حوارات الظلال في أم قيس
كان الغروبُ ينزفُ عصارته الذهبية فوق تلال أم قيس المُتشظيّة كزجاجٍ تاريخي، والصمتُ ليس صمتًا، بل هو همسُ الحجارة البازلتية التي رأتْ أكثرَ مما تحتملُ الذاكرة. هناك، حيثُ تنتهي الجغرافيا ويبدأ اللامكان، وقفَ صالح حمدوني يحملُ كاميرته كحاملِ أسرارٍ قديمة، عدستُه عينٌ ثالثةٌ تلتقطُ ما لا يُرى.
قلتُ له: «أليسَ التصويرُ نوعًا من السرقة؟ نختلسُ اللحظةَ من قبضة الزمنِ الأبدي؟».
ضحكَ كمن يعرفُ أن الضوءَ خائنٌ. قال: «بل هو محاولةٌ لإيقافِ الانهيار، كلُّ صورةٍ هي شاهدُ قبرٍ على لحظةٍ ماتتْ فورَ ولادتها».
كانَ صالح يُحرّكُ يديهِ فوق الكاميرا ككاهنٍ في طقسٍ غامض. «انظرْ إلى هذه الصخرةِ المُتدلية على حافةِ الهاوية، كيفَ ترفضُ السقوطَ منذُ آلاف السنين. هذا هو التكوينُ الحقيقيُّ–أن تضعَ الفراغَ حولَ الجوهر، كي يُصبحَ الفراغُ جزءًا من المعنى».
تذكرتُ كلامَ الفلاسفةِ عن السلبِ كوجود، وكيفَ أن الظلَّ لا يقلُّ أهميةً عن الضوء. هنا، في أم قيس، حيثُ كلُّ حجرٍ يحملُ طبقاتٍ من الصمت، كانَ «التكوين» يعني أن تُخرسَ الفوضى بتوازنٍ هشٍّ كخيطِ عنكبوتٍ فوقَ الهاوية.
عندما انسحبَ النهارُ خلفَ التلال، أخرجَ صالحُ عاكسًا فضيًّا كمرآةِ ساحر. قال: «الإضاءةُ ليستْ مجردَ إنارة، بل هي لغةٌ للخداع. نصنعُ شمسًا ثانيةً حيثُ لا شمس، ونخفي العيوبَ بظلٍّ مُتعمّد».
قلتُ: «أليسَ هذا تزويرًا للحقيقة؟».
هزَّ رأسه: «الحقيقةُ لا تُصوَّر، الصورةُ هي الكذبةُ التي نفضّلُ تصديقها».
رفعَ ISO الكاميرا فظهرتْ حبوبُ الضوضاءِ كنجومٍ مريضةٍ على جسدِ الصورة. قال: «انظرْ، هذه هي رغبةُ الكاميرا في البقاءِ حيةً في الظلام، حتى لو كلّفها ذلك التشوّه. أليستْ حياتنا كلّها محاولةٌ لرفعِ الـ ISO دونَ أن نفقدَ وضوحَنا؟».
الزوايا كجراحٍ قديمة
***
في مدينة حيّة متشبّعة بالرطوبة والنسيان والاحتمالات المعلقة كقطرات على زجاج قديم يتحرك صالح، لا كمجرد مصور يسجل السطوح، بل كفيلسوفٍ مسلح بعدسة هي امتدادٌ متجسد لرؤيته، وقلمٍ هو سكينٌ تشريحٍ للحقيقة المتوارية خلف ستائر الواقع المألوف؛ إنه صيادٌ للجوهر، ثائرٌ ضد تسطيح الوجود، يحفر بعدسته المستنيرة في أعماق الرصيف والمبنى والوجه البشري، لا ليستخرج صورةً فوتوغرافيةً جامدة، بل ليرسم خريطةً وجوديةً تنبض بالقصص المدفونة، تلك الحكايات الصامتة التي لا تبوح بأسرارها إلا لمن يمتلك جرأة التحديق في الجمال المختبئ تحت قشرة القبح، وفي الشجاعة المتوارية خلف قناع الخوف، وفي الحياة المتدفقة رغم شظف الظروف وجفاف الروح.
لم تكن عدسته أداة تسجيلٍ سلبية، بل كانت سلاحاً بصرياً يقلب الموازين، وكائناً مستقلاً يتنفس ويرى ويلمس النبض الخفي للمكان والزمان، فصوره لم تكن انعكاساتٍ للضوء على مستشعر رقمي، بل كانت شظايا مرايا مكسورة تعكس أجزاءً من حقيقة المدينة المتراكبة والمتناقضة، مرايا تلتقط ليس الشكل بل الروح، ليس اللحظة بل التاريخ المكبوت فيها، ليس الجسد بل الوجع والأمل المتشابكين في عروقه؛ وهكذا، كانت كل نقرة غالقٍ لديه طقساً وجودياً، عملية استخراجٍ للكنز المطمور تحت طبقات الإهمال والزيف.
ولكن صالح، هذا الثائر البصري، لم يقصر تمرده على حدود الإطار الفوتوغرافي؛ فحين تُطوى العدسة وتُغلق عينها الحديدية، تنفتح عين القلب، وتتحول الطاقة الثائرة إلى حبرٍ جارٍ على الورق. كانت كتاباته القصيرة، المنبثقة من أعماق قلقه الفلسفي، ليست مجرد نصوصٍ سردية، بل كانت طلقات مدوية ضد جدران الصور النمطية المسلطة على الوجود، وتمجيداً صارخاً للتناقض الإنساني، بحثاً متواصلاً عن بذور الجمال حتى في تربة المأساة الأكثر قسوةً وعتمةً. كانت كلماته محاولةً مستمرة لفك شيفرة العالم، لاستعادة البعد المقدس في التفاصيل العابرة التي ينساها المارون، لتحدي السائد واقتراح واقعٍ موازٍ قائم على إدراك عميق للجمال كمقاومة، وللحب كفعل تحرير.
وفي صميم هذا العاصفة الفكرية والعاطفية، كانت حبيبته -ذلك الميناء الهادئ في بحر صخبه الداخلي- تمثل القطب الآخر الضروري لكيانه؛ فهي ليست مجرد رفيقة درب، بل هي الأرض الخصبة التي تُزرع فيها بذور إلهامه، والمكان الذي يجد فيه ملاذاً من ضجيج المدينة وصراخ عدسته الداخلي، حيث يتنفس هواءً مختلفاً، هواء القبول والحوار الصامت الذي يسمح له باستكشاف أعماق جديدة في نفسه، وفي علاقته بالعالم، متحرراً للحظات من عبء الثورة ليعيد شحن روحه من ينبوع الهدوء والحب الذي تمثله.
وهكذا، يظل صالح -المصور الذي يحول الضوء إلى فلسفة، والكاتب الذي يحول الحبر إلى دم، والثائر الذي يحول السؤال إلى فعل- جسوراً متعددة بين العالم المرئي والعالم المكنون، بين السطح والعمق، بين الثورة والسلام؛ إنه كائنٌ نسيجيٌ ينسج من لحظات المدينة الضبابية، ومن حبر تأملاته، ومن دفء حبٍ يمنحه القوة، نسيجاً روائياً واحداً هو سيرته الذاتية المتخيلة والواقعية في آنٍ معاً، نصاً كونياً يروي قصة الجمال الهارب، والحرية المتوخاة، والتحدي الوجودي المستمر ضد النسيان والتسطيح، يعيش ويعبر عن عوالمه بلغةٍ بصريةٍ ولفظيةٍ تثير في المتلقي ليس الفضول وحسب، بل ذلك القلق المثمر الذي يدفعه للتساؤل: أين الجمال المختبئ في زوايا عالمي؟ وأين صوتي الثائر ضد القيود؟ إنه تشريحٌ مستمرٌ للحظات الهاربة، بحثٌ أبديٌ عن النبض الخفي للوجود تحت ضجيج الحياة.