نظرية الاحتمالات في الكتابة الإبداعية

تاريخ النشر : الجمعة 09:57 11-7-2025
No Image

افترى العرب على عملية الإبداع عندما علّلوا شاعريتهم ونبوغهم في فنون القول بالإلهام المستند إلى شياطين الشعر وإخوانهم في وادي عبقر، وافترى الغرب على الإبداع عندما نصبوا له المدارس النقدية المتضاربة والموغلة في محاكمات عقلية أو نفسية مرهقة، فهل حان وقت رد الافتراءات التي طالت العملية الإبداعية في عصرنا الحديث بعد كل ما عاشته الكتابة الإبداعية من مناقشات وما اختبرته من جدالات ومداولات عبر عقود من ممارسة كتابة النصوص النثرية والشعرية بأقلام كبار الكتاب الذين ملأوا سمع الدنيا أو أولئك الذي لا يعرفهم أحد إلا خاصتهم.

لعل أسوا ما تعرضت له الكتابة من ممارسات أخفت حقيقتها وغيبت الحقيقة التي تحدث فعلا لحظةَ الكتابة هو وضع القوانين المؤطرة لعملية الإبداع، وهذا يثير السؤال الذي يدور حوله المقال: الكتابة التي تتحول إلى نص متكامل، هل هي عملية تخضع للقوانين أم إلى الاحتمالات؟ بمعنى هل وجود القانون هو الذي يضمن سمو العمل الأدبي وديمومته أم خضوعه إلى نظرية الاحتمالات التي تنطلق أولا من الكاتب في لحظات الميلاد الأولى للجملة الأولى وللنص الأول في عمله الأدبي لتلتقي فيما بعد مع المتلقي الذي يتلقفها بمجموعة من احتمالات التأويل واحتمالات الفهم واحتمالات الرموز والإسقاطات وغيرها؟

وهذا يحيلني للحديث عن نظرية الأدب التي اختلفت حولها الآراء وتعددت طرائق الفهم والتفسير، فبينما أيدها البعض ووجدوها ذات أهمية في فهم النصوص وتحليلها بما توفره من تأطير للمفاهيم النقدية فإن كثيرا ممن عارضوها تباينت أسبابهم بين اتهامها بتقييد الإبداع والإغراق في الشكل دون المضمون. وكلا الفريقين ساهما بوعي أو دون وعي في تعزيز نظرية احتمالات التفسير والتحليل التي يمارسها المتلقي بوعي أيضا أو دون وعي. فالنصوص الحديثة لم تعد أعدادا زوجية تقبل القسمة على اثنين فقط، بل انفتحت تماما على ما سماه عبدالله الغذامي "الفضاء الثقافي" الذي افضى به إلى النقد الثقافي الملامس لواقع الظرفية الزمانية والمكانية والبيئة الاجتماعية التي تم إنتاج النصوص فيها.

والسؤال الذي أثيره في هذا المقال: كيف يتعامل من يخوض في مجال التدريب على الكتابة الإبداعية مع أدوات الكتابة التي ليس من مهامها صنع كانب وإنما تجويد ممتلكاته من تلك الأدوات؟ هل يقدمها على هيئة مجموعة من المسلّمات التي لا تخذل صاحبها؟ أم كمجموعة من الاحتمالات التي تقبل النقد والنقض وتصبح قاعدة يمكن للكاتب المبدع الموهوب أن يكسرها ويتجاوزها إلى غيرها، وهنا مضمار الإبداع وهنا تكمن حقيقته.

لقد قُرئ نجيب محفوظ آلاف المرات وكذلك غسان كنفاني ومثلهما روائع الأدب العالمي وخاصة أدب ماركيز وديستويفسكي وتولستوي وأورويل وغيرهم، وقرأنا مئات المقالات التي حاولت تفسير كتاباتهم وعشرات المناقشات التي وضعت احتمالات لإعادة صنع نصوص موازية لنصوصهم وعوالم متخيلة وأفكار مستنبطة ربما لم يقصدها أحد منهم في لحظات اجتراحه للنص.

إن رواية القصص مثلا لا تحتاج إلى مختبرات وتفاعلات كيميائية معقدة، بل إلى خيال جامح قادر على خلق الصور ووصلها بعضها ببعض بخيوط بالغة الشفافية تجعل منها مجتمعةً نصا متماسكا مدهشا يمتلك في اللحظة الأولى لمولده فهما واحدا ورؤية واحدة هي تلك التي تخمرت في عقل الكاتب لحظة المخاض والوضع، لكن الوضع يتغير تماما عند أول تلقٍّ وقراءة من الآخر لتبدأ عملية التفسيرات المحتملة وكشف المخبوء خلف ذلك الرمز أو تلك العلامة اللفظية أو الصورة البيانية.

لقد أبدع أصحاب الكتب الإرشادية الممكنة من فهم النصوص وتحليل الأدب، ولكن إبداعهم يقبل الإضافة دائما مع تعدد احتمالات النصوص وابتعادها عن فكرة القوننة المطلقة التي تقفز فوق سياج إطلاق الاحكام متجاوزة إلى عالم من رحابة التأويل الذي يضمن نمو الذائقة الأدبية وتطور الكتابة الإبداعية. يقول ترومان كابوتي: "الكتابة تخضع لقوانين المنظور: الضوء والظل مثلها مثل الرسم والموسيقا، إذا كنت تعرفها فهذا جيد، وإذا لم تكن تعرفها تعلمها ثم أعد ترتيب القوانين لكي تناسبك".

التركيز على تعلم المهارة أمر هام لكل مبدع، ولكن أهميته تتتلاشى عندما تصطبغ الأداة بالرتابة القاتلة لروح التفنن والإدهاش التي تقلل تماما من مساحة المعنى التي ينبغي أن تحافظ على رحابتها متيحةً لعقل المتلقي استنباط مواطن الجمال واحتمالات التأويل.

وربما تكون أداة الوصف الأقدر على جعل العقل يقترب من فهم اللوحة السردية وتحويلها من مجرد حكي شاحب إلى نص سامق وعميق وباق. وربما يتفق الكثيرون على أن الكلمة في النص الأدبي "تُكتب بقوة الضرورة" كما تقول بثينة العيسى، وهذا يعني أنها ليست كلمة عادية بل ذات وظيفة فنية مؤثرة في بناء العمل الأدبي، وقد تتعرض الكلمات في سياقها الإبداعي إلى ما بتعرض له الضوء عند انكساره خلال منشور أو قطرة ماء فتتشتت الألوان لينتج عنها عدة ألوان أي عدة احتمالات.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }