز محليّة وعربيّة، لكنني سأنظر إليه من خلال عناوين إصداراته، وسأحاوره وفقًا لاختياراته السيميائية، لأرى كيف استطاع أن يجيب عن أسئلة الوجود والأنا؟ وكيف تصوّف مثل (ناسك) في محراب اللّغة، وكيف أثّرت (حالتان من العشق) عليه، وهل استطاع تأطير مفهوم المنفى بإصداراته: (فراغ مليء، وجه الغياب، أنا كما أراني، قلب قزح، غِيض الكلام)؟ وهل ارتحل باغتراباته وصراعاته مع إعادة نشر (أغاني الحياة) لشاعر تونس الخضراء بخط يدّ الشابي؟ وهل حاول أن يخاطب الضمير الجَمعي في ديوانه الفائز (ما تبقى منا)؟ وكيف تبلورت الأنثى في عين الفنّان، وهل أعاد تشكيلها في روايته الإشكالية (ماتت رجلًا)؟ وهل أعاد فهم الأنثى بفنّيات الأدب واللّغة، أو أنّه استعمل لغة مختلفة لتشكيلها؟
تشي سيرتك المنتشرة في الموسوعات الأدبية والصحف والمواقع المحلية والعربية بأنك شاعر وروائيّ وكاتب وفنّان تشكيلي ومصمّم جرافيكي، فهل يعدّ الأدب والفنّ وجهان لعملة واحدة؟ وكيف استطاع خضير التحكم بآلياتها جميعها والسيطرة عليها، وأين رأى نفسه بشكل أوضح؟
أنظرُ إلى هذه الموارد على أنها وسيلتي الناضجة لبلوغ الشعر، فأوضحُ ما أراني وأنا أعيشُ على مهلٍ داخل القصيدة التي أصبتُ بها مبكرًا. واجتماعُ هذه الجماليات الثقافيّة يأخذ بيدي نحو معاصرة القصيدة وحداثتها التي يعوّلُ عليها الشعرُ في رحلة بقائه عقالًا على رأس الأجناس الأدبية التي تتوالد في كل يوم!
وإذا نظرنا إلى وجهيّ العملة الثقافية فهما الأدب والفن بالضرورة وإن لم يجتمعا على وجه واحد! وربما أكون قادرًا على بلوغ الذروة حين تحضر جنّية الشعر وهي تحملُ في يدها لوحةً ملونة مشدودة إلى إطار الرواية، في خليط من الهَسيس الفنّي القادر على إخراج القصيدة من عتمة المصباح السحري إلى ضياء العقل. والسيطرة عليها تأتي بالانقياد لها دون مواربة أو رفض، فالفكرة حين تلتهب؛ تخبر صاحبها عن الشكل الذي ستخرج فيه على الناس، فإما تطل عليهم من خلال قصيدة، أو لوحة، أو مقالة! إنها تختار ثوبها بإرادتها، وأي تدخل في أناقتها؛ سيفسد شيئًا من حضورها.
هل اعتمدت من خلال أعمالك على إثبات الفعل الوجودي الحقيقي أم على إشعال الدهشة الشعورية لدى المتلقي؟
لا أظنني أتقصّد افتعال الدهشة الشعورية، إلا أنّ هذه الارتعاشة حاضرة في جسد قصيدتي، وهي (أقصد الارتعاشة) وليدة التأنيّ ومغادرة المباشَرة التي تذهب بكثير من الأعمال إلى العادية والوقوع في التكرار والاجترار والنّظم، وإذا أردنا النظر إلى القصيدة بكونها فعلًا جماليًّا مسكونًا بالأخيلة والمجازات (غير الضارة)، فعلينا النظر إلى ما تقدمه هذه القصيدة من ثقافة وموسيقا تكفيان الإنسان شرّ القبح الذي يحيط بإنسانيته ولغته.
لكلّ منا منفاه وغربته الذاتيّة، فما دور المنفى في تشكيل الرؤية الشعرية لدى خضير؟ وكيف استطاع بناء دلالات الحنين (نوستالجيا) في دواوينه الشعرية؟
ربما هي فرصة مزاحمة الفراغ للحصول على خلوة يهرب من خلالها الشاعر إلى فضاءات الارتباك القادرة على صناعة المزاج المكوِّن للقصيدة، وقديما لجأ الشعراء إلى وادي «عبقر» الذي شكّل فكرة المنفى القريب، ومهبط جنّية الشِّعر التي تمنح الشاعر فرصة الجنون للخروج بقصيدة تُحرج العُقلاء، ولم أخلُ كشاعر من فكرة السفر إلى الوحدة، والعودة إلى الوراء؛ وأنا الذي فقَدَ بِلادهُ غداة النكسة الفلسطينية. لذا نشأتْ دلالات الحنين جميعها عبر وسيطِ الوالدين بعد أن حمَلا ذكريات البلاد في صدريهما، ووزّعاها عليّ يومًا بيوم، فبدأتُ أعيد رسم الحكاية من منظور الخيال؛ أسعفني في ذلك الرسّام الذي يسكنني. وربما يكون الحنين إلى شيء لم نعشه هو أصعب أشكال الحنين، لكنه يبقى رافدًا للشاعر المسكون بالوطن.
يقال: «أعذب الشعر أكذبه»، وما بين الحقيقة والتخييل خط رفيع جدًّا، فما حدود التخييل الشعري لدى خضير؟ وكيف يستخدم الرمز بصورة إبداعية؟ وهل يعدّ التخييل مخرجًا من مأساوية الواقع، أم للشاعر رأي آخر؟
من أجل تكوين صورة شعرية مغايرة وقادرة على إثارة القارئ، يحتاج الشاعر إلى شيء من التخييل والانزياحات والرمزية التي تعمل على حكّ جدران عقل القارئ وإعانته على تفعيل خياله والخروج من النمطية التقليدية التي اعتاد عليها في حياته بين البيت والشارع، ولست من الذين يفرِطون في استجلاب الخيال، لأن القصيدة تحتاج إلى الحقيقة الكاذبة! والحديث عن مأساوية الواقع يحتاج إلى واقعية شجاعة، وقد عمدتُ إلى إدراج الرمز بعفوية تحفظ للكلمة معناها، وللفكرة شكلها، من غير التورط بالرمزية البحتة التي تفقد النص معناه، وتأخذ القارئ إلى الوقوع في فتنة اللغة التي تمنح العقل قليلًا من الأدرنالين المؤقت، ثم تعود به إلى الضياع والتشظي غير المجدي، فالقصيدة عبر تاريخها العربي الطويل؛ تحمل القصدية في إيصال فكرة ما، تحفظ للشعر هيبته، وللغة مكانتها.
حاز ديوانك «ما تبقّى منّا» على جائزة عاطف الفرّاية للشعر الصادرة عن رابطة الكتّاب الأردنيين كأفضل ديوان شعري مخطوط للعام 2024، من وجهة نظرك، ماذا تبقّى لنا ومعنا؟ وهل اختيار عنوانك كان صورة لرثائنا أم لرثاء الواقع؟ وهل يستطيع الشعر والفن إعادة ما لم نستطع استعادته أو أن يحافظا على ما تبقى منا؟
أخشى بأننا أضعنا بوصلتنا، وبأننا فقدنا أقدامنا عند مفترقات الطرق المغلقة التي ما عادت تُوصل إلّا إلى المجهول والخراب! أما العنوان «ما تبقى منا» فهو جامع للتشظّي والفَقد، وهو نتاج سياسات هزيلة، وعاطفة مخذولة، وهما ما شكّلا هوية الديوان الذي حصد الجائزة الأولى كأفضل مخطوط شعري للعام 2024، وهو بفكرته رثاء لهذا الواقع المُنسحب من إنسانيته.. والشعر والفن ما زالا يمارسان العجز والخدَر الإنساني الذي يراوح مكانه، ولا أظنهما قادران على تجاوز محنتنا التي تحتاج إلى ما هو أكثر عمقا من الكلمة واللون كي ننجو من هذا الصمت المريب؛ فالشعر بمنزلة المقاومة الناعمة؛ على الرغم من دوره الشجاع في تعبئة النفوس، ودوره في توثيق التاريخ الذي اعتادت القوى المنتصرة على كتابته.
نعلم بأنّ الشعر موهبة تولد من الشعور الحقيقي، وتتنامى بالممارسة والتدريب. من خلال تجاربك الشعرية، ماذا تقول لمن يرغب في قول الشعر ونظمه؟ وبمَ تنصح شعراء المنصات المجانية؟
لا يقف الشعر عند شكله الأول القادم من سياقات الفراهيدي وتسمياته، وأحسبه انقلابًا على العادية المألوفة، وسفرًا طويلًا نحو الفرادة وتشكيل الشخصية، كما أنه يحتاج إلى موهبة فطرية، ولغة خاصة تعتمد على المبنى والمعنى في آن، ولا يمكن للشاعر أن يكون عروضيًا ناظمًا على حساب الشعرية التي هي من أخلاق الشعر. وعلى من يريدون ركوب بحور الشعر؛ أن يتقنوا السباحة، وأن يبتعدوا عن المنافسة لأنها مفسدة للجودة، وأن لا يكثروا وإن استطاعوا، وأن يقرأوا شعراء العربيّة جيدًا، وأن يحتجبوا عن المنصات صاحبة الألقاب المجانيّة، فإنما الشعر ابن القلّة، ولا رادّ له إن حضر.
مشاركاتك في المهرجانات والأمسيات الشعرية المحلية لها أثرها الواضح وأنت عضو فاعل في مؤسسات ثقافية أردنية كبرى، منها: «رابطة الكتّاب الأردنيين» و"دارة الشعراء». فكيف ترى المشهدية الشعرية الأردنية؟
الانتماء لأيّ مؤسسة ثقافية هو انفتاح على العمل الثقافي المؤسّسي لأنه رافد معرفيّ مهم. والمشاركة في نشاطات هذه المؤسّسات يشكل مرجعًا توثيقيًا مهما لمسيرة المبدع الأدبية، كما أنها تقرّبه من زملائه الشعراء والنقاد الذين يديرون النشاطات من خلال حضورهم ومشاركاتهم. وأنا جزء من هذا الحراك؛ وعليه أرى بأن المشهد الثقافي فاعل يومي وإن اختلفت جودة ما يقدمه المشاركون والرواد، وهو مشهد مطمئن على الرغم من دخول بعض الإدارات التنفيعية غير المثقفة عليه، ويحتاج كغيره من القطاعات إلى مراقبة وتهذيب لضبط إيقاعه والعمل على تجويده لأنه يصدّر صورة المثقف الأردني إلى خارج إطار الوطن.
«ماتت رجلًا» عنوان روايتك الصادرة عن دار دجلة في العام 2022، وما بين التأنيث والتذكير في عنوانها اللافت، كيف طوّع خضير جندرية اللّغة لاكتشاف الأنثى؟ وما دور الأنثى في هذا العمل وغيره من أعمال خضير؟
رواية "ماتت رجلا" في صيغتها الأدبية والنفسبيولوجية، تحاول كسر تابو العيب الذي تستتر خلفه قصص كثيرة لأناس فقدوا هويتهم الجندرية حتى تاهت بين الذكورة والأنوثة، وعنوانها الفاضح لمضمونها يحمل شيئًا من سمات بطلة الرواية "أسماء" التي استطعتُ من خلالها أن أكتشف الأنثى؛ وأن أنزل ضيفًا على عقلها للكتابة عنها في عمل نفسيّ أخذني إلى مجاهلها العميقة، كما استطعت الكشف من خلالها عن الروائي الذي في داخلي؛ بعد أن عجزتُ عن كتابة موضوعة الرواية شعرًا.
والأنثى حاضرة كما اللغة في كل كتاباتي، وهي شريكة ناضجة وقادرة على ضبط أهاسيس الكتابة عندي، فهي من يرفع درجة الغليان إلى أقصاها، وهي من يكسر الجليد الذي يصيب ماء الشعر بالانجماد.. الأنثى، كينونة الكتابة، وخلاص الكاتب من عقدة الفراغ.