»بيت الجاز« لـ نورا ناجي.. جاذبية السرد

تاريخ النشر : السبت 01:12 16-8-2025
No Image

ثمة ولادة لعهد جديد بعد تنحي رئيسٍ حكمَ البلاد لثلاثة عقود أو يزيد، وقد تزامن هذا الحدث مع ولادة ملتبسة، ومولود يُطوَّح به من شبّاك حمّام المستشفى الجامعي في طنطا، بدلا من أن يرقد إلى جانب والدته باحثا عن ثديها وقطرات «اللبن» الأولى، من هنا بدأت الإثارة، بات هذا خبرا على صفحات الجرائد وكان مثار اهتمام «الكاتبة رضوى» ومبعث سعيها لتحويل هذا الحدث إلى رواية.

"بيت الجاز»، الرواية الأحدث للروائية نورا ناجي والصادرة عن دار الشروق في القاهرة بحجم يصل إلى مئتي صفحة من القطع المتوسط عام 2025، موضوع هذه السطور.

قد يثير العنوان تساؤلا لدى القراء لا سيما خارج مصر.. «بيت الجاز»، ماذا عساه يكون؟! فبالرغم من عيشي في مصر ما يقارب خمس سنوات إلا أنني لم أدرك حقيقة الأمر قبل أن أقرأ عددا من الصفحات، مر ببالي «الجاز» (في قراءة بغير اللهجة المصرية) كنوع من الموسيقى، ولكن المقصود هنا بعيد كل البعد عن هذا المعنى بالرغم من صخب إيقاع الأحداث في هذا البيت.

ربما ساعد عود الثقاب على الغلاف إضافة إلى خيال عربة يجرها حصان في إدراك معنى عنوان الرواية كمكان لبيع سائل الوقود «الكاز» والذي يوشك على الاختفاء من الحياة العامة، ثمة في الرواية ما يشير إلى هذا متمثلا في انتقال «المعلم عوض» أحد أهم سكان بيت الجاز إلى مهنة أخرى أكثر جدوى من بيع الكاز لبقايا المستهلكين في المدينة. ولكن «الجاز» قبل أن يختفي اشتعل واشتعلت معه «مرمر»، المرمر في الطبيعة لا يشتعل، هذا ما تقوله العلوم، أما السرد فوصفَ احتراقا كاملا ثم سقوط الجلباب دون أي أثر لمرمر. فهل كانت التسمية محض مصادفة؟

تشير الصفحة الأخيرة من غلاف الرواية إلى ثلاث سيدات تتقاطع مصائرهن الكاتبة رضوى، والطبيبة يُمنى، والفتاة الضحية مرمر، وقد تناولت الكاتبة مصائر هذه الشخصيات في ثلاثة مشاهد متعاقبة من السرد حملت نفس العناوين: «الكاتبة» و «الرواية» و"الحقيقة»، وقد تكررت هذه العناوين ولكن تباينت المضامين في هذه الفصول المتعاقبة بما يتناسب والبناء الدرامي للأحداث عبر السرد وما رافق ذلك من تصاعد للحبكة حتى ذروتها.

تتضمن الفصول التي حملت عنوان «الكاتبة» مشاهد لحياة الكاتبة في طفولتها والتي صدمت بحقيقة كونها «متبناة»، ومع أن هذا الاعتراف القاسي من قبل الأم المفترضة لم يغير في الوقائع اليومية لحياة هذه الأسرة إلى أن توفي الوالدان بالتبني وورثت «الكاتبة» البيت وكل شيء، إلا أنها ورثت مع ذلك حالة من الضياع، وسلسلة من الأسئلة الوجودية حول معنى الحياة وجدواها، ومعنى الكتابة وجدواها، وباتت في حالة من الشك حول أهمية أن تتتبع هذا الخبر الموجود في صفحة الحوادث، في قصاصة مضى عليها أحد عشر عاما أو يزيد عن «طفل طوحوا به من شباك ال?ستشفى الجامعي في طنطا».

ثمة في هذه الفصول إشارات إلى تفاصيل قضايا إنسانية ولكنها أكثر صلة بالأمور النسوية، من مشاعر ومفاهيم وتجارب ونتائج، وتفاعل شخصية «رضوى» في الرواية بين صعود وهبوط.

وفي المقابل كانت الطبيبة «يمنى» محور الفصول المعنونة بـ «الرواية»، وفيها تفاصيل متعددة الجوانب عن حياة «يمنى» وطفولتها ومعاناتها ما يتصل بعلاقة الوالدين المبهمة، أو من ناحية رضاها أو عدم رضاها عن حياتها الزوجية، أو حياتها المهنية في مستويين متناقضين من الممارسة المهنية بين مستشفى الجذام وعيادتها الخاصة، ولكن الجانب الأهم كان تفاعلها مع «مرمر"؛ مساعدةُ «مرمر» لها في البيت، ثم شهادة الطبيبة ومشاهدتها لكثير من الوقائع المأساوية في حياة «مرمر» إلى حين سقوط هذه الأخيرة مشتعلة من على سطح «بيت الجاز».

تمور في نفس الطبيبة «يمنى» تساؤلات عديدة حول معاني الاستسلام والرضى، حول الحياة وطريقة العيش، والعلاقة بالزوج والطفلة، وتجهد في البحث عن إجابات عبر أحلام وخيالات تتصور فيها الحياة التي تحب وتتمنى مع أهلها وزوجها وطفلتها ومهنتها وعلاقتها بالمرضى والزملاء في مستشفى الجذام، وبالمرضى في عيادتها المخصصة لطبقة مختلفة من النساء تعالج اهتماماتهن النسوية بالليزر، وفوق كل هذه الخيالات تتربع صورة «مرمر» وهي تلعب كطفلة في «بيت الجاز»، وهي تتعرض للاغتصاب، وهي مكبلة بالسرير، ثم وهي تهوي مشتعلة.

سيجمع السرد بين الكاتبة «رضوى» والطبيبة «يمنى» وسأترك للقارئ دهشة الخوض في تفاصيل ذلك ونتائجه.

وفي باب الحقيقة تتصاعد الحبكة حتى ذروتها وتقفز مرمر محترقة، ويتكشف من خلال فصول معنونة ب"الحقيقة» خفايا «بيت الجاز» والعلاقات بين سكانه، وهشاشتها، وما تمثله من مستوى بائس للعيش في بيئة يحدها مستشفى الجذام ورعب أساطيره من جهة، والمقبرة من جهة أخرى؛ صور لمجتمع مسحوق يتفاعل معه كل بطريقته، يكافح المعلم «عوض» على «عربة الجاز» إلى أن يفجع بمأساة ابنته «مرمر» التي يعالجها بمنتهى الفظاظة والقسوة، وتستعين «أم مرمر» بسيل من الشتائم البذئية في التعامل مع من حولها دون أن يمنعها ذلك من إبداء كل التعاطف تجاه ابنتها «مر?ر»، ونجاة عمة «مرمر» القوية التي تشد طفل «مرمر» عند الولادة وتطوح به في الفضاء. ثم تتفرغ لإدارة أعمالها.

ولا يكتمل الحديث عن «بيت الجاز» دون الإشارة إلى «زيزو»، عمَ مرمر، وحشيشه ووحشيته، وضياعه وانتهاك حرمة بيت أخيه باغتصاب ابنته والتسبب في مأساتها. كان «زيزو» حلقة في سلسلة من القهر تبدأ من الاستعمار المتربص، إلى الدولة الهزيلة المستقوية على الشعب، إلى حلقات من القهر لا تنتهي بممارسة زيزو الوحشية مع ابنة أخيه. وما تبع ذلك من مآسٍ.

صور للهشاشة المقترنة بالفقر والمعاناة، وصور أخرى للقهر في طبقات تبدو أقل عوزا من الناحية المادية، ولكن أنماط المعاناة مختلفة، وتبدو المرأة في مقدمة المشهد من حيث الشعور بالمعاناة من جهة، ومن حيث التعبير عنها من جهة أخرى، ثلاثة نماذج من النساء، وثلاث طرق للتعبير عنها أو التفاعل معها. وفي المقابل أيّ نماذج للرجال؛ زوج الطبيبة!؟ أم الطبيب المجاور لها في العيادة؟ أم صديق الكاتبة «رضوى"؟ أم والد «مرمر"؟ أما «زيزو» فبقي على حاله من الضياع والتشرد وانعدام المسؤولية.

عبّرت نورا ناجي عن هذه الصور في هذا العمل الجميل بأسلوب متميز أقر أنني وجدت بعض الصعوبة في بدايته إلا أنه تمتع بجاذبية في غمرة الخوض في التفاصيل.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }