إبراهيم العجلوني.. والاستشراق

تاريخ النشر : الجمعة 10:13 4-7-2025
No Image

قبل الذهاب إلى ما يراه المفكر إبراهيم العجلوني في موضوعة الاستشراق والمستشرقين ينبغي علي أن أحدد مفهوم «الاستشراق» بدءاً، ومن هم المستشرقون؟

فالاستشراق وقد توافق على مفهومه الكثير من المفكرين على اختلاف مشاربهم، هو اتجاه فكري يقوم على إجراء دراسات وأبحاث عن شرقنا الإسلامي والعربي، والشرق عموما، وتشمل هذه الأبحاث حضارات الأمم ودياناتها وآدابها ولغاتها وعموم ثقافاتها.

ويرى إدوارد سعيد، وهو أهم المفكرين الذين كتبوا في الاستشراق، أن الاستشراق مشروع ناجح بالنسبة للغرب، والخاسر فيه هو الشرق، وهو عمل جماعي يمتلك هوية حقيقية، تراكمية، وجماعية، وبالتالي فهو نوع من المعرفة التي لها منهج بحثي ومدرسة للتحليل والتفسير، ومجال الاستشراق هو الشرق بكل مكوناته. ومهما تكن الأهداف الخبيثة للاستشراق فإن المستشرقين قدموا خدمة عظيمة لتراثنا العربي والإسلامي من غير أن يقصدوا إلى ذلك.

وأشار إلى هذه الخدمة الكثير من المعنيين بأمر هذا التراث من جهة والاستشراق من جهة أخرى. يقول محمد كرد علي في كتابه «أثر المستعربين من علماء المشرقيات في الحضارة» الغربية": «لولا عناية المستعربين بإحياء آثارنا لما انتهت لنا تلك الدرر الثمينة التي أخذناها من طبقات الصحابة وطبقات الحفاظ ونحو ذلك». ويقول محمد الدسوقي في كتابه «الفكر الاستشراقي/ تاريخه وتقويمه": «لقد قام المستشرقون بنشر الكثير من نفائس التراث الإسلامي نشرا علميا يسّر لنا الانتفاع بهذا التراث، وهذا بفضل الاستشراق ولا يمكن غض الطرف عنه مهما تكن بواعث المستشرقين في ذلك».

إذاً، يمكن حصر إسهامات المستشرقين في خدمة تراثنا في خمس حالات هي: البحث عن المخطوطات والرحلة إليها وجمعها ونقلها وحفظها وصيانتها، فهرسة المخطوطات وتوثيقها وضبطها، تحقيق كتب التراث، إجراء الدراسات حول التراث مع العناية بالمعاجم، وترجمة التراث إلى اللغات الأوروبية.

أما ما ورد في كتب إبراهيم العجلوني عن الاستشراق فهو متعلق بأهدافه ومراميه، فوقف لها العجلوني راصداً ومحللاً ومنبهاً، وهو من العالمين بتراثنا وفكرنا الإسلامي والعربي والمنافحين عنه بصلابة، ومع الإشادة بهذا النهج الذي اختطه العجلوني في مواجهته للمستشرقين نجد مِن فهمه العميق للثقافة العربية الإسلامية رجاحة في تفكيره عند قراءته الجهود الاستشراقية بموضوعية تامة، فلا يهاجم متسرعاً ولا يهادن متخاذلاً خائفاً ومجاملاً، فهو قادر بعقله الراجح ليرى ببصيرته ما يجعل رؤياه صلبة ثابتة لا تقبل النقض أو أن يتجرأ عليها من تنقصه الحكمة والنظر الصائب.

حين قرأ العجلوني عبارة الشاعر الإنجليزي «رديارد كبلنج": «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا» لم يتلبث أمامها طويلا، إذ بحث فيها وأحاط بها علما ليقف على مقصد الشاعر من هذه الجملة الشعرية التي في ظاهرها القطيعة كما يقول العجلوني وفي سياقها الأصلي غير ذلك، ويقول: «هي أكثر ما قيل في العلاقة بين جناحي البشرية تعرضاً لسوء الفهم، فهي أولاً تم اقتطاعها من قصيدة لا نفهمها إلا في سياقها، وثانياً اتخذت العبارة بعد اقتطاعها دلالة لم يكن الشاعر يقصدها على نحو ما تداولها القراء، واستقر في الأفهام». ويتم العجلوني: «يقول كبلنج في قصيدته (الشرق شرق والغرب غرب.. ولن يلتقي التوأمان حتى يقف أهل الأرض والسماء أمام كرسي الحكم العظيم الديان، لكي يكون شرق وغرب ولا حدود ولا تفاضل بالعرق والميلاد)».

هذا ما ورد في كتاب العجلوني (نحن ومفكرو الغرب/ نظرات في المختلف)، وفي الكتاب نفسه يعرض ما قاله الشاعر الألماني «فريدريخ ريكرث» عن الشرق والإسلام: «ها قد شاهدت، قد جاء من الشرق تيار من النور، وكيف أنه في مواجهة ذلك انطلق من الغرب تيار من القوة».

ويرى العجلوني أن ما جاء في شعر هذين الشاعرين صحوة ضمير عند الحديث عن المد الاستعماري الغربي وتغوله وانسلاخه من أي شعور إنساني في غزوه البربري الذي ديدنه وغايته القصوى السلب والنهب.

وفي المقابل يأخذنا العجلوني إلى ما يقوله بغض المستشرقين بحذر شديد، مؤشراً إليه بوضوح وثبات، وكأنه يقول إن خطر الاستشراق يضاهي خطر الاستعمار مستنداً إلى ما وجده عند المستشرق الصهيوني (برنارد لويس) وهو المعتمد عند الأمريكان، فهو صهيوني النزعة غربي الشرور، انتشرت له مقولة: (لماذا ما يزال المسلمون والعرب يرفضون أن يهدأوا ويقبلوا بسلطان إسرائيل على الشرق الأدنى)، ووفق العجلوني فإن «الشرق الأدنى» في عين الاستشراق هو المشرق العربي الإسلامي الذي يطمح الإسرائيليون إلى السيطرة عليه.

ويرى العجلوني أن ما ذهب إليه لويس هو رؤية يهودية تكشف صهيونيته البغيضة التي يرى الغرب من خلالها (جوييم)، أي أقل مرتبة عند تصنيف البشر، وما كان من الولايات المتحدة إلا تبني هذه الرؤية العنصرية المعادية، ولا يكفّون عن المجاهرة بها في كل حين مع الدعم المطلق للكيان الصهيوني، ونعلم أن سعي اللوبي الصهيونى في أمريكا متعاظم للسيطرة على السياسات الأمريكية ما قبل ترومان حتى الآن.

وقد أشار إدوارد سعيد إلى خطورة ما ذهب إليه لويس وأضرابه وتأثيره على طلبة وأساتذة من العرب والمسلمين الذين يتشوقون ليجلسوا تحت أقدامه، ومن الذين وقعوا في شرك هذه النزعة الاستشراقية: صادق جلال العظم وهشام الشرابي وغيرهما.

يقول العجلوني بعد فهمه الدقيق للاستشراق وما ترتب على ذلك، بأن الولايات الأمريكية تسعى إلى «تغيير مناهج التدريس وأساليبه في بلادنا العربية».

ومن إحاطته الدقيقة بالطوق الاستشراقي الذي يخنق أمتنا ينفذ العجلوني إلى عمق هذا الطوق ويعقد مقارنات بين هذا المستشرق وذاك، مما ينم عن وعي وراية واطلاع الواسع على اتجاهات الاستشراق ومراميه، لقد قرأ الروائي الألماني «هرمان هسه» جيداً، وأَلمَّ بما انطوت عليه نفسه من فكر وثقافة وفهم للثقافة العربية الإسلامية، ويقول عنه: «إنه غادر عطن الثقافة العرقية اليهودية إلى آفاق الإنسانية المتراحبة»، ويقول: «نجد أن إسحق دويتشر يجعل من ثوريته الماركسية سلّماً لأهدافه الصهيونية»، وأشار إلى كتبه التي بث فيها سمومه مثل «اليهودي المتمرد»، وهو من ثلاثة أجزاء وتحدث فيه عن اليهودي الشيوعي «تروتسكي»، وكتابه «اليهودي واللايهودي» الذي غرق في التلمود والمزاعم الكاذبة، وزعم فيه أن الأقدار وحدها هي المسؤولة عن مأساة الفلسطينيين، وبزعمه أن ما جرى لليهودي واللايهودي هو مجرد صدفة مؤلمة وكان الغرب المتوحش هو المسؤول عن ذلك.

وفي إحدى مقالاته التي نشرها في صحيفة «الرأي» تحت عنوان «سوء فهم وسوء نية» يتناول العجلوني الاستشراق بدقة فائقة، ملتمساً سبيله في ذلك إلى ما قاله العقاد عن المستشرقينظ: «يقرنون سوء الفهم بسوء النية لأنهم يخدمون سياسة المستعمرين، أو سياسة المبشرين المحترفين، أو ينظرون في بحوثهم نظر الغربي الذي ينظر إلى الشرقي نظرة المتعالي عليه في ماضيه وحاضره».

ويشير إلى ما كان من أمر «مرجليوث» الذي أنكر وجود الشعر الجاهلي، وهو أول من نادى بتهمة افترائه، وسار على دربه البغيض طه حسين حين كتب كتابه «في الشعر الجاهلي» الذي أغضب المثقفين في عصره ونشبت معارك فكرية وثقافية ونقدية حامية الأوار، فتراجع طه حسين عن شططه في هذا الكتاب، الذي أسماه فيما بعد «في الأدب الجاهلي»، وفعل مثل كتابه السابق ما تضمنه كتابه «حديث الأربعاء»، وقد تصدى له عدد من النقاد المعروفين مثل الرافعي ومحمد فريد وجدي ومحمد محمود شاكر.

ولا يكف العجلوني عن النظر العميق في نتاج المستشرقين الغربيين، ومعظمهم يهود، ففي مقارنته بين الروائي الألماني اليهودي «هرمان هسه» الذي اكتفى من اليهودية برموزها ولم يغرق بأهدافها المدمرة، وبين «كافكا» الذي تَمثَّل رموزه اليهودية وحولها إلى صهيونية خالصة وغلفها بالغموض، ويقول العجلوني: «هذا ما نجده في قصة (في المحكمة) وفي قصص قصيرة أخرى، وقلما التفت قارئوها إلى صهيونية رموزه».

ومن هؤلاء: جاك دريدا، وبرنارد لويس، وكارل بوبر، ونعوم تشومسكي الذي سوّغ في فلتة منه عجيبة ضرب هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين بالقنبلة الذرية الأمريكية، وتعاطف وجودياً مع الضابط الأمريكي الذي ألقاها، وبهذا الموقف يثبت تشومسكي أنه غارق في الليبرالية الشرسة والرأسمالية الدموية كما يذهب العجلوني.

في نهاية الأمر، لا يغفل العجلوني في كثير مما كتبه عن الاستشراق عن تغلغل سموم الصهيونية إلى عمق الأكاديميا الغربية وفي الدوائر الرئيسة لصنع القرار السياسي الغربي، وتتسلح هذه الأهداف بالجوائز التي تقدم في أحيان كثيرة الباطل على الحق، مثل جوائز نوبل والأوسكار والبوكر.

الحديث عن الاستشراق عند العجلوني متواصل في مقالاته التي نشرها طوال سنوات عمره في الصحافة، وضمّتها الكثير من كتبه، وما نحن في هذه المقالة إلا صائدو شذرات من هنا وهناك للإطلالة على موقف هذا الكاتب من هذا المنحى الخطير.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }