((كاترينا)).. مشاهد متكسرة تسردها شخصية هشَّة

تاريخ النشر : الجمعة 09:56 11-7-2025
No Image

يقع الانثيالُ الكثيف للأخبار التي تسردها «داتسي روكشاني» على لسان «كاترينا»، بطلة روايتها التي تحمل الاسم نفسه، في منطقة الوعي الذي يتواصل مع الآخرين؛ وتعود جميعها إلى سنوات مراهقة البطلة الواقعة في منتصف ثمانينيات القرن العشرين ونهاية الحِقبة السوفيتية.

وينبغي أن يتنبَّهَ القارئ -بداية- إلى أن هذا النوع من الوعي؛ أي الوعي التواصلي، قد ذُكر في المقدمة كي لا تُنسَب الرواية خطأً إلى ما تعارفَ النقاد على تسميته «تيار الوعي"؛ فهي من أولها إلى آخرها إخبار عن أحداث وذكريات.

ولعل الإطارَين الزماني والمكاني (المكان هو ريجا عاصمة لاتفيا؛ إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة، وأماكن أخرى في القوقاز تتنقل بينها البطلة)، يبشّران بتحوّلات ذات طابع سياسي قادمة؛ وهما بالفعل كذلك على أرض الواقع، بيد أن الجوَّ العام للرواية لم يلامس جوهر التحولات تلك، واكتفى بإبراز صور اجتماعية تتعلق بحياة الشباب؛ ذكوراً وإناثاً، خلال تلك السنوات.

تُدخِل «كاترينا» القارئَ عالمَها منذ السطر الأول، لكنه دخول مُربك. تخبره بشكل غير مباشر أنها في المطار مسافرة من موسكو إلى مدينة أخرى، وتسحبه معها إلى ذكرياتها الصغيرة في بيتها ومع والديها. خلال ذلك تبدو الأشياء الصغيرة ذات أهمية كبرى: مشروب الفانتا، الذهاب إلى الحمّام، والرجل السمين الذي يجلس إلى جانبها. هذا الأسلوب الذي كانت أهم سماته «مشهدية» متكسِّرة وتنقلات فجائية من فكرة إلى أخرى، طغا خلال النصف الأول من الرواية، فهي تتنقَّل من مشهد إلى آخر بشكل مبعثر؛ من المطار إلى بيتها، إلى الشارع، إلى الغجر، إلى موسكو، إلى ريجا، وتحادث أشخاصاً وتتوقف، وتذكر أحداثاً تبدو غير ذات جدوى، كل ذلك دون فواصل تنذر بتغيير الاتجاه.

يجد القارئ نفسه للوهلة الأولى في حيرة من أمره أمام هذه التداخلات؛ ما يجبره على معاودة القراءة فصلاً فصلاً، أو ربما الرواية بكاملها، كي يضمَّ الخيوط بعضها إلى بعض.

هذا الانثيال والاهتمام بما قد يُعدّ هامشيّاً مفتاحٌ لفهم سرِّ شخصية «كاترينا"؛ فهي مراهقة في السادسة عشرة من عمرها، لكنْ ما زال الطابع الطفولي يسيطر على تفكيرها. ولهذا شواهد منها الفانتا التي يرد ذكرها سبع مرات في أول ثلاث صفحات:

"وبعد انتهاء الفانتا وقف الصف خمس مرات أخرى، لذا كان لزاماً علينا أن نتوقف عشر المرات الأخرى أيضاً. الفانتا في النهاية ليست رفاهية يمكن الاستغناء عنها كمعظم الأشياء التي يصفها لينين. الفانتا فانتازيا تحمل نكهة البرتقال الطبيعي نفسه».

تبدو الفانتا قضية كونية! والطفولة سترافق البطلة طوال صفحات الرواية مشيرة إلى كثير: مغامراتها مع صديقتها سانتا، ذكرياتها مع شقيقتها صوفيا، كعك الجارة، أسلوبها في التواصل مع الأشخاص الآخرين، ورغبتها في التحول إلى كلب:

"كانوا يخبرونني أن الكلاب فقط هي التي تُربَط بحبل من رقبتها، وأردُّ بأني أرغب في التحول إلى كلب حقيقي»..

يرافق المشهدية المتكسرة، بل الفوضجية، ظهور شخصيات واختفاؤها فور ظهورها، مثل «كرينن» الذي ظهر في المطار واختفى دون إفصاح عن هويته، و"كارلس» الذي أخبرتها عنه امرأة غجرية فبدا بعد قليل كما لو أنه شخصية حقيقية قبل أن يختفي من الرواية أيضاً. هذان معاً (التكسُّر والشخصيات اللحظية) لا يمكن فهمهما إلا ضمن الطابع الطفولي الذي يحرك هذا الفيضان من الذكريات.

ويتضح بعد حين من الصفحات أن كاترينا كانت مسافرة إلى أحد جبال القوقاز للمشاركة في معسكر لمتسلقي الجبال. من هذه المرحلة تنتهي المشاهد المتكسرة، وإن بقيت القفزات الزمنية حاضرة حضوراً بات مفهوماً إلى حد ما. تنتقل الكاتبة إلى سرد يكشف الملامح العامة للبطلة خارج إطارها الطفولي الذي ظهرت به حتى الآن. هناك تخوض مجموعة من المغامرات وتكاد تفقد حياتها في إحدى تلك المغامرات، بيد أن المدرب «أوليج» ينقذها ويتولى العناية بها. تقع كاترينا في حب أوليج بعد أن مارس الغواية عليها مستغلّاً سنَّها الصغير. تتعلق به ويبقى معها في ذكرياتها حتى نهاية الرواية. تتعرف كذلك على مجموعة من الشبان الذين يملؤون المكان مرحاً وغناءً، فتعيش أجمل أيامها فيه.

ما يظهر بدءاً من الآن ملامح جوهرية للشخصية، فهي تعاني من عقدة نقص فادحة: «نعم نعم.. كان لدي إحساس بهذا وقتئذ، إنني أقل من الآخرين، أقل بكثير، نفسي تفقد القدرة على الإرادة».. «حاول جينا شرح الفارق بين كلمة فتاة وآنسة، لكن ما لا يعرفه أني غير ذكية بما يكفي».. «ينفر زملائي في المدرسة من الجلوس بجواري ويقولون لي: رائحتك كريهة». غير أنها تستطيع تجاوز هذه التفاصيل بعقلها الطفولي، أما ما لا تستطيع تجاوزه فهو اضطراباتها النفسية التي تكشَّفت في النصف الثاني من الرواية، وكان من أسباب تفاقمها، هجران أوليج لها، وطلاق والديها، ورحيل الأب الذي كان يدلِّلها ويحرص على إسعادها، ثم وفاة أمها، وهجرة أختها إلى بلد آخر.

تنكشف هنا ملامح الاضطراب النفسي بشكل أعمق: تخبر عن نفسها بأنها ليس لها أصدقاء، وأنها تفتقد ملمح الصداقة حتى مع أمها. العلاقة مع الأم مضطربة وغير واضحة المعالم، وتشي بشدة وقسوة، لكنها تشتاق لها كثيراً بعد وفاتها. بينما العلاقة مع الأب مريحة، يهديها جفوناً بولندية ويردُّ لها نقودها ويغلي لها الحليب. رحيل الأب الفجائي يجعلها في صدمة، فتعبّر الهشاشة عن غضبها تجاهه بوصفه أنه «مجرد قطعة روث جافة».

هذا عنف لفظي، وهو -ربما- أقل وطأة من العنف الجسدي الذي يظهر غير مرة في تصرفات كاترينا، لا سيما في شجاراتها مع أختها أو صديقتها ديانا، شجارات تنتهي في كثير من الأحيان بدماء وخراب.

وكلما تقدمت الأحداث اشتدَّت معاناة كاترينا النفسية؛ إذ تبدو عليها علامات الاكتئاب؛ اكتئاب ترافقه حالات إغماء، وهو ما يُعزى -طبيّاً- إلى الضيق الشديد الذي يمر به المريض. وتصف نفسها بأنها تعاني من فصام. هذا ما يظهر حين تصف الهسهسات التي تسمعها في أذنيها: «آه.. هذه الهسهسة التي أسمعها في أذني أعرفها جيداً. إنها تذكّرني بأصوات القواقع البحرية.. هل لاحظتم ذلك؟». مَن هم المخاطَبون في هذه العبارة؟ لا نعلم، لكنها تؤكد الطابع التواصلي لحركات كاترينا النفسية.

تشعر كاترينا بأن حياتها بلا جدوى، وتنتابها نوبات فزع فتُضطر للذهاب إلى أحد الأطباء، ويتكون لديها موقف سلبي تجاه كل شيء؛ الرجال والحب والأطفال والعواطف.

وفي المشاهد الأخيرة من الرواية تنتابها أفكار وجودية من ذاك النوع الذي يفكر به الأشخاص المكتئبون جدّاً. تشرح موقفها من الحياة قائلة:

"آه يا كاترينا المسكينة، دخلتِ في تلك اللعبة (أي الحياة) التي لا تدرين شيئا عن قواعدها، إنها لا تتيح للإنسان أن يصير فاعلا، لكنه فقط يسلم نفسه لله حتى لو لم يؤمن بوجوده، ذلك هو جوهر النفس البشرية».. وكذلك: «اسمي كاترينا.. الحياة بلا معنى.. لم تعد لي طاقة على احتمال الألم». «لماذا يغترّ الإنسان بنفسه، إنه لم يخلق شيئا في هذا الكون فكيف يصير خالقا».. ولعل هذه العبارة الأخيرة إشارة إلى الشعور بالعجز التام الذي يسيطر عليها أمام الحياة.

ثم تخاطب الموتَ في المشهد الأخير، فعندما يجيء الموت «تتجمَّل الحياة».. ويقودها ذلك إلى خاتمة مفتوحة على كل الاحتمالات، إذ تقرر الذهاب إلى «جسر الحديد» لترى القطار حين يمر فوق القضبان، ثم «ترى» بعد ذلك! ماذا ترى؟ يحيلنا هذا -ربما- إلى آنا كارنينا التي انتحرت تحت عجلات قطار.

يمكن القول إن الرواية الصادرة عن دار صفصافة في القاهرة، وترجمها إلى العربية محمد رمضان حسين، تحتاج إلى صبر من القارئ لكشف معالمها، فالملامح النفسية لكاترينا قُدِّمت متناثرة هنا وهناك، إلا الأجزاء الأخيرة التي انكشفت فيها معاناة الشخصية. ولعل أسلوب الكاتبة الذي اعتمد على حركية الحدث وبث الكلام داخله، إضافة إلى تقطُّع المشاهد، وخلط ذكريات من أمكنة وأزمنة بعضها ببعض، والتناقض الذي غلَّف موقف كاترينا من الأشخاص والأحداث، هذه كلها جعلت الرواية الصغيرة ذات الـمئة وثلاث وسبعين صفحة، عملاً جميلاً لكنه صعب الهضم إلى حد ما.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }