في روايته «يلتهم نفسه بادئاً بقدمية»، ينقلب عبدالله الزيود على كل شيء في الفن الروائي، ويكتب بشكل مختلف تماماً، ويعتمد كلياً على تقنية الميتا سرد، بل هي رواية ميتا سرد نموذجية، حيث يكون الكاتب نفسه جزءاً من النص، وإحدى شخصياته، ويلجأ إلى خدع إبداعية ليدخل القارئ في عوالم كتابة الرواية وأسرارها وطقوسها وجنونها. ومع أنّها رواية قصيرة «نوفيلا» (59 صفحة)، إلا أنّها جاءت ناضجة، مميزة، محيّرة، تثير كثيراً من التساؤلات والأفكار.
واللافت في هذه النوفيلا، وعلى الرغم من أنّها فانتازية غرائبية، أنّها اتكأت على حادثة حقيقية جرت في الزرقاء عام 1990، حينما لم يستطع سائق السيطرة على شاحنته الصغيرة، في أثناء صعودها الحاد في حي النزهة، فانحدرت إلى الخلف، واقتحمت بيتاً وقتلت امرأة، وتركت طفلها الذي رأى المنظر البشع لأمه بين أنياب الشاحنة وجدار المستودع الذي تعيش فيه. ويعلّق القاص الفلسطيني زياد خداش على فانتازية الرواية بقوله: «الفانتازيا ليست فقط حُلية جمالية أو ضرورة فنية في هذه الرواية البديعة. إنّها طريقة الروائي الشاب في إنقاذ عقله من مخالب عالم متوحش».
• الحكاية
كان حي الغويرية (الأمير عبدالله) الشعبي، هو المسرح الرئيسي للرواية، بالإضافة إلى شارع الكرامة الأحدث في الزرقاء الجديدة، والأكثر جذباً وتطوراً، وانتهت عند كشك حسن أبو علي للكتب وسط البلد في عمان، حيث ظهر أبو علي (رحمه الله)، والبنك العربي. ولم تفصح الرواية عن زمنها، لكن يمكن استنتاجه أنّه في بداية العقد الحالي.
في هذه الرواية شخصيتان رئيسيتان صديقتان؛ عبدالله وعامر، حيث يقدم عامر لعبدالله فكرة رواية، ويطلب منه أن يكتبها هو ويغادره، وسط دهشة عبدالله واستغرابه، ثم يلتقي عبدالله بعد ذلك بالروائي الأزرق، الذي نال عدداً من الجوائز المحلية والعربية، لكنه غير معروف، ويعيش في أحد أزقة حي الغويرية في الزرقاء، ولم يستطع عبدالله أن يتبين ملامح الأزرق بسبب الإضاءة الخافتة المتعمدة، ومواربة وجهه بشكل دائم. ويستمع من الأزرق ذي التصرفات الغريبة، لفن الكتابة الروائية، وكيفية اختيار الشخصيات وأعمارها، وضرورة مراقبتها وتتبعها، واستحضارها كأنّه يراها، بل ويقوم بتقليدها صوتاً وسلوكاً، وغير ذلك من التقنيات والأدوات حتى تكتمل الرواية إبداعياً، وتحظى بالمقروئية والتقبل. وفي الزيارة الأخيرة، يكتشف عبدالله أنَّ الأزرق هو صديقه عامر، ويصاب بالصدمة أكثر عندما يرى شخصيات الرواية محبوسة في أقفاص في غرفة داخلية، وهم الأشخاص الذين لهم علاقة بحادث الشاحنة الصغيرة البيضاء التي تسببت بالحادث سنة 1990، بالإضافة إلى «كنترول» الباص الذي كان يركب فيه عبدالله، وشخص آخر استغل براءة وطفولة عبدالله وهو لم يزل طفلاً في دار الأيتام، واعتدى عليه جنسياً، وتفاقمت الصدمة عندما يعترف عامر أنّه طفل المرأة التي قُتلت في حادث الشاحنة وأنه رأى أمه القتيلة ومنظرها المخيف، ثم أطلق على نفسه النار، وترك لعبدالله تكملة الرواية.
ويحق لنا كقراء التساؤل: أيهما السادي هنا؛ عامر أم عبدالله؟ إن كان عامر هو الذي سجن شخصيات الرواية ليراقبها عن كثب في كل حالاتها، فإنَّ عبدالله هو الذي خلق هذه الشخصية السادية، وبالتالي هو الذي يتحمل وزرها الإبداعي، وابتكارها الفريد، وأداءها المبهر المدهش، بل إنَّ عامر هو عبدالله ذاته، وإنّما تخفّى خلفه لمزيد من الإثارة والمتعة، والاندماج في اللعبة السردية الإبداعية، وفي ذلك يقول الروائي هاشم غرايبة عن الكاتب: «هنا راوٍ ومستمع، مبدع وناقد، مجتهد وناقل، ممثل ومتفرج.. ويحدث أن تختلط الأدوار».
• تقاطع وتناص
تتقاطع رواية الزيود مع رواية «بؤس» لستيفن كينج، في أنّ إحدى المعجبات بالكاتب بول وتدعى آني ويلكس، والتي قرأت كل أعماله، لم يعجبها مقتل «ميزري تشاستين» في إحدى سلاسله الروائية، فقامت بخطف الكاتب بعد تعرضه لحادث سير بسبب الثلوج، ليكتب جزءاً جديداً من السلسلة، ويعيد «ميزري تشاستين» إلى الحياة، على اعتبار أنَّ موتها السابق كان خدعة وليس حقيقة، أو لم يكن موتاً مؤكداً، وكانت تمارس على الكاتب قسوتها وهو مقيد إلى مقعد، ويعاني من كسر في ساقه، وأحرقت مخطوطه الجديد، وجلبت له آلة كاتبة مستعملة ليكتب عليها ما تريده. ولما استطاع الكاتب التجوّل في البيت، اكتشف من دفتر مليء بقصاصات الصحف، أنَّ خاطفته قاتلة متسلسلة، ولما عادت علمت أنّه تجول في البيت، فقطعت قدمه بفأس، وقامت بكيّ كاحله بموقد اللحام. وعندما اشتكى بول من أنّ مفتاح الآلة الكاتبة قد توقف عن العمل، قطعت إبهامه بسكين كهربائي. كما أنّ رواية الزيود تتناص مع رواية «حياة الكاتب السرية» للروائي الفرنسي الأكثر شهرة ومبيعاً غيوم ميسو، من حيث الحديث عن الكتابة وعوالمها.
وحول فكرة الرواية وعنوانها، أشار الزيود أنّه استلهمهما من كتاب «رسائل إلى روائي شاب» لماريو بارغاس يوسا، الذي تطرق إلى الكائن المستحيل، الذي يتغذى على حياته الخاصة ليكتب رواياته، وبالعودة إلى كتاب يوسا، وفي رسالته الثانية «الكاتوبليباس»، يقول: «أما فيما يتعلق بالموضوعات، فأعتقد بأنَّ الروائي يتغذى على نفسه، مثل الكاتوبليباس، ذلك الحيوان الخرافي الذي يظهر للقديس أنطوان في رواية فلوبير (إغواء القديس أنطوان)، والذي أعاد إبداعه بورخيس فيما بعد، في مؤلفه (المرجع في مملكة الحيوان المتخيلة)».
والكاتوبليباس مخلوق مستحيل، يلتهم نفسه بنفسه، بادئاً بقدميه، وبمعنى أقل مادية بكل تأكيد، يقوم الروائي كذلك، بالنبش في تجربته الحياتية الخاصة؛ بحثاً عن دعائم ومرتكزات لكي يبتكر قصصاً، وليس فقط من أجل أن يعيد إبداع شخصيات، أو أحداث، أو مشاهد، انطلاقاً من المادة الأولية التي توفرها له بعض الذكريات، وإنّما لأنّه يجد أيضاً في قاطني ذاكرته أولئك، الوقود للإرادة التي يحتاجها، لكي يتوج بالنجاح تلك العملية الطويلة والشاقة: صياغة الرواية» (ص17-18)، ولا شك أنَّ رواية الزيود جاءت نموذجاً تطبيقياً احترافياً، لتمثل هذا الكائن الخرافي، وعنونت بجوهر حقيقته المتخيلة «يلتهم نفسه بادئاً بقدميه».
• أفكار ورؤى
تضمنت الرواية في ثناياها، أفكاراً ورؤى وآراء حول الحياة وفن الرواية، وتداخلت في نسيج الرواية بسلاسة وبراعة، تحسب للكاتب، ووجد فيها القارئ إضافة نوعية للرواية، مؤكدة أنّها ليست سطحية أو عبثية، بل رواية عميقة، رصينة، ويمكن أن نعدها مختبراً للرواية، أو لعبة روائية متقنة، تُقرأ بدلالات رمزية مختلفة حسب القارئ وثقافته وفكره، وتعدد القراءات يعني أنَّ الرواية ذات مستويات متباينة، وتتناول قضايا إشكالية، وتفتح الأفق واسعاً للتساؤل والتأويل، ومن هذه الأفكار المتعلقة بالكتابة:
1.يخاطب عامر عبدالله قائلاً: «كل يوم، نحن حبكة جانبية في قصة الكون؛ أنت بطل قصتك التي تصحو لتكمل كتابتها، وأنا شخصية ثانوية فيها. وأنا بطل قصتي وأنت شخصية ثانوية فيها. وكلانا شخصيتان عابرتان في قصة المقهى الذي نجلس فيه.. والمقهى مكان عابر في قصة المدينة.. وهكذا.. وهكذا..» (ص8).
2.حول لحظة الوعي أو التنوير أو الإلهام التي تأتي كومضة برق، فجأة دون مقدمات أو تخطيط، ينصح الزيود عندها، أن يترك الكاتب كل شيء، ولو كان على الطرق الخارجية منتصف الليل، أن يتوقف ويكتب فكرته المذهلة، ويقول عن هذه اللحظة: «إنّها اللحظة التي تتحول فيها من موقع التلقي إلى موقع الحدث... إنّها لحظة الوعي، اللحظة التي تتوسع فيها حدقة العين، كما لو أنّها تُدخل مزيداً من الضوء إلى النقطة العمياء جواك. لحظة تنضج فيها الشخصيات التي تذهب بسلاسة إلى قدرها الذي بدأت بكتابته» (ص11)، ويقول عن هذه اللحظة إنّها ستضطرك للهروب من المناسبات العائلية، وإلى الكذب على أقرب الناس إليك؛ لأنّك مسكون بالكتابة «هذه لحظة الحياة، لحظة النص الثمين، وما عداها فواصل ضرورية للحدث العظيم» (ص12).
3.يصف عبدالله حالته عندما يستغرق في الكتابة وينسى ما حوله، وكأنّه كان في عالم آخر منقطع عن واقعه وما حوله: «لا أتذكر شيئاً خلال عملية الكتابة. أغرق عن آخري في أثنائها، فلا أحس بشيء، وحين أرفع رأسي من شاشة اللابتوب، يبدو العالم بالنسبة إليَّ كما لو أنني استيقظت من نوم عميق، أو كما لو أنّ العالم استيقظ من سبات عميق. أحتاج إلى دقائق كي أتبين أين أنا.... ولكنني أشعر دائماً بالرضا عن نفسي بعد أن ينتهي كل شيء، ولا أراجع النص، أكتفي بالحالة التي جاءت به، وهي حالة أعظم من حالة الوعي التي سأحاكمه بها بعد أن أستعيد تركيزي. أقول لنفسي: هذا ما يجعل نصك مميزاً، فالتزم، وإلا ستصير كاتباً عادياً. النصوص المميزة ليست نصوصاً عادية، ولا تُكتب في ظروف عادية» (ص33).
4.وعلى لسان عامر يقول: «إنّ الكتابة مجرد نقل ما في عقلك إلى الورق، وهي على الرغم من بساطة وصفها، فإنّها من أصعب الأعمال في العالم» (ص55).
وبعد؛ إنّ «يلتهم نفسه بادئاً بقدمية» (دار عصير الكتب، القاهرة، 2021) رواية مختلفة، مدهشة، تمثل درساً إبداعياً تطبيقياً بارعاً، في فن كتابة الرواية، بالإضافة إلى الرؤى النقدية الجديرة بالاهتمام، وأعادت إلى الأذهان حادثة الزرقاء التي طواها النسيان، وقصت على القارئ سلوك «كونترولية» الباصات، وكيفية تحديد المواقع في الأحياء الشعبية «المربع الثاني»، «متجر مواد التنظيف»، وهو GPS المعتمد هناك، وهي رواية إشكالية، قد نتفق معها أو نختلف، لكن المؤكد أنّها ستجعل كل من قرأها بتمعن، وخاصة الشباب المبدعين، أن يعيد التفكير والتأمل في كثير من الأمور، وطريقته في الكتابة، وتناوله للأفكار، وتعامله من الشخصيات واصطيادها.