لعل هذه القراءة الثانية تتحول إلى سلسلة من المقالات في الأدب الأردني تعيد تسليط الضوء على بعض الأعمال التي سبق لي قراءتها وشكّلت محطات في رحلتي القرائيّة والتّأمليّة الأولى، وكنت قد بدأتها بـ «الخماسين» لغالب هلسا.
"ماري روز تعبر مدينة الشمس» هي الرواية الأولى لقاسم توفيق، بعد ثلاث مجموعات قصصية: «آن لنا أن نفرح»، «مقدمات لزمن الحرب»، «سلاماً يا عمان أيتها النجمة». وقد صدرت الرواية عام 1985 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.
قاسم توفيق من مواليد عام 1954، درس الأدب في الجامعة الأردنية، وفاز بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2018 عن روايته «نزف الطائر الصغير» عن فئة الروايات المنشورة، ووصلت روايته «ليلة واحدة تكفي» للقائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية عام 2023.
• النوفيلا
"ماري روز» عمل قصير لا يتجاوز عدد كلماته عشرة آلاف كلمة، ويندرج من حيث الجنس الأدبي الدقيق تحت مسمّى «نوفيلا»، وقد يتبادر إلى الذهن أنّ قاسم توفيق بدأ بالقصة القصيرة ثم تجاوزها إلى النوفيلا حتى وصل إلى «حانة فوق التراب»، وهي رواية مركبة وفيها بعد فلسفي وجودي ويزيد عدد صفحاتها عن أربعمئة صفحة من القطع المتوسط؛ أي أن الملاحظة الواضحة من ظاهر تسلسل الإصدارات أنّ تعقيد العمل وتركيب حبكته وحمولته المعرفية والفكرية تتصاعد مع نمو التجربة. ليس بالضرورة أن يكون هذا الأمر صحيحاً، فالسلم الأدبي الذي يعتمد على حجم العمل لا يعبّر عن واقع الحال؛ فربّ قصة قصيرة فيها حمولة إنسانية كبيرة وشغل واضح على مستوى التشكيل وبناء اللغة أكثر من روايات طويلة مترهّلة وفاترة، ولكن يبقى السؤال قائماً: ما الذي يدفعنا لاختيار النوفيلا كشكل أدبي؟
هناك أسباب كثيرة منها طبيعة العمل وما نريد قوله من خلاله، فالرواية المتشعبة التي تشتمل على حبكات متوازية أو متقابلة وشخصيات كثيرة ومركبة ومنعطفات سردية ونقاط تحول متعددة على الأغلب لن تكون النوفيلا الشكل المناسب لها، لأن السرد بحاجة لمساحة كافية للتمدد في الاتجاهات المرسومة، وربما السبب هو رغبتنا في التجريب لأن اكتشاف الذات برأيي يستمر حتى مرحلة متقدمة من التجربة الإبداعيّة.
لا شك أن النوفيلا فيها شيء من التكثيف مع أن هذه السمة مرتبطة أكثر بالشعر وقصيدة النثر أو القصة القصيرة جداً، لكن تكثيف النوفيلا يعتمد على الصور والمشاهد السريعة المكتنزة بالدلالات والفراغات. والنوفيلا من السهل الممتنع التي يضخ فيها الروائي شحنة إنسانية عالية على غرار ما قرأنا لروائيين كثر منهم غسان كنفاني والكاتب القرغيزي جنكيز إيتماتوف في روايته الشهيرة (جميلة) التي ترجمت إلى لغات كثيرة.
• العنوان وحضور المكان
تحتفي الرواية بالمكان الأردني وتشير إلى مكوناته البدوية والفلاحية كما تشير إلى ملامح اجتماعية واقتصادية مهمة طرأت على المجتمع مثل هجرة الناس من قراهم نحو المدن الكبرى مثل عمان والزرقاء سعياً وراء الوظائف الحكومية في الجيش ومؤسسات الدولة، لكن هذه الصلة مع المكان الأول ظلت حاضرة في نفوس أهل الجنوب الذين قطنوا منطقة الوحدات كما ورد في الرواية. هناك تفاصيل لأحياء وشوارع ومقاهٍ مثل مقهى النيروز وغيره من ملامح المكان والهدف منها هو تحريك مخيلة القارئ ودفعها لتعبئة الفراغات بما يلائم السياق العام للمكان وخصوصيته الثقافية وبعده النوستالجي، ففي حادثة المكيدة والغداء الذي غاب عنه الملح إشارة واضحة من ثقافة البدوي وبديهته الحاضرة عندما أدرك كليب نية الغدر عند مضيفه.
