إعادة قراءة روايات صنع الله إبراهيم تفتح أفقا لقراءة مغايرة عن الرواية المصرية، وعن علاقتها بالتاريخ والأثر والسياق الذي علق برمزيات معروفة، وهذا ما يجعل الخرق السردي الذي أحدثه صنع الله أكثر إثارة، وأكثر تمثيلا لسردياته التسجيلية ولواقعيته النقدية، إذ بدت الرواية وكأنها الأقرب إلى الوثيقة، أو إلى التاريخ الذي يكتبه سينمائي يدرك أهمية علاقة الوثيقة بالتاريخ والأيديولوجيا، وهذا ما أعطى لأغلب رواياته بعدا يُقارب فيه الروائي القضايا العامة، ومنها السياسي والاجتماعي، فارق فيها كثيرا من مركزيات السردية المصرية، ورموزها (نجيب محفوظ، يوسف ادريس، يحيى حقي، محمد عبد الحليم عبد الله، إحسان عبد القدوس وغيرهم).
ما كتبه صنع الله إبراهيم في قصته الطويلة «تلك الرائحة» تحوّل إلى قطيعة، وأثار حوله عصفا نقديا، جعل من هذا العمل مفتوحا على قراءات متناقضة، فبقدر ما وجد فيه يوسف إدريس «ثورة» في الكتابة، فإن يحيى حقي اتهمه بالهامشية والسذاجة، وهنا ندرك خصوصية صنع الله في صياغة سردية المختلف، على مستوى الوظيفة والصيغة، أو على مستوى الخطاب وبنيته، احتوى فيها الحالة المصرية، بوصفها مجالا للتمثيل السياسي والأيديولوجي، فكان زمنه السردي زمنا مصريا، والحدث/ السجن/ الفقد/ السفر مصريا، والشخصية المعارضة مصرية، لكنّ هذا المُركّب التكويني انخرط في صناعة بنية سردية من الصعب توصيفها، والقبول بها كمعيار «أرسطي» للسرد، أو لرؤية ساردها وهو يجعل من سيرته الشخصية مادة سردية، يكشف فيها عن معاناته مع السجن، ومع السلطة، فأعطى لبطله (السجين السياسي) وظيفة وجودية، مفتوحة على واقعية «صلبة» وعلى رؤية أراد من خلالها وعي إرادته بالحرية، وبالمكان، وبفكرة التزامه التي جعلته يعيش متاهة الواقع ومحنة الاستلاب.
الشيوعي المثقف، والمثقف النقدي، هما صانعا الوثيقة في سرديات صنع الله إبراهيم، إذ جعل منهما بطلين رائيين، حالمين بحرية أرضية، يعيشان لعبة السرد بوصفها مغامرة في تدوين السيرة والوثيقة، فمع خروجه من معتقل الوحدات عام 1964 بدأ وعيه الكتابي الذي جعل منه شاهدا على تحولات الزمن السياسي، وعلى أزمته مع الحرية والسلطة، فتحول هذا الخروج إلى ثيمة تبدت من خلالها أزمة البطل ذاته وسيرته، فرغم أن السجن هو مكان استلابه، لكن الإحساس به كان هو الدوستوبيا التي تحولت إلى رعب داخلي، وإلى اغتراب فلسفي ووجودي عن المعنى، فلم يجد سوى اللغة/ الحكي/ الشهادة لصياغة سردية مكوثه الضدي، حيث يُعيد توصيف علاقته المتخيلة باللامكان الذي تبحث عنه السلطة.
•الكتابة بوصفها رهاناً للوعي
تحولت علاقة صنع الله إبراهيم بالأيديولوجيا إلى مكاشفة، جعلته أكثر جرأة في مواجهة الواقع، وفي تمثيل وعيه «الشقي» وبما يطرحه من أسئلة فارقة، حول الوجود والحرية والسلطة والوثيقة، فبقدر ما جعل من زمن السجن عالما لتدوين يومياته «السردية» فإنه تحوّل إلى وثيقة، أو إلى بؤرة سردية استجمع فيها زمنه الشخصي، وشهادته على أزمة «المثقف اليساري» الذي جعل من حريته رهانا على رفضه للاستبداد، وعلى أن يكون معارضا نقديا لكل ما تصنعه السلطة من استلاب اجتماعي وسياسي وثقافي.
ما كتبه صنع الله إبراهيم حمل معه خصوصيته، في النظر إلى وظيفة السرد، وإلى علاقة هذا السرد بموضوعات إشكالية مثل الحرية والحب والهوية، فبقدر ما يبدو حدث السجن واقعيا، إلا أنه جعله حافلا بدلالات كثيفة، كاشفا عن مفارقة، ارتبطت بحساسية «عين الكاميرا السردية» التي تحولت إلى «لغة» حافلة بالاستعارة السردية، تلك التي جعلت من قصة «تلك الرائحة» وكأنها اختبار، أو بداية لتوصيف مغامرة البطل الذي يحلم ويرى، فيقمع، ويسجن، ليذهب إلى تسجيل يومياته عن القمع والسجن، عبر شكل كتابي سيري، جاعلا منه اعترافا وتصريحا، قريبا من بنية «المونولوج/ الصوت الداخلي»، الذي يستبطن تمثيل أزمته الشخصية، وتدوين أسئلته السياسية/ النضالية، والإشارة إلى أنه يكتب وهو يلبس قناع البطل/ السجين، في معارضته، وفي تمثيل مرجعيته الأيديولوجية، وفي تدوين شهادته واعترافه وصراحته الصاخبة أحيانا.
