«هـنــاكَ فقـط، عـنــدَ حـــدودِ الـعطشْ،
ترسو سـفـنُ الكلّـمـــــات»..
وهناك، عند حافةٍ بين السّكون والصّمت، تُمسَك الذّات من بين أجنحتها، لتصبح جمرةً تقيم بين القيد والنّبض، ويتحرّر الشّعر...
الشّعر يولد من مركزٍ كينونيّ مضيء في ذات الشّاعر، ينفذ إلى جوهر الوجود، ليبدو إشراقاً رؤيويّاً يتخطّى عتبة النّص. فكلّ بيتٍ يُكتَب هو أثرٌ من اهتزازٍ داخليٍّ عميق لديه، وكلّ صورة شعريّة ترتفع من لحظةٍ عابرةٍ إلى زمن كونيّ، تتخطى الآنيّ وتتماهى مع المطلق. كما لو أنْ:
"وقفَ رسامٌ أمام مربّع لوحته..
كان ممتداً بعيداً في العتمة..
والرّيشة تفتح باب الأسرار» (الشّاعر حميد سعيد).
هنا، الشّعر يتخطّى الموهبة والملكة، ليصبح رسالةً ترسل من سديمٍ خفيّ، تكتب بيد القدر، وينزل الإلهام عليه حين تكتمل الأهليّة للنّداء، ويُستدعى ليكون حاملها، ناقلاً إياها بصوتٍ يتعدّى حدود الذّات والجوهر. وكأن القصيدة عنـده كائنٌ مستقلٌ، يختاره ليكون لسانها في الأرض، ممتداً في سمت الضّياء.
«حين تتّسع الحروف لارتعاشة الوجـود،
وتفيـض الأبجدية بنــدى الكينــونة
تتقـاطع الأزمنــة داخــل صوتٍ
يسيل من جهــة الخــلود،
ويعــود مخضّــباً بنبض الدّهــر
وترتّــل انخطــافها
كأنّها ولادةً دون بـدء».
تلك العلاقة الكونيّة مع الشّعر جعلت من الشاعر متجاوزاً لكلّ الحدود: الهويّة، والانتماء، والجغرافيا؛ فقصيدته تتكلّم باسم الإنسان، والوجود، والأبد، تنتمي إلى أرض وطنها اللّغة. يخيّل إلينا أنه يبحر في مدارات لانهائية، بين الشّعر الصّوفي والشّعر الحداثي، يستدعي صوراً من التّراث، ثم يبثّها من الدّاخل، ويعيد توليدها في هيئةٍ رمزيّةٍ جديدةٍ، تخاطب الإنسان من حيث هو روحٌ، وسائرٌ أفقَ السّالكين دروب الكمال. كما نرى في قدسيّة الأبجديّة التي ترتدي ثوب الوحي. كما نلمس عند الشاعر حميد سعيد في قصيدته «مقامات بغدادية»:
"ألف لام ميم
مِن مُبتدا الوحي حتى تخوم الزمانْ
كوثر في النّفوس
ونداءٌ يوحدُ بين السّمواتِ والأرضِ
بينَ الخشوع إلى اللهِ والعنفوانُ وكتابٌ
يعيدُ إلى الخائفينَ الأمانْ».
فبهذا التّصوّر العميق، تصبح القصيدة نبوءةً شعريّةً كبرى، تعبُرُ به إلى ما وراء العالم. فالشّعر في رؤيته استبصارٌ، وإنصاتٌ وسَفرٌ إلى تخوم الكينونة، حيث البصيرة النّافذة التي ترى غيب اللّحظة، والعين الرّوحية التي تلتقط من خفاء الوجود هذه النّبوءة. إنّها رسالة كونيّة تستحيل قصيدةً، يعلو بها الحرف ويتّقد، ويمضي، متوهّجاً في سرب النّور، حيث لا فرق بين الكتابة والصلاة. هكذا تنفتح القصيدة، وتقيم في قارئها أثراً ينهض، يرقص على أطراف الغياب نغمةً خفيّة.
"القصيدة هـنــــا...
ذرّات إشراقٍ
تعيد ترتيب الخليقة
وفقَ هندسة الرّؤيــا،
وشيفرة الوجد الأول»..
والقصيدة، هي خيطٌ من نورٍ ممتدٍ بين الأرض والسّرّ يُصعد الكينونة في مراقيها الخفيّة؛ فيها يتفتّح الوعي على طبقاته العليا، لتصوغ اللّغة من جسدها سلّماً رؤيويّاً، يؤاخي النّور، تتصاعد فيها الذّات إلى نبضها الأعلى، من مألوف الإدراك إلى مكاشفات المعنى. ومن قلب التّجربة ينبثق النّصّ الصّادق ويتكرّر، محمّلاً بنشوة الانتصار، حيث تتجاوز القصيدة وظيفتها لتصير حركةً روحيّةً صاعدة.
فالشّاعر لا يبني معماراً لفظياً، بل يصوغ أثراً كونيّاً؛ فتتّخذ الكتابة عنده شكل ارتحال داخليّ؛ يكتب كأنّه يكشف طبقةً بعد أخرى من سرّ اللّغة ومعراجها، يستدعي الحرف كونه بوصلة المجاز، وطاقةّ تفتح أبواباً في الجدار الوجودي. عندها، تتكثّف القصيدة لتغدو حدثاً تأويلياً يُعاش بأدقّ تفاصيله، ويتكرّس كصعودٍ داخليّ يتجاوز التجربة إلى الإشراق.
«إذا تجرّدتِ الذّات من شهوةِ الكثافة
أصبحت قصيدةً
تمشي على جناحِ النّور،
لا تحتاجُ قافيةً
ولا توقيتاً،
بل تكون...».
يتجلّى الشّعر طريقاً مفتوحاً على المدى، يُكتب على امتداد الكون، ويتشكّل بإيقاع الكمال والعلوّ والتّسامـي، عابراً حدود التّجربة المألوفة إلى إشراقها الجوهري. وإنّ كلّ بيتٍ في القصيدة هو درجة في سلّمٍ داخليّ، وكلّ صورةٍ تنبثق من وهج الرّؤية تمنحه لغة الارتقاء.
الشّاعر في هذا الإطار ينفتح على كينونةٍ أوسع، وعلى إشراقٍ يتوسّل اللّغة، تستنطق الخليقة من رحمها، ليظهرَ ثم يتفلّت منها ليبقى أثره، ويستبطن في الحرف نداءً أكبر من القول؛ إذ ينهض بالقصيدة كما ينهض المتصوّف في لحظة تجلّ.
وفي قلب التجربة تتكثّف الإشارات وتتشابك الرّموز من تآلف الإيقاع وتوهّجات المعنى. هكذا، تتحوّل الصّور من أطرٍ جماليّة، تجمع بين السموّ والاحتفاء والتوهّج، إلى درجاتٍ في بنية روحية–دلالية، لتصبح بعدها معراجاً مصغّراً؛ ليغدو الإيقاع ذاته كأنه تماوجٌ داخليٌّ يشير إلى حركة العبور، والانشداد إلى العلى. كما نشهد في هذه الأبيات للشاعر سعيد ياسين يوسف في قصيدته «شجرةُ العودِ": «حينَ ارتقيتِ سُلَّمَ شجرتي.. شدّدنا معاً وترَ الغصنِ السَّادسِ.. فتبسّمَ «زريابُ».. إذْ أزلْتِ سقفَ المسافةِ.. لتهبطَ عليَّ الملائكةُ.. وأن? في محرابِ التَّوهُجِ.. أنتظرُ نجمَكِ المتلألئَ.. يُمطِرُني بفراشاتِ الضَّوءِ.. بغيومِ الأغاني الهاربةِ.. عمداً إلى التّيهِ.. مع صوتِ تنفُّسِ الصُّبح».
إنّه «عبورٌ شعريٌّ» بامتياز: عبور الذّات من ثقل الأرض إلى شفافيّة المعنى، وعبور اللّغة من وظيفتها التقريريّة إلى دورها الشّفيف الذي يتجلّى في الوجود.
لذا، يسعى الشاعر دوماً إلى الخلاص، والانكشاف، ويتّخذ من اللّغة طريقاً للعبور؛ «صعودٌ إلى البياض: طفتُ... لم أدرِ: أكنتُ أطوفُ بالحَجَر، أم الحَجَرُ كان يطوفُ بي، ويزيلُ عني ما التصقَ من غبارِ الظنِّ، وأوهامِ الجهات؟». هنا نلحظ عند سمير اليوسف، حركة شعريّة-وجوديّة، تتجلّى في كلّ تفصيل: من المفردات المفاتيح -كالسّلَّم، والنّور، والصوت، والجهات- لتصبح علامات تأويليّة في نظامٍ شعريٍّ خاص.
"وَتَفْـريدُ تَقْـدِيسٍ وَتَجــرِيدُ أَنفسٍ
وَغَسْلٌ لِأدرَانِ النُّفُوسِ ولا غِسْلُ
وسُكْرٌ وَلَا خَمْرٌ وشَوْقٌ وَلَا شَقا
وصَحْوٌ عَلَى مَحْوٍ وشَجوٌ ولا تَكْلُ».
هكذا، تتبلور الشّعريّة نفسها، تخرج من رحم التّجربة، لتمنح القصيدة بعداً يتجاوز البناء إلى البصيرة، والمعنى إلى الامتداد. إنه عبورٌ مزدوجٌ: عبور الذّات نحو اكتمالها، وعبور اللّغة نحو ذروتها الكونية، حيث تسلك القصيدة أفقاً تتخطّى به الزّمان والمكان، فيتحوّل الحرف إلى شرارة توقد من الدّاخل؛ فنلحظ في عبارات الشاعر والروائي د. محمد إقبال حرب شعلة متّقدة ليعبُرَ بنا إلى عالم من نورٍ ونار بقوله: «ما بَيْنَ الجَنَّةِ والنَارِ.. تَرْتَعُ أشْوَاقي وأسْرَاري.. أعشَقُ في الجَنَّةِ حُوريَّةً.. وألفَ امرأةٍ في النّار». ?يمضي الشّاعر مسافراً في غبطة الحبور في انتشاءٍ لامرئيّ، مسافراً في عالمٍ من سنا النّور، وروح الكمال، تتوهّج فيه الذّات وهي تتلمّس معراجها.
«غنّي عَلى الأَفْقِ يَحْلُ الأُفْقُ فى الأَبَدِ،
قَصيدَتي، وَاحْمِلي ذاتي إلى الخُلُدِ
ذاتي رَنينٌ عَلى الأَوْتارِ، يَرْفَعُها
نَفْحُ الأَعالي، وَصَوْتُ اللّه في الجَلَدِ».
وفي قصيدة د.ديزيره سقال نتلمّس هذه «الكونية الشّعرية» تتلامس الرّؤيا مع طيف النّبوءة، وتشتبك الكينونة بمجازٍ ينأى عن التّفسير، ليُقيم الشّاعر على تخوم المعراج، كما لو أن اللّغة سلّمٌ من نارٍ، يُصاغ عليه الصّوت، كما يُصاغ النّور في سمتِ الكون.
عناقٌ أخير بين ما تبقّى من الذّات، ومن أضاء فيها الأبجدية. ومن الجميل أن نسمع نثرية خطاب د.سلطان المعاني وما يتجلّى فيه من رؤًى تلهب حكايا الزّمن، «يتهادى البحر في إهاب.. يحوك وشاح الضّفاف.. يسحب الأفق امتداد زرقة.. يبيح للعاشقين قرض القصيد.. يمنح الرّوح نوارس الشطآن.. يسوق خطاه إلى الأرض الجُرُز.. تتوسد القمر كل مساء.. تهب الحكاية انسياق المدى.. من شاطئ الحلم نحو رحاب الغمام.. ومن زورق العتق صوب اندياح النّشيد.. ومن شجو موسيقاها إلى خِدر القمر... آيلة.. قنديل الرّوح في درب اليقين».
هكذا، لا تعود القصيدة بنيةً، أو فعل تجلٍّ، تصير منحوتةً من زمردٍ، ورمادٍ ملتهبٍ عند حوافّ الخلود، ينتصر الشّاعر بما أطلقت من بين أجنحتها بياضاً، يطلّ من نارٍ، لا اسم له، يصعد بها... ويصعدُ...
فالقصيدةُ التي لا تُحرِقُ شاعرَها، تحتاجُ شاهداً، لا قارئاً...
وأشير هنا الى قول أدونيس في كتابه «أدونيادا":
"قُلْ لنا، أيُّها الحِبْرُ ماذا كتَبْتَ، وماذا فعلْتَ،
وماذا..
ستقولُ لك الأبجديَّةُ في عيدِ ميلادِها؟».
(أديبة وناقدة لبنانية)