أما العنوان (ماري روز تعبر مدينة الشمس)، فالعبور هو المرور بالمكان دون الإقامة فيه، و"ماري روز» ترمز إلى الجمال والنقاء والصفاء والطهارة، ومدينة «الشمس» هي عمان التي انتصرت للحب والأمل والمستقبل. وإذا أغمضنا عيوننا وتأملنا كلمة «العبور» من زاوية أخرى فإننا قد نلمح قوس قزح وهو يعبر أفق عمان من أقصاه إلى أقصاه، هذه هي ماري روز، وهذه هي بصمتها في عمان التي تصحو على الشمس وتغفو وهي تحلم بالشمس. وعن تماهي المرأة والمدينة نقرأ في الصفحة 83: «هيام هي المدينة التي نعرفها أكثر من آبائنا، هي عمان الحزن والبرد وطين الشتاء الذي لا يمكن أن يغطي كل شوارعها الشرقية. هيام الحزن العميق في العينين اللتين تحملان عالماً كبيراً من الهم والتعب. فيهما يرقد فزع عظيم، يبحث مخرج يقود إلى الفرح أو الخلاص».
• الخلفيّة التاريخيّة
إنّ حكاية «ماري روز» كما روتها الأم الحكّاءة في الرواية هي واقعة حقيقية حدثت في شرق الأردن في العقد الأخير من القرن السابع عشر. وهنا أؤكد على العنصر الحكائي في هذه الحادثة التي مضى عليها أكثر من ثلاثمئة وخمسين عاماً وبالتالي فإن بعض التفاصيل قد اعتورها الزمن بعوار المشافهة والمناقلة وحب الناس لتجميل الحكايات لتصبح مناسبة لليالي الشتاء شديدة البرودة، ومن جهة أخرى، لعل الروائي أضاف عليها حساً درامياً مختلفاً ليتناسب مع رؤيته الخاصة للحكاية ودورها في الرواية، ففي القصة الحقيقية لم تمت ابنة الخوري ولم يصب أمير المهداويّة بحالة موجعة من تأنيب الضمير جعلته يهمل مكانته وهيبته بين الناس.
يقول الباحث الدكتور محمد المناصير: «إنّ المهداوية قبيلة بدوية يمانية تنتمي الى قبيلة جذام، حكمت البلقاء قرابة أربعمئة عام؛ من القرن الرابع عشر إلى القرن الثامن عشر كمشيخة عشائرية ممتدة من البلقاء حتى باير جنوباً، وكان السلطان الظاهر بيبرس قد عيّن ابن مهدي الجذامي أميراً للبلقاء، وكان آخر أمرائهم الأمير جودة الذي أصبح أمير البلقاء بلا منازع، وكانت له مخازن الغلال (القمح) في عمان وعراق الأمير ووادي الشتاء وماحص وناعور وحسبان وصياغة والمخيط وماعين وذيبان، وكانوا أيام العثمانيين يحمون طريق الحج ولكن في الفترة الواقعة بين 1600 و 1710 م أصبحوا في حالة عصيان على الدولة العثمانية».
ويضيف المناصير: «كانت قبيلة المهداوية تأخذ من كل قافلة عثمانية تمر ديرتها خاوة تسمّى (ربع البعير) أي تأخذ ربع ما في القافلة. وبدأت نهاية هذه القبيلة عندما تسلّم جودة بن محمد بن طالب بن درباس المهداوي الإمارة التي ورثها عن أبيه عام 1630، حيث كان ظالماً ومتسلطاً ويستعبد الفلاحين والنصارى وأهل القرى، ولا يدفع الضريبة للحكومة التركية بل كان يغير على حامياتهم وقوافلهم، وقد قُتل الأمير جودة المهداوي في حادثة الفحيص المشهورة عن طريق الغدر، أما قبيلة المهداوية فدامت الحروب بينها وبين الدولة العثمانية وقبائل البلقاء قرابة خمس وعشرين سنة مما أدّى لشتات هذه القبيلة وزوال إمارتها».
تقول الحكاية إن الأمير المهداوي جودة (كليب الغزوان في الرواية) أحب ابنة خوري قرية الفحيص (دير شمس في الرواية) واسمها مريم أو ماريا (ماري روز في الرواية)، وصمّم أن يتزوجها بالإكراه، ثم كانت المكيدة يوم العرس بمساعدة قبيلة منافسة على حكم البلقاء لقتل المهداوي ومن معه.
• هيكلة الرواية وضمير السرد
تكونت الرواية من أربعة فصول متفاوتة الطول كان الأول أقصرها (صفحة واحدة)، وهو الوحيد الذي حمل عنواناً (الميلاد)، كما قُسّم الفصلان الثالث والرابع إلى جزئين. اعتمدت الرواية على إيقاع سريع ولم يكن هناك ملل أو تململ في السرد الذي جاء اقتصاديّاً إلى الحد الذي يشير إلى أنّ الروائي كان وزيراً للمالية فيما سبق أو أنّه عمل في القطاع المصرفي على الأقل.
ومقابل حكاية كليب وماري روز التي سردت أحداثها الأم كراوٍ عليم، هناك حكاية أحمد وهيام؛ حيث لجأ الروائي إلى ضمير المتكلم في السرد فيما يسمّى الراوي المشارك حيث تقوم إحدى شخصيات الرواية (أحمد عبدالله) برواية الأحداث وتتولى زمام السرد وإدارة دفّته، أي أننا أمام حكايتين يفصل بينهما أكثر من ثلاثة قرون لكنهما تتقاطعان في المكان والبيئة وثيمة الحب المستحيل.
• تقنية القطع السينمائي
اعتمدت الرواية على المقاطع القصيرة نسبياً كأننا أمام فيلم سينمائيّ ينتقل بنا من مشهد إلى آخر في حركة سريعة ورشيقة ودالّة، لكن المقطع لا يقول كل شيء دفعة واحدة، بل يظهر علينا منه ما نحتاجه في تلك اللحظة فقط خدمة للعبة التشويق، وقد فصل الكاتب بين الفصول بثلاثة نجوم حتى يتهيأ القارئ للانتقال إلى مقطع لاحق. الرواية تستعير أدواتها الحداثيّة من الفنون الأخرى من موسيقى وفن تشكيلي ودراما وتستوعبها في إطار سردي يقدم المتعة والمعرفة ويعمّق فهمنا لذاتنا وذوات الآخرين.
• لغة الرواية
طغت على الرواية لغة مسطّحة بعيدة عن الانزياح إلا في الحدود الدنيا، لغة واضحة، اقتصادية وصحيحة رسماً ونحواً، ولكن هذا لم يمنع وجود بعض الفقرات التي ارتفعت أكثر من غيرها كما في الصفحة 99: «دخلوا إلى بيت الخوري يستقصون المسألة لربما استطاعوا فهمها. فكليب هذا لم تفزعه كل قوة العربان، ولم يغلبه في يوم لا فارس ولا رجال، فكيف يصير ويهرب كالطفل المذعور، وسيفه نائم في غمده بجانبه لا يقطر منه الدم، وبندقيته مبطوحة لا تعرف دفء النار».
• مسارات السرد
نمى السرد في ثلاثة مسارات متوازية أحياناً ومتقاطعة في أحيان أخرى في توليفة تسعى لكشف نبض المجتمع ورصد اللحظة التاريخية:
1. مسار الأصدقاء الثلاثة: راسم وأحمد ومحمد الذين تجمعهم الدراسة الجامعية ويجمعهم أيضاً المشاركة في المظاهرات والمسيرات والملاحقات التي كانت تتبع هذه النشاطات، وهي أجواء سادت جنبات الجامعة الأردنية بعد نكسة حزيران. راسم يشارك في عملية فاشلة في مستوطنة في فلسطين ويبقى مصيره مجهولاً حتى تظهر معلومات جديدة.
2. مسار أحمد وهيام: علاقة حب تجمع أحمد المسلم وهيام المسيحية، وتتعقّد هذه العلاقة بعد أن حملت هيام، وتقف الرواية طويلاً عند هذا الموقف الصعب والدقيق والبحث عن حل لهذه المعضلة. هل الإجهاض هو الحل؟ أم البحث عن فرصة ضئيلة للحياة؟
3. مسار كليب وماري روز: وهو المسار التاريخي الذي بُنيت عليه المقاربة بين الأمس واليوم، بين الأمس المتجبّر واليوم المفتوح على الأمل وتعدد الخيارات. وقد أسقط الروائي على الحدث بعداً مختلفاً عندما اجتاحت كليب شيخ العشيرة موجة من الندم والانكسار نتيجة لموت ماري روز وهذا ليشير إلى أنّ البدوي الأول على الرغم من قسوة حياة البادية كان عاشقاً وشاعراً.
• النهايات والمآلات
ومع نهاية الرواية تظهر علينا مصائر الشخصيات التي ظلت تعاند أقدارها حتى اللحظة الأخيرة: راسم في سجن الرملة، محمد يجمع ثروة في الخليج، أحمد وهيام تخلّيا عن فكرة الإجهاض وانحازا للحياة والأمل والشمس، ماري روز تنتحر ويُقتل كليب الغزوان. وهنا قد نشير إلى أنّ الرواية تخلّت عن المصير التقليدي لمن هن في ظرف هيام وهو القتل تحت مسمى "جرائم الشرف"، وكأن هذا التّخلّي جاء مرتبطاً بعمان التي شهدت حالات من هذا القبيل لتقول بأنّ التعميم طريق الكسالى الذين لا يبذلون جهداً كافياً في البحث والتنقيب عن نماذج مشرقة. جاءت النهاية مفتوحة على احتمالات كثيرة أهمها أنّ الحياة لا بد أن تنتصر في نهاية المطاف: «كانت طائراً من الفرح ونحن ننطلق ثلاثتنا معاً إلى عمان».