عندما تقرأ شعرا يلتحف اللغة التحافا ويدخل في زواياها، تتذكر أن اللغة العربية جسر نعبر فيه من زمن إلى زمن..
هكذا يحملنا الشاعر محمد خضير بقارب مصقول بجواهر العربية ليبحر بنا إلى زمن كانت فيه اللغة تجلس على عرش اللغات ليبطل ذريعة بعض شعراء اليوم الذين يعزون ضعفهم اللغوي لمواكبة التطور والعصر الحديث، وهذا ما نجده عند خضير في قصيدة «الناسك»؛ فهي القصيدة المثقفة والناقضة يشترك فيها مع شعراء الحداثة في كسر النسق والبحث عن القصيدة ككشف وجودي، فهو يرفض البنى التقليدية ويستخدم الرمز والانزياح كأدوات مركزية وبصور حداثية مكثفة، وهو يقترب من النزعة التأملية والدرامية؛ خاصة في تصوير الذات المتألمة والمهزومة في رحلة بحث الإنسان عن الحقيقة، فالمفارقة بين نظرة الناس التقليدية بوصفه زاهدا في الدنيا منقطعا للعبادة وبين انفعالاته الداخلية التي تكشف عن تمزق روحي وحنين دفين إلى الحياة، فهو ناسك يبحث عن العزلة ومأخوذ بنداءات الحياة ويهرب من الضوضاء، لكنه يظل يصغي للضجيج؛ فهي أزمة الإنسان المعاصر الذي يسعى للتسامي لكنه مأخوذ بجراحه وماديات الواقع.
هذه القصيدة عمل رمزي درامي نفسي فلسفي، يحمل رحلة الانحدار من التجريد الروحي إلى خذلان الجسد، وهي اعتراف مرير بأن الحب والشعر لم يكن يوما خلاصا إنما لعنة جمالية ومرآة ترينا أنفسنا حين نفقد الوهم ونكتشف هواء الحقيقة.
إن قصيدة «الناسك» تفتح بابا واسعا للمتلقي للتأمل في مأساة الهوية والخذلان وهو يتفنن في دفع المتلقي للمشاركة في توليد المعنى ربما في حالة حب لم تكتمل دمرت توازن الذات وصيّرت الحبيب ناسكا يعبد وهمًا يدعى الأنوثة، وربما كانت تجربة صوفية كاذبة؛ فالعشق ليس روحانيا صافيا، بل هو خادع، والذات اكتشفت الزيف والخداع في نهاية الطريق، والأبيات تطرح سؤالا: هل الخذلان جزء من نضوج الروح؟، فالناسك يتيه في ظله؛ لأنه لا يجد يقينا إلا في الماء، ثم يكتشف بكل مرارة أن الماء طافح بالوحل ناسك يحب رغم رمزية الانقطاع للعبادة لا للغرام، وفي مفارقة أخرى يقاتل ظله في معركة مع الذات لا مع الآخر: «يا قلبها.. ما كان أقسى قلبها».. هذه العبارة تكشف عن جمالية تركيب، إذ يعيد الشاعر الكلمة ليقلب المعنى إلى الضد، وقد غدت الكلمة تنتقم من مبدعها والقصيدة مجرمة قاتلة بعد أن حاول الشاعر قتلها كما قوله «فقتلت شعرا واستقلتُ من الهوى وأنا أحاول في القصيدة قتله».
والناسك هو العتبة النصيّة الأولى، وهو يرمز للتجرد والعزلة والانفصال عن المادة، لكنه في النص يحمل مأساة الإنسان الضعيف صاحب الهوية المترددة.. الذات حين تنعكس في وعيها ولا تجد سوى طيفها.. أما الرمل فيرمز للتيه واللاجدوى والسير بلا أثر، في حين رمز الماء الزلال للحياة قبل أن يكتشف الشاعر أن الماء خادع يحوي الوحل، في إشارة لمدى خداع وخذلان الحياة ومكرها، مما يحيلنا إلى نقد صوفي ساخر.
«يا قلبها.. ما كان أقسى قلبها»: انزياح يعكس التوتر.
«قلق يقلب رحله».. قلب الصورة الذهنية المعتادة لخلق توتر تعبيري.
والدراما بنية تصاعدية للحوار الداخلي.. حوار وجودي يتجلى فيه الصراع بين الجسد والروح، فقصيدة «الناسك» تمثل مشهدا دراميا داخليا غنيا، فالشخصيات (الشاعر والحبيبة والظل والقصيدة) كل يتحرك في دوره، والحوار الضمني بين الذات والآخر الغائب يمثل حوارا بين الرغبة والخوف.
وفي ذروة التأزم نجد لحظة الانكسار بعد عبادة الوهم والجمال ووقوع الشاعر في قبضة القصيدة التي استولت عليه رغم أنه أراد التحكم فيها. وفي نهاية أليمة يتجلى الفقد ما بين فقد القصيدة وفقد الذات.
لم يرد التكرار في قصيدة «الناسك» على أن هدفه مجرد تقوية للإيقاع، إنما استطاع خضير استخدامه كأداة نفسية ناجحة خدمت القصيدة والمعنى، وتكرار الجذر (قلب) يضخم وقع المفارقة، وتكرار الكلمة في مواقع مختلفة (ظل، ماء، صوت) يعزز التيه وفقدان اليقين والتخبط في الشك، وتكرار البنية الشعورية يجعل القصيدة تتأرجح بين بدايات اليأس ونهايات الصدمة، ونجد توظيفا للصورة اللونية (ظله، النهار، الشمس، ليل) لتدل الشفافية والخروج من العتمة (الماء الزلال) للبحث عن الذات.
جميلة تلك القصائد التي تستطيع أن تأخذ الناقد لعالم مختلف عن بقية العوالم.. هذه هي قصائد محمد خضير؛ تأتيك تحمل معها تذاكر للسفر، تصحبك عبر بحر متراقص وبكلمات تحتضنك عندما يأتيك بموجة عاتية.. ترى في قصيدته الفصول الأربعة؛ فالحب يجتمع مع الكراهية، والحزن مع الفرح، بتوليفة سيمفونية.
هناك قصائد كثيرة تعيد قراءتها مرات ومرات لا لعجزك عن فهمها، بل لمحاولة الوقوف على قدرة الشاعر على تركيب كلماته ليبحر فيها إلى عمق لم تكن أبحرت فيه سابقا.
هنيئا للسطور التي استطاعت أن تحوي كثافة هذه المعاني، وهنيئا للمتلقي الذي يتوق إلى رحلة تستحق عناء السفر.