اللامألوف السردي في روايات صنع الله إبراهيم ليس توثيقا مجردا في تمثيل تقانة التسجيل، بل هو أيضا دالّ لغوي يجمع بين الكثافة، وبين الأسلوب «البرقي» إذ وجد في هذا الدال السردي أكثر تمثيلا لخطابه، ولمنظوره في تدوين الجملة السردية، القائمة على الفكرة الواقعية، وعلى الوثيقة والصورة، والتي كانت بعيدة عن جملة نجيب محفوظ، وجملة يوسف إدريس وإحسان عبد القدوس، فهو لا يطلق العنان لتأملاته وخياله، بقدر ما كان يرصد لحظته الواقعية، ليعيش اغترابها، عبر ما يرصده في تفاصيلها، التي قد تبدو عادية، لكنها تخفي كثيرا من أزمته وقلقه، حتى بدت تلك الكتابة أكثر اقترابا من اسكتشات «السينما التسجيلية» في رصد الواقع، وفي تمثيل توظيف الوثيقة والارشيف، وفي صياغة مشاهد، فيها من المباشرة، ما فيها من النقدية التي تُعري الواقع من حولها.
في رواية «نجمة أغسطس» بدت تلك الواقعية أكثر وضوحا، عبّر فيها المؤلف عن عالمه الشخصي الذي يمور بالحركة، راصدا عالمه الاجتماعي، من خلال رؤيته لمفهوم العمل والتحرر الاجتماعي بالمعنى الماركسي، حيث يكون مشروع السد العالي تجسيدا لهذا المفهوم، وتمثيلا لرؤيته وسيرته وهو يرصد تحولات الزمن السياسي المصري، الذي جعل منه صنع الله وثيقة تخص الشعب المصري وليس السلطة التي ربطت بناء السد العالي بسردية بناء الأهرامات في زمن الفرعون رمسيس الثاني، وهو ما جعل من هذه «النوفيلا» سردية ماكرة تنطوي على مفارقة، جمع فيها بين سردية الحدث/ السجن ورمزيته الكبيرة، وبين سرديته الشخصية التي أعاد بها صياغة سؤاله الوجودي عن القمع والاعتقال.
•ما تصنعه سردية الوثيقة
في رواية «اللجنة» لا يغادر صنع إبراهيم أسلوبه التسجيلي والوثائقي، فجعل من شخصيته المأزومة تتحدث عن نفسها، وعن علاقتها بالآخرين/ السلطة، حتى يبدو الصراع بين الذات والآخر، وبقدر ما يربطه الروائي باسترضاء أعضاء اللجنة، لكنه يتجاوز ذلك إلى تعرية الواقع، والكشف عن رثاثة المثقف أمام سطوة العنف الرمزي والبيروقراطي، بوصفه عنفا منهجيا، ورمزيا يتقصّد صناعة «الهيمنة» وتضخم ظاهرة السلطة، عبر تزييف الوثائق، وعبر تحويل الآخر إلى «تابع» يعيش محنة صمت مع «المقموع والمسكوت عنه» مثما يجعل من الشاهد الثقافي أمام غواية صناعة «الوثيقة الضد» حيث الرواية والحكي، وحيث البحث عن الذات التي يمكن تتمرد على النسق والنظام والواقع، وإعادة صياغة الحدث، وحتى التاريخ عبر مواجهة «الوعي الزائف» و"الوعي الصامت».
سردية إعادة صياغة الحدث، تعني الذهاب إلى المفارقة، وإلى البحث عن «القارئ/ المواطن» وليس القارئ المتعالي بتوصيف «ريفاتير»، فما يعمد إليه صنع الله إبراهيم لن يكون بعيدا عن سرديات «المناضل» و"البطل النقدي» وعلى النحو الذي يجعل من تلك السرديات هي الأقرب إلى تمثيل هوية خطابه/ روايته، بوصفها ممارسة في الإشهار والنقد والكشف، وفي الكتابة الحرة، المتوترة والرافضة، والتي تعمل على أنسنة سردية «المعارض» مقابل رفض صورة مثقف السلطة، من خلال رفض جوائزها، أو عبر البحث عن فضاء ثقافي عقلاني، تخرق فيه الكتابة جدار «خطيئة التاريخ» وتابو السلطة وبيروقراطيتها.
وفي رواية «ذات» يرصد الروائي يوميات الحياة المصرية، عبر تقانة السرد المتوازي، حيث تشتبك حياة امرأة مصرية مع تفاصيل الواقع وتعقيداته، فتبدو هي الأقرب إلى تمثيل «جيل مصري» يجد نفسه أمام تحولات عاصفة، اختار المؤلف أنموذجه الأنثوي ليس لأسباب جندرية، بل لإدامة زخم واقعيتها النقدية في تمثيل «زمن الانفتاح السياسي» ورصد علاقتها بالتحولات العاصفة، وبنمطية الخطاب السياسي الذي يصنع وثائقه الاستبداد الذكوري/ السلطوي للتمويه على ما يجري، حتى بدت عنونة الرواية «ذات» دالة في حمولتها النفسية والأنثربولوجية، على تمثيل العجز الوجودي، وعلى أزمتها في التعبير عن وسط واقع تعيش اغترابه المُرَكّب، عبر التسمية والإحالة، وعبر المخاتلة عن الواقع ذاته..
في رواية «بيروت.. بيروت» لا يخفي صنع الله إبراهيم موقفه من الحرب الإهلية اللبنانية، فجعل من وظيفة عين السرد البحث عن الوثيقة في الواقع، وعبر رصد يومياته، كاشفا عما يجري فيه من صراعات، فجعل من فكرة سفره «الواقعي» إلى بيروت بحثا عن ناشره مدخلا للتعرّف، ولمواجهة الواقع الذي يتحول إلى متاهة، تتفجر فيها التفاصيل، وتغيب، وكأنها تعكس ما يعانيه الإنسان الذي ورطته الحرب الأهلية بأزمات وحرائق وتفجيرات، لم يتخلص فيها صنع الله إبراهيم من توظيف تقانة التوازي بين الوثيقة والواقع، أو بين الصوت/ التعليق والمشهد السينمائي التسجيلي، وهذا ما جعل أدواته السردية أكثر انحيازا إلى إبراز وظائفية الوثائق والتسجيل والرصد، على مستوى تمثيل الواقع/ الحرب، وعلى مستوى التعبير عن ما يخفيه من مظاهر للكراهية والعنف والموت..
في رواية «أمريكانلي» يضعنا صنع الله إبراهيم إزاء سردية أنثربولوجية مركبة، تنفتح على تشابك الثقافي بالتاريخي، والسري بالواقعي، كاشفة عن تناقضات الواقع/ المكان، وعن أزمة المثقف/ قناع المؤرخ وهو يعيد قراءة ما يجري في ذلك الواقع، عبر الحفر في تاريخ يستدعي المقارنة، يتوازى فيه مجتمع أنثربولوجي ضيق، يتمثله «معهد التاريخ المقارن» في مدينة سان فرانسسكو، مع مجتمع إشكالي يتمثله المجتمع الأمريكي الواسع، وباتجاه يقصده المؤلف، كاشفا عن أزمة الخطاب الإمبريالي، وعن طبيعة تناقضاته، وتعرية عنفه وعنصريته وإكراهاته في التاريخ، وفي تمثيل ممارسات العبودية والقهر الهوياتي والوجودي..
يحمل بطل الرواية «الباحث والمؤرخ رشدي» أزمته معه، فهو الشرقي/ المصري المسكون بالتاريخ، لكنه المصاب بالعطب الوجودي والجنسي، فيجعل من درسه التاريخي مجالا لمقاربة «شبكية المجتمع الأمريكي» وتنوع هوياته، ونظرته للآخر، ولخطابه وتاريخه، فبقدر ما تبدو سردنة الرواية مأخوذة بالبحث، فإنها تكشف عن «المخفي» من خلال اصطدام هذا البحث بأزمة الهويات داخل «المعهد» وداخل «المجتمع الأمريكي»، وهو يعني كشفا عن أزمة التعاطي مع التاريخ وزيف تدويانته، في عالم/ بيئة لم يعد التاريخ هاجسها، وأن قيمومتها تقوم على فرضية أن يكون السرد هو التاريخ، حيث يتحول السرد إلى وظيفة يمارسها الرجل الأبيض عبر الهيمنة والقتل والإبادة، مثلما يذهب صناع الهامش إلى الطقوس وإلى الأساطير، أو إلى «نسيان الكينونة».
تَمثّل بطل الرواية للتاريخ المصري جعله أكثر تقاطعا مع منهجية الدرس في المعهد، ومع توجهاته السياسية، وحتى مع أطروحاته الأنثربولوجية، حول مفاهيم الجماعة والهوية والتاريخ والجنس، فكان الكشف عن أزمته الشخصية السياسية وهو يطرح أفكاره حول الواقع المصري، نظيرا للكشف عن أزمته في النظر إلى المجتمع الأمريكي وتعقيداته الوجودية والبنيوية والجنسية.
عنوان "الأمريكانلي" عتبة مفارقة في السياق السردي، على مستوى إحالتها اللغوية، وعلى مستوى تمثيلها النفسي والتاريخي والأنثربولوجي، وحتى على مستوى تمثيل ما هو وثائقي ونقدي عبر استعادة سرديات الرجل الأبيض وهو يمارس القتل والإبادة لـ "الأعراق المنحطة" كما سمّاها الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت.