مدخل
بحث المفكر الأديب إبراهيم العجلوني مبكراً في منطق الأشياء وماهياتها، ومن أولاها ما حمل عنواناً لافتاً (مثل «نداء إلى الشباب الأردني/ الوطن» و"من منطق الأشياء")، وورد هذا الحديث في كتابه «الوعي المتمرد» الصادر سنة ١٩٩٤، وفيه طرق باباً مهماً متعلقاً بموضوعة الوطن والوطنية، وبحث فيه في معنى الوطن منطلقاً من تجربة خاصة، إذ إنه أحس بذلك من شعورٍ داهمه بعد أن دفن أمه، وبين القبور تلفت يمنة ويسرة، فرأى التراب يضم قبور جدته وجده وأسلافه، وهم يمثلون عنده جذوره الضاربة في أعماق التاريخ.
قدّم هذا الحديث بين يدي المغامرين في فضاءات السياسة، والمداخل الضيقة التي تسفر من الأيدولوجيا.
ويرى العجلوني أن كشف عوامل التغشية كفيل بصحوة في الوعي الوطني، وهذا عينه ما يقع على كاهل الشباب، وإن جلَّ ما يدعو إليه مرتهن بأن يخلّص الإنسان من الارتهانات الضيقة والمصالح الذاتية والخضوع الأيديولوجي الذي لا يفضي إلى الوطن، والأمر كله مرتبط مع التراب والأرض الثابتة سواء في الأردن المرابط أو في فلسطين المستلبة، ولا بد لذلك من رؤيا وطنية.
والأردني من هذا المفهوم هو عروبي متجذر بأرض عربية ذات تاريخ عميق في إقليم عربي واسع، ولا يضيره أن يعلن أردنيته بلا حرج ولا حذر.
من هنا، فرّق العجلوني بين مفهوم الوطنية نظرياً وبين ممارستها في الواقع وحضورها الحياتي وتجلّيها في نفوس أبناء الأردن، وهي أكثر وضوحاً مما يذهب إليه البعض ممن بلوون رؤوسهم أيديولوجياً، فتنحرف الأمور عن بوصلتها الهادية.
بين يدي الرؤية الوطنية
تبين لنا مما سبق ما يبعد الالتباس عن مفهوم الرؤية الوطنية كي لا يخوض البعض في عماية من دروبها، ولقد اقتضى الأمر من العجلوني أن يفرّق بين الهوية الوطنية التي هي واحدة لكل أبناء الأمة العربية وبين الهويات الفرعية الضيقة.
ونبه العجلوني إلى ضرورة أن يُنظَر إلى حقيقة الأساس الذي يربطنا بالوطن بعيداً عن الحوزات المذهبية التي يغرق الحريصون عليها في النفاق والتحريف، إلى درجة يصبح المواطن عندها حائراً بين شمال ويمين، فيلبس لكل موقع لبوسه، ومن الراسخ في الذهن أن يؤدي هذا السلوك إلى أضرار بالغة، لانطوائه على الانهيار القيمي والفوضى الأخلاقية، ومن هنا، توجّب علينا أن نفهم عناصر رؤيتنا الوطنية، وهذا الأمر يقتضي منا الغربلة.
إن أول ما ينبغي تقديمه لتحديد عناصر الرؤية الوطنية وفق ما ذهب إليه إبراهيم العجلوني في جملة كتاباته في هذا الشأن، هو استخدام العقل لفهم الأمور لا أن نجنح إلى الجنون والشطط، كي لا نحذو حذو الصهاينة الذين يدفعهم الجنون التلمودي لارتكاب الفضائع والجرائم والمجازر في سبيل الوصول إلى أهدافهم الخبيثة في كيان دموي عنصري قائم على الكراهية والدماء.
والجنون الذي يدعو إليه البعض باعث لتدمير الذات وخلق الفتن.
ويذهب العجلوني إلى الأسس التي تقوم عليها الرؤية الوطنية الأردنية مثل أيّ رؤية وطنية لأيّ جماعة من الجماعات، والأسس هي (الأرض والإنسان والزمان)، ويرى فيها الشرط الموضوعي الكافي لهذه الرؤية، ولعله استند في رأيه هذا إلى العناصر التي حددها المفكر الجزائري مالك بن نبيٍ لبناء الحضارة في كتابه «شروط النهضة»، وهي: الإنسان، والتراب، والوقت.
إضاءات
ويظهر العجلوني وعيه لهذه الأمور بناء على الإضاءات التالية:
1. إن الأردن هو مخيم الفتح الاسلامي الأول ومنطلق تحرير الأمة العربية من الاستعمار الغربي الروماني، وشهدت أرض الأردن معركتي مؤتة واليرموك اللتين أجهزتا على الوجود الغربي.
2. ليست هناك هوية وطنية أردنية منفصلة عن بُعدها العربي الدي تشكّل مع حقائق الزمان والمكان.
3. أكدت المؤتمرات الوطنية الأردنية التي توالت قبل عام ١٩٤٨ أن أبناء الأردن لا يرون أنفسهم إلّا عرباً، وأن خصوصيتهم الأردنية مستمدة من عمقها العربي.
4. تشكّل العروبة خيمة روحية وأفقاً قيمياً، وهي بذاتها عروبة محمد صلى الله عليه وسلم.
5. إن الوطنية الأردنية ليست محلَّ شك ولا يُنظَر إليها إلّا في إطارها العروبي.
6. من حق أبناء الأردن أن يعتزّوا بوطنيتهم مثل باقي أبناء الأمة العربية بعد أن تبين من حديث العجلوني نقاء هذه الوطنية وبُعدها عن التشوّه الأخلاقي ومجافاة الحقيقة العروبية.
ويعزز العجلوني وجهة نظره حول الرؤية الوطنية بكثير من المقالات التي نشرها في زاويته «أفق» المعروفة في صحيفة «الرأي»، وضمّن هذه المقالات كتبه المتتالية في النشر.
يقول في إحدى مقالاته: «لا ريب أن بلادنا في أمس الحاجة اليوم إلى عقول مستبصرة وإرادات خيّرة»، وورد هذا القول في مقالة نشرها سنة ٢٠١٢ بعنوان «فتنة وإصلاح»، وهذا شأنه في كل ما كتب.
وتيقت من اطلاعي على العديد من كتابات العجلوني أنه ركّز على العقل والإصلاح: «بالعقل الموضوعي الهادئ وبالأمل القائم بأسبابه، يمكن لرجال الإصلاح أن يواجهوا الفساد، من جهة، والفتنة من جهة أخرى».
ويشير العجلوني في مقالة أخرى عنوانها «وطننا وهويتنا» إلى أننا حين ننشد لسوريا ونتغنّي بها نلمس الرضا والقبول عند الجميع، أما حين نذكر الأردن في ذات الوقت نُُتهم ونلاقي العنت، وسبب ذلك هو التقلبات السياسية وصلة ذلك بالغرب المستعمر الذي رسّم الحدود وأوجب على الدول المُجزأة أن تتقاتل على هويات قُطْرية. ومما يميز الأردن بين الدول الشقيقة أنه متمسك بالروح العربية التي تستقر في أعماق وجدان كل أردني ما دام القرآن الكريم باقياً في قلوبهم، وما دامت العربية هي ذات سيادة على ألسنتهم.
فضلاً عن ذلك ربط العجلوني الأردن ببعد عربي متين حين يقول في معنى الهوية الأردنية: «بلدنا الأردن هذا يحدّه من الشرق إيوان وما وراءها ومن الغرب المحيط الأطلسي، ومن الجنوب بحر العرب وباب المندب، ومن الشمال تركيا وأوروبا»، ويؤكد ذلك بقوله: «إن حدود هويتنا هي حدود لغتنا، على مثل هذا نحيا وعلى مثله نموت، وما وراء هذا الحق إلا الباطل، الذي يمكرون».
ولا يتخطى العجلوني ما اختطه من منهج فكري عقلاني لرؤيته الوطنية، فهو ملتزم بهذا النهج على تقادم السنين وتوالي الأحداث، ويقول في كتابه «نحن وثقافة المستقبل": «فالأردن من حيث هو مهاد تاريخي لحركة التحرير العربي في العصر الحديث، ومن حيث هو بنية اجتماعية ذات طابع قومي في أصولها التي عليها يقوم».
من الشذرات الجميلة
وأُقدّر أن من أجمل ما كتب العجلوني عن الوطن كان في كتابه «الشذرات» (الجزء الثالث) الذي عنون فيه مادة رائعة عن الوطن أسماها: «في الوطن وشؤونه»، وردّ فيها على كل مارق وأفّاك، وبدأها بعنوان فرعي هو «وطن»، وقال:
"الأناشيد والأغاني لا تصنع وطناً
والتصريحات والدعاوي لا تصنع وطناً
والتلفيقات والأماني لا تصنع وطناً
وترسيم الحدود وتحشيد الحشود لا يصنع وطناً
وبناء المصانع واحتياز المزارع لا يصنع وطناً
والقدرة على التهجيع والترويع لا تصنع وطناً
ومغامرات المغامرين لا تصنع وطناً
ولبنات الطامعين لا تصنع وطناً
والتواطؤ العام على ظاهر الانسجام وباطن الانفصام لا يصنع وطناً
وكل ما نبدي فيه ونعيد وننقص ونزيد لا يصنع وطناً
فبالله الحق الذي لا يقبل إلاّ الصدق ما الوطن إذن؟».
ويعرّف العجلوني الوطن بأبسط العبارات قائلاً: «الوطن، باختصار، هو مكان تتجلى فيه كرامة الإنسان، فحيث وجد امرؤٌ مكاناً يُعزُّ فيه ولا يهان فذلكم هو الوطن، وإلّا فإنها مجرد كلمة يُتاجر بها المتاجرون أو يُخدع بها المغفلون!».
وتحدّث العجلوني بإفاضة عن الوطنية الأردنية، ويحدد سبيله إلى ذلك بقوله: «نربأ بحديث الوطنية أن يكون مضغة في الأفواه، ونرتفع به أن يكون ذريعةً لإقليمية».
ويؤكد أن بكل ذلك قد لا نخلص إلى ما يرضي العقل والضمير، وأن لا يوصل ذلك إلى أن يكون محراكاً للفتنة في مجتمع لا يحتملها.
إذاً، الوطن عند العجلوني هو سابق على الحكومة وتشكيلاتها، والدولة ومؤسساتها، وكل هذا في رأيه يجيء ويذهب، أما الوطن فهو قائم في المكان لا يبرحه، وضرب لذلك مثلاً جبال عجلون التي لم تتشكل مع حكومة شرق الأردن وأن هذا النسيج الاجتماعي ما كان في أعرافه وعاداته إلا بعد أن وُجدت الحكومات المعاصرة.
خلاصة الأمر..
يؤكد العجلوني وجهة نظره قائلاً: «إننا عرب أردنيون بالتفويض الإلهي، وبحكم الزمان والمكان، وبما كان من دماء أجداد أجدادنا وهم يهزمون الفرنجة وكل مُعتدٍ أثيم».
هذه هي الوطنية التي يسعى العجلوني إلى بيانها وبيان رؤاها حولها.
(كاتب أردني)