منذ زمن طويل لم أحضر فعالية في مسرح أسامة المشيني الذي أسسته وزارة الثقافة في بداية السبعينات ليكون مؤهلاً لعرض مسرحيات طويلة، وكنا نحضر فيه مسرحيات أردنية وعربية كثيرة.. ورغم أن المسرح قد تهاوت عروشه في الوطن العربي وربما في العالم كله، إلا أن الشاعر والمسرحي د.علي الشوابكة، رئيس فرع رابطة الكتاب الأردنيين في مأدبا، يُصرُّ على تنقيط الماء في حلق المسرح المتهاوي وذلك بمسرحية نوعية من فصل واحد كتبها وأخرجها بعنوان «ثلاجة الموتى».
كانت ديكورات المسرحية معبرة عن جو «ثلاجة للموتى»، حيث خزائن الموتى المجمدين في أرفف، والطبيب (الفنان محمد الشوابكة) يدور هنا وهناك يتفقّد جوانب المكان.. ورغم أن عرض المسرحية تم في نصف ساعة، إلا أنها كانت مكثّفة وثرية الحوار، إذ أثارت قضايا متعددة، استطاع الشوابكة تقديمها في عرض سريع، جعلنا نشعر بمدى قدرته على تصوير مأساة حياة الإنسان في مجتمعنا الحديث.
المسرحية تتم أحداثها في غرف ثلاجة الموتى، إذ نشاهد فتاة (الفنانة والإعلامية هاجر شاهين) تعمل خادمة تنظيف وحراسة لهذا المكان، رغم أن هذه الشخصية المسرحية حاصلة على شهادة ماجستير في تخصص علم النفس، وكأن الشوابكة أراد أن يصور لنا من خلال تخصصها هذا نفسيات ومشاعر وتفاعلات المجتمع الحديث، حيث الصبيّة تنتظر دورها في التوظيف منذ عشر سنوات، فاضطرت لتعمل خادمة في ثلاجة الموتى، لتعيل أباها وأمها.. وخلال هذه الخدمة لم تجد فرصة للزواج رغم أنها جميلة ومؤهلة.
بهذا الحوار المسرحي يُدخلنا نص الشوابكة في نفسية الرجل (الفنان تيسير بريجي) الذي يعمل في جمع المخلفات البيئية، رغم أنه خريج فنون سينمائية ويتابع حضور الأفلام في صالات السينما شعبية، حيث يتاح له حضور فيلمين أو ثلاثة أفلام بتذكرة واحدة.. نجده يجمع المخلفات البيئية من حاويات القمامة، أو من مكبات الحاويات العملاقة، ليبيعها بأسعار زهيدة لا تجلب له ثمن الطعام. ورغم أنه خريج جامعي بتخصص فنون السينما، إلا أنه فقير ولا يستطيع حضور مهرجانات الأفلام ليتمكن من صقل موهبته وعلومه، وممارسة العمل بالفنون السينمائية.
أما الصبيّة غير المتزوجة فعمرها في مثل عمره، في الثلاثينات.. قد يكون السبب في عدم زواجهما هو عدم وجود وظيفة تضمن لكل منهما استقراراً معيشياً يؤهله للزواج. وقد يكون التهاء كل منهما في العمل الشاق في مجال الخدمة الذي لا يترك لأي منهما فرصة الحب وتحقيق الزواج.. ولا ننسى أن المجتمع بتحقيق الزواج ينتج أجيالاً جديدة ترفد الأجيال الماضية ليزدهر المجتمع ويتطور.
بهذه القضية يفتح لنا الشوابكة سوق الكثير من الخريجين الواقفين في طابور انتظار الوظيفة المناسبة لتخصصهم الدراسي، والذين يعملون في خدمة سيارات الأجرة أو في تطبيقات التوصيل المنزلي للمبيعات بالهاتف، وبعضهم يعمل في غسيل السيارات أو في أعمال أخرى من هذا القبيل، لم تؤهلهم دراستهم ليعملوا بتخصصاتهم العلمية فاضطروا لممارسة هذه الأعمال.
هنا تناقش مسرحية علي الشوابكة قضية الخريجين العاطلين عن العمل، فقد ذهبوا إلى الجامعات ودفعوا الآلاف المؤلفة ودرسوا ولكنهم صُدموا عند التخرج، إذ نشعر بحسب حوارات المسرحية أن عدم قدرة الشباب الخريجين على إيجاد وظيفة، جعلهم يضطرون للعمل في أشغال غير مجدية، وهذا يجعل المشاهدين للمسرحية يتساءلون: «أين هي مصانع الدولة، وأين هي أراضيها الزراعية، وأين هي متاجرها، وأين هي مخترعاتها التي توفر لهم فرص العمل الشريف؟».
في هذه البوتقة المسرحية نشاهد وضعاً اجتماعياً محزناً ومشاهد صادمة حول حال الشباب الخريجين.
وتبدع هاجر شاهين وزميلها تيسير بريجي بإدهاش المشاهدين، إذ يفاجأون باصطدام الرجل والمرأة فجأة في قاعة ثلاجة الموتى، ونجدها قد خافت أن يكون حامل الكيس من الذين يسرقون أعضاء الموتى ليبيعوها أو ممن يبحثون عن صابون موتى الثلاجة المعطر ليبيعوه ولو بسعر رخيص. فنعرف أن حاملة شهادة الماجستير تعمل حارسة للثلاجة إضافة إلى كونها عاملة نظافة فيها.. أعمال مكثفة بأجور زهيدة.
وما دام جسداهما قد اصطدما ببعضهما بعضاً، فكان من الطبيعي أن يتعارفا. المهنة.. الدراسة. العائلة، انتظار الوظيفة. وبهذا الحوار المستفز للمشاهد، تذكر الفتاة للشاب قصص بعض الموتى المجمدين في الثلاجة، إذ تريه جثة شاب في مقتبل العمر كان عاشقاً فلم يستطع توفير مستلزمات الزواج مع محبوبته، فانتحر ليفارق عذابات الحياة، والأدهى أن أباه رفض استلام جثته.. قد يكون السبب أن الأب لا يملك دفع مصاريف المستشفى، فمن يريد استلام جثة متوفاة عليه أن يدفع فاتورة المستشفى. وقد يكون الأب حاقداً على هذه الحياة التي لم تفرحه بابنه ال?اب الذي اضطر للانتحار.. وفي خزانة مجاورة تسحبها المرأة تشرح له أنها جثة رجل كان مقاولاً كبيراً لم يكمل مشروعه منذ أعوام.. وربما خسر فجرجروه في المحاكم فأصيب بالجلطة ومات.
وعن نفسيتها في العمل تذكر له أنها تشعر أحياناً أنها صارت امرأة بلا قلب، وكأنهم أخذوا قلبها وزرعوا مكانه قلباً من الثلج، إذ إنها لشدة الفقر والفاقة تأخذ معها بعض مناشف موتى ليستخدمهم أهلها في البيت.
وفي المشهد نفسه يستقبل الرجل جامع النفايات مكالمة هاتفية من زميله، ويتفقان أن يلتقيا عند المزبلة الخامسة.. هكذا هي مواقع التقاء الزملاء في هذا العصر.. عند المزبلة الخامسة.. سيلتقيان ليلتقطا الكنوز المنبلجة من الزبالة، مثل أوسمة الذهب الخالص غالية الثمن لقادة الحروب وساسة الموت وسماسرة السلاح والجوع... وهذه العبارة الأخيرة تشعرنا بأن مسرحية الشوابكة توضح لنا التباين الكبير بين فقراء المجتمع وهم الأكثرية، وبين الأثرياء وهم الندرة المُرفّهة، الذين ربما يسقط منهم الذهب سهواً في الزبالة، فيكون من نصيب من فتح عل?هم ربنا بحلية أو ما شابه ذلك.. هذه المشاعر تثير في وجوهنا مرارة الجوع الذي يعيشه أهل غزة وسائر بقاع فلسطين.. ذلك الجوع الذي يبرمجه سماسرة السلاح الغربي..
وبعد انتهاء مكالمته يقول الشاب للفتاة وهو يشم رائحة وجهها أن جسدها مفعم بالموت.. ولِمَ لا ما دامت تكدح طيلة النهار بين الموتى بأعمال مرعبة، وبراتب ضئيل، في جو من الجوع والعطش الذي يشعرنا بكونه ناتجاً عن تأثير عولمي، ممزوجاً بالرعب الغزّي الذي يجتاح المنطقة فيرعب العالم كله..
يظهر بين الفينة والأخرى طبيب يراقب حالة ثلاجة الموتى، ويعلو رأسه طبق صغير يشعرنا أنه طبيب عالم، (الفنان محمد الشوابكة)، وهو يتحرك بقلق، ويتحفز مدققاً، وكأنه يبحث عن أشياء، فيشعرنا أن الثلاجة تخضع للمراقبة والحركة التفقدية، رغم أننا نشاهد أن الأمور فالتة من عقالها بلا ضبط ولا ربط. ولكن لماذا اختار الشوابكة ثلاجة الموتى ليناقش هذه القضايا؟ هل هو مجتمعٌ خاسرٌ آسنٌ سائر إلى الموت بحسب استشراف المؤلف؟
يجمع الجو البائس الشابَّ والفتاة، فيضطران لمزيد من التعارف، والتوصل إلى اتفاق للزواج الذي تم في نفس البيئة الميتة. إنها حياة لا تختلف عن الموت.. موت في الحياة.. وحياة في الموت.. يقول لها: «هل تقبلين زواجنا في الموت؟»، فتقول له: «هل تقبل موتنا في الزواج».
ينجبان طفلاً.. ثم يختلفان على من سيرسله إلى الروضة.. تلك قضية أخرى طرقها المؤلف د.علي الشوابكة.. إذ إن الانشغال طوال اليوم بالعمل لا يمنح الوالدين إمكانية إرسال أو استقبال طفلهما في الروضة. إذ لا وقت لديهما في إرساله واستقباله بعد الظهر بسبب طول وقت العمل المضني.. وبينما الزمن مزدحم والأعمال متراكمة كتراكم أكوام الزبالة، تجدهما يستشرفان مستقبل ولدهما.. تقول الأم: «سيدخل الروضة»، فيقول الأب: «إذا نجا من الحرب»، وتقول الأم: «وسيدخل المدرسة»، فيقول الأب: «إذا نجا من الحرب»، وتقول الأم: «ثم يدخل سجن الجامعة»، ?يقول الأب: «إذا نجا من الحرب».
إذن هي الحرب التي تقرر الحياة أو الموت.. السعادة أو الفناء.. في المجتمعات العربية نجد أناساً يعيشون في قصور ولديهم سيارات فارهة وخدم وحشم، بينما أطفال وأمهات يموتون في فلسطين فلا يأبه لحالهم أحد. هي الحرب التي تفصل ذوي الحظ السعيد عن ذوي الحظ التعيس، ولا أحد يستطيع أن يحدد مساره ومستقبله أمام هذا الطوفان الرأسمالي المتوحش. هنا يقول الأب: «إذا نجا من الحرب».
وما يزال المؤلف يطرق أبواب وشبابيك هذا الجو المعيشي الخانق الذي يكاد يقتل المواطن. حياة الفقراء القريبة من الموت.. وموت الفقراء المتماهي في الحياة. إذ يقول لها: «في القبر المؤقت أفق واسع لنا». بمعنى أن الحياة التي يعيشونها هي مجرد قبر مؤقت يوصلهما إلى القبر الدائم.. «في هذا القبر أفق واسع لكلينا».. فتقول له: «شهر العسل هناك أجمل». إنها ترى أن شهر عسلهما سيكون إجبارياً في منطقة ثلاجة الموتى.حيث العسل «إذا نجا من الموت» مجاور للموت.
وقبل أن يموتا هنا في ثلاجة الموتى، تسأله: «ما اسمك؟»، ويسألها: «ما اسمك؟»، وكأن لا وقت لهما للتعارف الحقيقي، حتى إن كلاً منهما لا يعرف اسم الآخر بسبب الانهماك في العمل والانشباك بمشاكل الحياة التي تنسيهما أهلهما. دراسة بلا وظيفة.. زواج في مساكن بائسة.. عدم القدرة على ملاحقة مطالب الحياة وتنفيذها.. وفي النهاية يموتان في ثلاجة الموتى.. إنه كلام كاتب عميق الفكر والمعنى والمغنى.
إنه الأدب الواقعي، الأدب الملتزم بقضايا الأمة.. فلا رمزية ولا مواربة.. إنه يرسم الواقع بالقلم العريض.