رأيتُ أيّامًا صعبة، غابتْ عن المساء الأنوار
وحظّي انقضّ علَيّ كسحابة.. كأنه إعصار
كلّما أغمضتُ عيني لمحْتُ وجوها مألوفة،
تبرق المنامات في ذهني كالنار،
يأسٌ، وحدة، طوّقتني من كلّ غرفة،
يضحك وجهي، وقلبي دمعه مدرار..
كلّ إشراقة صباح تقتلع عيني،
والجدران تصحو على صوت أنيني
***
رأيتُ أيّامًا صعبة، نطقتْ فيها الجدران
واستيقظت قصص اللصوص من جديد،
أيادي العدو خفيّة
مثل الدخان لا أراها تمتد من أين،
مع أن الأفكار ثقيلة كالحديد
لذا لا بد للقلب من حالات ضعف
كم مرةً أنقذت نفسي من يدي،
ورأيتُ قلبي في الطين يتنفس الصعداء
***
كانت أيّامًا صعبة خذلني فيها الأصدقاء
عندما قصدْتُهم أداروا ظهرهم
كأننا غرباء
من كانوا بالأمس لا ينبسون بكلمة
الآن يمسحون على ظهري، ويُسدون النصح
يحسبون أنفسهم أبطالا على شخص أعزل
طرحوني أرضًا وانهالوا علَيّ بأسوأ الركلات
تهشّمَت روحي كتمثال على الأرض،
ومن يسمع صوتي، ظنّني في فرحٍ وهناء
***
رأيتُ أيّامًا وضعتُ السلاح على رأسي،
وفكرتُ أن أترك العالم الشقي بلمسةٍ من يأسي،
رأيتُ النجوم تبكي،
والكون يبكي،
في لحظةٍ، أتى السبيل أمامي كنجمة منطفئة
وسخنَ الحديد على وجهي من فوهة السلاح
لكن إصبعي أبى أن يطلق الزناد..
بكاء داخلي كمطر خريفيٍّ طويل
لكن شيئًا ما... ربطني كي للحياة أميل
***
يا حبيبتي، لولاكِ ما بقيتُ في الحياة،
لا تظنّي أن الحياة حلوة أو أن الناس طيبون،
أنا كصخرةٍ على قمة الجبل
والفراغ حولي يزداد بلا سكون
مدينٌ لكِ وحدكِ أنني اليوم على قيد الحياة،
كلّما ذكرتكِ.. تسيل دمعتي في شجون
الدموع نهرٌ يجرف الهموم إلى البعيد،
ومعها تمضي الأعوام في صمتٍ شديد.
حين خفق قلبي بالرغبة في الفناء،
كان وجهكِ المبتسم يقول: "عشْ، لا تنحنِ للبلاء"،
وحين غاصت ركبتاي في مستنقع العناء،
كنتِ أنتِ القوة لتعطي ساقي المتعبة الشفاء،
وحين غربت الشمس أمام عيني وزاد البكاء،
كان دفء ركبتكِ لي مشكاةً ومسكنًا وضّاء
كلّ شيءٍ كان يبتسم حين تخطرين في بالي،
الأشجار تغنّي والنسيم يتنهد مثل فكر خالي
يا حبيبتي، تعلمين ما مررتُ به من جراح،
قلبي يحوي من الهمّ ما لا يُباح،
أتدرين لماذا أنظر إلى البعيد
لأني أعيش في عالمٍ لا يطاق
لا تضحكي حين ترينني أركض كالمياه،
أنا فقط أسرح نحو بحرٍ دافئ، ربما أرتاح
أنتِ حبيبتي سواء أحببتني أو جحدتِ،
فيكِ رأيتُ الأماكن التي لطالما بحثتُ عنها في الأحلام
وكانت أياما صعبة
• صباح الدين علي (1907–1948): شاعر وأديب وروائي تركي بارز، وُلِد في بلغاريا عندما كانت تحت الحكم العثماني، تنقّل في طفولته بين عدة مدن بسبب مهنة والده العسكرية، ودرس في مدارس داخلية، ثم حصل على بعثة دراسية إلى ألمانيا، عمل لاحقًا في التدريس والصحافة والترجمة.
اشتهر بكتاباته التي تناولت هموم الإنسان الأناضولي والطبقات المسحوقة، وكان من أبرز أعماله رواية «مادونا ذات المعطف الفرو»، ورواية «يوسف القوجاقلي». كما كتب الشعر، ومن أشهر قصائده المغناة «ليليم لي»، التي تحولت إلى أغنية شهيرة غناها «زولفو ليفانلي» ولاحقا «إبراهيم تاتليس» إضافة إلى عدد من الأغاني التي غناها الفنان الكردي «أحمد كايا» والفنانة التركية «سيزان أكسو».
تعرض صباح الدين علي لملاحقات سياسية بسبب مواقفه وأعماله النقدية، وسُجن أكثر من مرة. وفي عام 1948، أثناء محاولته الهروب إلى بلغاريا بعد منعه من السفر، قُتل على يد دليل مأجور في ظروف غامضة، وهو اليوم من أبرز رموز الأدب التركي الواقعي والمقاوم.
** شاعر ومترجم سوري