إن الحديث عن التسوّل الأدبي ليس تجنيا ولا جلدا للذات، بل هو توصيف لمشهد يتكرر بصيغٍ شتى: كاتبٌ موهوب يجلس متربّعا على نص عصيٍ على التصنيف، يقابله مسؤول منغلق تحرسه شلة تحتكر الجوائز والمنابر والصحف، فيكتشف أن النص وحده لا يكفي، وأن الفضيلة الإبداعية لا تفتح الأبواب إلا إذا زينتها بطاقات التعارف وأختام الولاء وعلب "المكياج" والتملق.
لقد تحول الأدب في بعض الأوساط العربية إلى حقل ملوث بشهوة الاعتراف، فالمبدع الحقيقي يجد نفسه أحيانا مضطرا ليُراكم في ظلاله شبكة علاقات تكاد تبتلع جهده ومخيلته. في هذا المشهد، لم يعد النص جوهرا بقدر ما صار وسيلة؛ وسيلة يتسلق بها صاحبها سلالم الجمعيات والاتحادات والوزارات الثقافية، ويدسها تحت أقدام اللجان، ويغري بها الأصدقاء كي يفتحوا له ثغرة في جدار الصمت. وهكذا، تتقلص مساحة الإبداع وتتسع رقعة التسوّل الأدبي، ذلك التوسل المقنع الذي يتشح بعباءة الدعم وشبكة الأصدقاء والشلة التي لا تعترف إلا بمن يلتف على المعنى ليحمي مصالحها.
وما يزيد هذا المشهد قتامة أن بعض الأصوات النقدية، التي يُفترض أن تكون الحارس الأمين للنص، تحولت بدورها إلى ألسنة مروضة في بلاط الشللية. فتكتب ما يُطلب منها، وتُهمل ما يُغضب السلطة والحلقات الملتفة حولها، حتى صار النقد نفسه سلعةً في سوق الولاءات.
إن الأديب الذي يطرق أبواب الشللية إنما يطرق نعشه بيده، فالكتابة والنقد ولادة لا تورّثها القبيلة الأدبية ولا تحرسها الشلة الإدارية. وكل إبداعٍ تزيّنه المجاملات يذبل قبل أن يبلغ المطبعة.
وإن من أسفٍ أن ترى بعض الأدباء، رغم صدق موهبتهم، لا يتردّدون في الانحناء عند أول مكالمة أو رسالة نصية، ليسيل لعابهم على موائد رجال الأعمال وكراسي المؤسسات والشخصيات النافذة. فيبيعون نبرة النص ونقاء المعنى في سبيل بطاقة عبور إلى مهرجان أو جائزة أو دعوة على عشاء. فيغدو الأدب وسيلةَ مقايضةٍ رخيصة، ويصير الأديب، عن وعيٍ أو وهمٍ، تاجِرًا متسوّلاً لأدبه، متنازلًا عن كرامة الإبداع ليستجدي عطف ممولٍ أو سلطةٍ أو هيئةٍ لا ترى فيه إلا لسانًا إضافيًا لمآربها.
وفي غمرة هذا العبث، يضيع القارئ العربي وسط تلالٍ من الكتب والأسماء والجوائز، فلا يهتدي إلى الجواهر المدفونة في الهامش ولا يسمع أنين المبدع الحر الذي اختار أن يمضي بلا جماعة ولا حاشية. إن أخطر ما في هذا النمط من التسوّل أنّه يلوّث الوعي الجمعي، إذ يرسّخ قناعة بأن الإبداع لا يُكافأ إلا بوساطة، وأن النص الجميل بلا رصيدٍ من التملّق يظل حبيس الأدراج، مهما بلغ من فرادة. وبهذا، يترعرع جيل جديد من الكتّاب على فكرة التواطؤ قبل التفرّد، فيحسنون فنّ كتابة الرسائل لا فنّ كتابة القصيدة أو القصة أو المقالة، ويتقنون طرق الانحناء أمام مراكز النفوذ الثقافي أكثر مما يتقنون بناء الجملة الأدبية الرصينة والفكرة الفلسفية المؤثّرة.
إن مواجهة هذا الواقع البائس لا تكون بشعارات عاطفية ولا بحملاتٍ موسمية ولا بجوائز استهلاكية تُمنح لمستحسني التسوّل، بل بإعادة الاعتبار إلى معيارٍ واحدٍ لا غير: قيمة النص وقدرته على الصمود خارج دائرة الأصدقاء والشلل والاحتكارات. وحدها النصوص التي ترفض التسوّل هي القادرة على العبور من زمنٍ إلى زمن، لأن جمالها يخلق لها مقعدًا على طاولة الخلود، مهما حاولت الشبكات المغلقة كتم صوتها.
على الناشر أن يتطهّر من وهم الربح السريع ويكفّ عن وضع دفاتر الأسماء فوق دفاتر الإبداع. وعلى القارئ أن يخلع عنه رداء الكسل وأن يجرب أن يبحث عن الجواهر في الأطراف لا في صدر المجالس. وعلى الكاتب أن يتذكر أن عزلة النص الشريف، وإن كانت موجعة، أشرف ألف مرة من موائد التسوّل. إن الكتابة التي تولد من جوف الحقيقة لا تخشى أن تعيش غريبة ولا أن تُطرَد من العلو، لأنها تعرف أن كل شلّة زائلة وكل اسمٍ مرتهنٍ للمديح سيسقط ذات يوم.
وحده النص النزيه يبقى واقفًا في ليل الأدب، كمنارةٍ للذين يحلمون أن يقرأوا ما لم يُزوّر وما لم يُروّج له على أكتاف الآخرين. فلنطرد التسوّل من محراب الكلمة. ولنعِدْ للكتابة جلالها الذي لا يُستجدى ولا يُرتهن. وليكن القلم وحده هو العضوية الحقيقية لأي اتحادٍ أو جمعيةٍ أو مؤسسةٍ ثقافية، والأهلية الوحيدة لأي جائزة، والصك الأوحد لأي خلود.