تشكّل رواية «السيح» لمجدي دعيبس تتمة لمشروعه الروائي المتعلق بالثورات العربية في بداية القرن العشرين؛ وهو مشروع بدأه بـ «الوزر المالح» التي تناولت الثورة العربية الكبرى، ثم ثنّى عليه بـ«قلعة الدروز» التي سلطت الأضواء على ثمرة جبل العرب في سورية، واستكمله بروايتنا هذه؛ «السيح» التي استمدت من ثورة البراق في فلسطين، عام 1930، وما تلاها، سياقاً زمانيّاً ومكانيّاً تجري فيه الأحداث.
ولعل ما يميز هذه التجربة بمجملها جعلها الواقع الاجتماعي العنصرَ الأبرزَ في بناء الحدث؛ إذ لا يطغى الجانب السياسي على الجانب الإنساني فيها، بل إنها تبدو كما لو أنها تستخدم السياسي والنضالي متكأً لما تريد أن توصله من رؤية إنسانية واجتماعية. هذا العالم المتخيَّل الذي «تنتجه» الرواية هو بيت القصيد؛ وهو غاية الفن في حقيقته؛ إذ ليست مهمة الروائي أن يعيد سرد التاريخ، بل أن يقدم رؤية تتكئ على الحدث الكبير.
ولما كانت الثورة الفلسطينية هي الموضوع بدت هواجس الكاتب تتضح منذ لحظة السرد الأولى، رغم ما بدا من عمليات تمويه لجأ إليها الكاتب في الإهداءين اللذين تصدَّرا الرواية؛ وهما نصٌّ لفؤاد حجازي أحد شهداء سجن عكا، ثم إهداء لأمهات الثورة. ثم اتضح بعد ذلك أن الكاتب يوجّه الأنظار إلى شرق الأردن، ويتخذ من أفراد عائلة تسكن هناك؛ في جبل عجلون، أبطالاً للرواية بمجملها.
يُفصح الروائي هنا عن نفسه وعن هواجسه؛ فالمكان مكانه، والناس الذين يتحدث عنهم هم أهله المقرَّبون، والأواصر بين شرق النهر وغربه، متينة ومنصهرة، ما يجعل الحدث برمته مبرراً وإن كان ينتمي إلى عالم الخيال.
ولعل هذا الانشغال بفلسطين كان شغلاً شاغلاً لمعظم كتاب السرد الأردنيين الذين سبقوا مجدي دعيبس أو جايلوه. نضرب لذلك مثلا بتيسير السبول، وفؤاد القسوس، وسليمان القوابعة، ومحمد عيد، وجمال ناجي، وأيمن العتوم، في فن الرواية، وكذلك محمود سيف الدين الإيراني، وأمين ملحس، وعيسى الناعوري، وإبراهيم غبيش في فن القصة. إن الانشغال بفلسطين عند عامَّة هؤلاء، ومنهم دعيبس، كان انشغالاً بالذات الغارقة في قلب الحدث الفلسطيني، يُضاف إليه -بطبيعة الحال- الجانبان القومي والعقدي اللذان أجَّجا هذا الانشغال.
تمضي أحداث الرواية ضمن ثلاثة خطوط يكمل بعضها الآخر؛ وهي:
أولا، خط الأب لطفي السايس، الذي تعوَّد أن يذهب في بواكير شبابه إلى فلسطين بهدف التجارة، فحدث أن صادف في مرة من المرات -بمحض الصدفة- فتاة من قرية دير غزالة في جنين (تركية) فوقع في حبها، وقام بخطفها فجأة في خطوة مرتجلة لم يسبقها تدبير من أي نوع، ثم تزوجها عند وصوله إلى السيح.
ثانيا، خط الابن سند؛ ابن لطفي وتركية، الذي خرج مغاضبا بعد عقاب قاسٍ تعرض له من والده إثر خطأ ارتكبه، فتوجه غرباً نحو فلسطين، لكن حظه السيئ قاده إلى بقعة كانت قوة إنجليزية تترصد فيها مجموعة من المجاهدين الفلسطينيين، فظنوه من المجاهدين وقبضوا عليه، ليبدأ رحلة سنوات قضاها في سجون الاستعمار.
ثالثا، خط الابن مقبول (أيضا هو ابن لطفي وتركية) الذي خرج للبحث عن أخيه فوصل إلى فلسطين، وفي لحظة قدرية واجه جنوداً إنجليزاً أرادوا اعتقال بنت فلسطينية اسمها «بهيجة»، فأنقذها منهم، وقادته خطاه معها إلى مجموعة من الثوار الفلسطينيين الذين اتضح أن بهيجة تعمل معهم، وصار منذ تلك اللحظة واحدا منهم.
تتشابك الخيوط بعضها ببعض وتنتهي بزواج مقبول من بهيجة؛ قريبة أمه، بل بنت خاله بالتحديد، وعودته إلى السيح بعد حين من الزمن، تلاه حين آخر طويل قبل أن يخرج سند من الحبس ويعود إلى أهله أيضا.
ما يمكن قوله هنا إن الروائي اشتغل بين مُعلَن ومضمَر في روايته. من المعلن على سبيل المثال ظهور الأحداث التاريخية التي واكبت تلك الفترة (ثورة الفلاحين، جرائم عصابات الهاغاناه، وثورة عز الدين القسام، وتنكيل الاستعمار بالفلسطينيين) ظهورا لطيفا خدم البنية الروائية ولم يُثقل على القارئ، وكذلك استخدامه الشعر والغناء الشعبي الذي شكل مدونة الثورة وعمل على بث الهمم في النفوس.
يسند ذلك تنويع في الرواة؛ فكل بطل من الأبطال المذكورين (سند، مقبول، تركية) كان له نصيب من سرد الأحداث، ومن ورائهم راوٍ عليم اضطلع بمهمة ربط الخيوط بعضها ببعض، مع حرص من قِبل دعيبس على التقطيع، ثم الاستئناف، والسرد داخل السرد، كل ذلك بهدف رفع مستوى التشويق عند القارئ وإبقائه مشدودا إلى أحداث الرواية.
ومع التنويع ظهرت رشاقة لافتة تميزت بها الرواية؛ إذ حرص دعيبس على تخليص السرد من كل ما لا يخدم الحدث، وهي رشاقة انعكست على اللغة جملاً وتراكيب، وعلى المشاهد، وعلى الأحداث، وعلى البنية العامة التي جاءت في منزلة بين المنزلتين؛ فلا هي مكثفة تكثيف القصة، ولا هي مهلهلة، إنما مضبوطة، وكل حدث فيها محسوب، والهيكلية فيها واضحة من أولها إلى آخرها.
أما المضمر في الرواية فله شأن آخر! نسأل هنا: هل لدى الكاتب انحيازات؟ هل هو «رسالي» بحسب وصف بعض النقاد لروائيين آخرين؟
يمكن الاستشهاد هنا برأي جورج أورويل بهذا الخصوص، فهو يرى أنه: «لا يخلو كتاب من تحيّز سياسي، وأي مطالبة بإبعاد الفن عن السياسة هي بحد ذاتها موقفٌ سياسي».
سأستعيض بكلمة «فكر» عوضاً عن سياسة هنا؛ إذ لا يمكن تحييد «وعي الكاتب» عن عمله، وهو وعي تحكمه السياسة أو الأيديولوجيا أو الفكر أو الرغبة، كلها مترادفات لمعنى واحد هو ما يدور في ذهن الكاتب ويدفعه إلى الكتابة من الأساس.
المضمر يمكن استنتاجه عبر استنطاق أحداث الرواية، وأولها ذاك التلاحم بين ضفتي النهر، إنها بقعة جغرافية واحدة ذات تاريخ مشترك، وحاضر متشابك، ومستقبل واحد، ولا بد للفرد فيها من أن يجد نفسه «متورطاً» في قضاياها، قصد ذلك أو لم يقصد.
لقد اكتوى كلٌّ من سند وأخيه مقبول بنار الثورة الفلسطينية، ودفع كل منهما ثمنا أسلمته إليه حقائق التاريخ والجغرافيا. إنها إكراهات من ناحية، وواجب من ناحية ثانية، تلقاها الأخوان بطيب خاطر، بل انغمسا فيها، وعدّاها قدرا لا يمكن تجاوزه.
أما الأب والأم فالمضمر في شأنهما أعقد؛ إذ عاد لطفي من فلسطين بمحبوبته. لعل في هذا ما يشير إلى ما تشعُّ به الأرض المقدسة منذ فجر التاريخ من حب وجمال. فلما جاءت الأم إلى ذراع النهر المقابلة، مكثت حيناً، وهي المختطفة، إلى أن شعرت بالأمن وبأنها تقيم في أرضها.
والأهم من ذلك أنها أنجبت ذرية ودُفنت حين ماتت في أرض زوجها وأولادها، فبقي أثرها في شرق النهر ما بقي فيه إنسان. هذا يختلف كثيراً -في مخرجاته- عن روائيين آخرين أرادوا -عبر أعمالهم الروائية- نسج علاقة مع هذه الأرض. يمكن لنا أن نضرب مثلا هنا برواية «النبطي» ليوسف زيدان؛ ففيها بطلة اسمها «ماوية» تزوجت رجلاً من أهل البتراء، غير أن ماوية لم تشعر يوما واحدا باستقرارها فوق هذه الأرض، وبقيت تعاني الويلات من زوجها الذي وصفته الرواية بأقذع الصفات. ثم عادت ماوية إلى مصر، وانتهت الوشائج التي تربطها بالبتراء وكأنها لم تكن.
الفرق شاسع بين رؤيتي الرواية؛ في «السيح» استقرار ودفء وذرية، وفي «النبطي» عذاب وعقم وزوج عربيد وعودة إلى غير رجعة.
قد يكون المضمر مقصودا أو غير مقصود، لا أريد أن أُحمِّل الرواية فوق طاقتها، لكن نظريات التلقي تبيح لنا -نحن القراء- أن نعيد تركيب النص لنقدم فهماً جديداً له.