فاتحة
عبد الجليل الوزّاني روائيّ ماطر، يسجّل حضوره المتميّز في المشهد الثّقافيّ، من خلال إصداراته الرّوائيّة التي تنقلنا بسردها السّاحر المنساب إلى هموم النَّاس وحكاياتهم المترعة بالوجع، وتحكي الّتفاصيل والذّكريات بعين ذكيّة، وبفائض المشاعر، فبدءا من رواية «الضّفاف المتجددّة» الحائزة على جائزة الحسن الثّاني للبيئة، مرورا بـ «امرأة الظلّ.. أو ما لم نعرف عن زينب» الحاصلة على جائزة كتارا للرّواية العربيّة في نسختها الأولى، وغيرها من الرّوايات الأخرى، يراهن عبد الجليل على إخلاصه المستميت للرّواية وتشبّثه بها.
في روايته «أطياف السّراب» الصّادرة مؤخّرا عن مكتبة سلمى بتطوان/ المغرب، لم يتنكّر عبد الجليل الوزّاني لماضيه الرّوائيّ، ومن خبرته التي بلورها في نصّه «صهوة السّراب» الذي اختمرت فيه كلّ مكوّنات الحكيّ، ممّا يضعنا في قلب التّناصّ الذّاتيّ الحاصل بين الرّوايتين، ممّا يعني أنّ الوزّاني يتناصّ مع نفسه.
تجليّات متعة التّناصّ
بداءة دعونا نتّفق على أنّ التّناصّ الذّاتيّ هو ظاهرة أدبيّة تشير إلى تفاعل النّصّ الجديد للكاتب مع نصوصه أو نصّه السّابق، بشكل مباشر أو غير مباشر، مع الحفاظ على أصالته، حيث «تنزع اللّغة إلى تطويق النّصّ الآخر ضمن حدود واضحة وثابتة من خلال استدعاء نفس جسد الملفوظ»، على رأي زكريا أبوشارب.
وعليه، يقف قارئ رواية «صهوة السّراب» على عتباتها، كما الكثير من الموضوعات، والأمكنة التي تمّ تهجيرها إلى «أطياف السّراب» بعد خضوعها لتقنية التّحويل، والقلب، والتّحويل.
1ـ تناصّ العتبات
بخصوص العتبات يتحقّق التّناصّ الذّاتي في عنونة الرّوايتين «صهوة السّراب «و«أطياف السّراب»، يلاحظ القارئ أنّ العنوانين مكوّنين من جملتين اسميّتين ومركّبتين تركيبا إضافيّا، ويغيب عنهما الفعل كبنية دالّة على الزّمان، مما يجعلهما متّجهين صوب الاستمراريّة، وأيضا من خلال العمليّة الاختزاليّة المكثّفة في لفظتين، ثمّ من خلال تكرار السّراب المهمين، ممّا يقودنا إلى مساءلة القواميس حول معنى السّراب الذي يعني الوهم، وعدم القدرة على التّمييز بين ما هو حقيقيّ أو زائف، ممّا يشي بأنّ محكيّ الرّوايتين سيكون من الأسراب والق?ارات الواهمة والخاطئة دون اهتمام بالعواقب.
وعليه، يقف قارئ الرّوايتين على إهداءين كالتّالي:
- «إلى محسن أخريّف في مرقده الأخير».
- «إلى روح الصّديق الفقيد الدّكتور محمّد المعادي في الذّكرى العاشرة لرحيله».
وما يهمّنا هو حضور اسمين ثقافيّين عموميّين يعرفهما المتابع للشّأن الثّقافيّ » محسن أخريف» و"محمّد المعادي»، وحضور ميتتهما المفاجئة والجارحة، الأوّل بسبب صعقة كهربائيّة، والثّاني بسبب حادثة سير، ممّا يجعل الإهداءين فعلا حقيقيّا صادق لا يخلو من قصديّة، يضعاننا في قلب التّناصّ الذّاتيّ الحاصل بين المهدى لهما، استدعاء لفعل الكتابة المشتركة، والرّحيل المفجع والحارق.
2ـ تناصّ الموضوعات
من الموضوعات التي عالجها نصّ «صهوة السّراب» وهاجرت إلى رواية «أطياف السّراب»، موضوعة التّوغّل في حياة «شمس الضّحى» وما تعيشه من شبقيّة وتمزّقات نفسيّة، ورّطتها في خضمّ من الأهواء والرّغبات في ارتباط بهواجسها وطموحاتها، ممّا يفضي إلى تورّطها في علاقات زائفة وعابرة تفتقد الالتزام العاطفيّ والحميم.
وما فتئ السّارد يعيد نفس العلاقة الملتبسة، والمليئة بالامتهان والانتكاسات النّفسيّة، يقول السّارد في «صهوة السّراب": «موافق على ماذا يا جون بيير؟ أن تجعل منّي رهينة مقامراتك؟» (ص23)، ونفس الصّورة في «أطياف الفجر": «أو خليلة لوغد فرنسيّ مقامر أجلف، استباح أنوثتها وباعها في جلسة قمار كما تباع الجواري» (ص24).
في محكيّ «صهيل السّراب» عن طفولة «شمس الضّحى» و«فؤاد»، تحضر حادثة انكسار فنن الشّجرة، وشما في ذاكرتهما لا تقبل المحو: «حضرت لحظة غرسة السّواني والغصن الآيل للسّقوط هذه المرّة ناعما مترعا بالآهات ولو بعد سنوات خلت» (ص106)، وتقترض «أطياف السّراب» نفس المحكيّ: «الشّيء الذي حدث وتمنّيت أن يستمرّ، ذلك الذي جمعنا بغرسة السّواني، لكنّ انكسار الغصن الذي مكّنني من احتضانك لأوّل مرّة كان فألا سيّئا لعلاقتنا» (ص60).
3. تناصّ الأمكنة
إنّ أوّل مكان تحتفظ به ذاكرة «شمس الضّحى» هو تطوان، مكان الطّفولة والصبّ، وذاكرة تسكنها، بكلّ محمولاتها الأليمة والنوّسطالجيّة والبحث عن انتماء جدّيّ إلى فضاءاتها، ومن ثمّ، نكتشف معالم تناصّهما الذّاتيّ، يقول الساّرد في رواية «صهوة السّراب»: «سرت طويلا أبحث عن شيء يربطني بالمدينة، مررت بزنقة العيون، وقفت بدرب (الحزمري) للحظات، أبحث عن آثار طفلة يافعة» (ص208)، وفي رواية «أطياف السّراب» لا يتوانى السّارد في استحضار تطوان حنينا ووجعا:
- «نعم، اشتقت لتطوان، وأهل تطوان، وقبر أبي، الرّجل الذي لم يمت في خاطري مطلقا» (ص360).
-«هل أنسى ما فعلته بي وأنا ما زلت صغيرة عندما اتّهمتني بالفجور وأرسلتني إلى تطوان» (ص42).
وبعد قرار «شمس الضّحى» الهجرة خارج الوطن، كانت «مارسيليا» حاضرة في «صهوة السرّاب»، فضاء للغربة والأتعاب: «كانت أيّامي الأولى بمارسيليا شاقّة، عانيت خلالها من الاغتراب والوحدة» (ص146)، وكذلك في رواية «أطياف السّراب»، فضاء ضيّق ليس بإمكانه استيعاب ولا قبول لجوء أمّها وزوجها «المحجوب» الهارب من المحاسبة، نقرأ على لسان شقيقها المقيم بمارسيليا: «بصراحة، الإقامة عندك في الفيلّا أفضل بكثير من إقامتهما في غرفتي الضيّقة» (ص105).
ولعلّ زواج «شمس الضّحى» من «أونطونيو» سيقودها إلى عالم يخادع الجميع، ويرقص المسكين بخيوطه على الحبال بمهارة، تفوق قدرات أمهر القرود، وكان «اسطبل الخيول» مسرحا لهذا اللّعب بالنّار والثّراء غير المشروع، يقول السّارد في «صهوة السّراب": «ألا تعرفين من يكون أنطونيو.. الرّجل ثريّ، صاحب أكبر إسطبل خيول بإيطاليا؟» (ص19)، وفي «أطياف السّراب»: «كان هذا المكان يروي الكثير عن حياته وأيّامه الماضية، الإسطبل، والخيول، وحتّى الظّلام الذي يحيط به» (ص16).
ومجمل القول، أتاحت لنا هذه القراءة العجلى إلقاء نظرة سريعة على متعة وجماليّة التّفاعل النّصيّ في «صهوة السّراب» و"أطياف السّراب »، ومن ثمّ، خلق شبكة من العلاقات الدّلاليّة والمعرفيّة، ممّا يشي بحرفيّة عبد الجليل الوزّاني وبجماليّة صنعته الرّوائيّة، ممّا يتيح للقارئ اكتشاف العلاقات بين الرّوايتين، ويفسح المجال لتأويلات أعمق.