قال العقل للقلب: ما لك يا قلب؟ أراك تائهًا، غارقًا في ضوء لا يضيء، وفرحٍ يشبه الوجع.
رد القلب: كنت في عليائي، يا عقل... لحظات نادرة، شعرت فيها أن السماء احتضنتني، وأن النور استقرّ في أعماقي... ضحكتُ من جوفي، وازدهرتْ روحي، كأنني وُلدت فقط لهذا الفرح.
العقل: وهل ظننتَ أن دوام النشوة ممكن؟ أن الحياة ستمنحك القمم وتقيم فيها معك؟
القلب: لكنني كنت في مركز الكون... أحببت، ونجحت، وامتلكت كل ما حلمت به... ثم... عادت الحياة لطبيعتها، فجفّت الأيام، وضاقت اللحظات.
العقل: أنت مَن رفع السقف، حتى أصبح لا يُطال. مَن ذاق قمم السعادة، لا تعود أرض الواقع تُرضيه. النفس حين تعتاد القمة تزدري الهضبة.
القلب: ربّيت في داخلي وحشًا خفيًّا اسمه «التعلّق»... ظننت أني امتلكتُ ما يسعدني، فتشبّثت به، وارتجفت كلما خُيّل إليّ فقده.
العقل: وهنا تبدأ اللعنة. فالفرح حين يغدو قيدًا، ينقلب إلى ألم. وما من شيء يبقى، يا قلب... «كل شيء فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام».
القلب: انسحب الفرح.. تسرّب من بين أضلعي كالماء... وتركني في هاويةٍ لا يفهمها من حولي: فراغ بعد الامتلاء، توقٌ إلى ما لن يعود.
العقل: ذاك أخطر الحزن: ما يولَد من رحم النعمة. ألم يعرفه مَن فرِحَ كثيرًا... حتى أدمن الفرح، ثم فُجع بزواله.
القلب: أتدري؟ أظنني فهمتُ أخيرًا فؤادَ أم موسى حين أصبح فارغًا... ذاك الفراغ لا يملؤه شيء إلا رباط من السماء.
العقل: {لولا أنْ ربطنا على قلبها} هو ذاك الرباط الذي تحتاجه الآن. فالفرح الحقيقي لا يُربَط بشيء فانٍ. الحياة تختبرنا بما نحب... لترى: هل نربط أنفسنا به؟ هل نرفض الحياة من دونه؟ هل ننسى أنفسنا فيه؟
القلب: أحببت... لدرجة أني خفتُ الفقد أكثر من خشيتي لله. تعلّقت.. حتى كدت أفقد توازني.
العقل: لهذا قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: «أحبب حبيبك هونًا ما» ليس كراهيةً للحب، بل نجاةً من الغرق. التوازن يا قلب... لا الإفراط ولا التفريط.
القلب: أدركت الآن: الرضا هو النجاة. هو ألّا أعلو إذا مُنحت، ولا أنحدر إذا حُرمت.
العقل: الرضا مقام لا يتأرجح. أن تحب دون قيد، وتفقد دون كراهية. أن تحمد في الشدة كما تحمد في النعمة.
القلب: فإن خفّت السعادة... لن أحزن. بل سأفهم أن الحياة تُربّي فيّ مقامًا أعظم: مَن لا تهزّه المكاسب، ولا تكسره الخسارات.
العقل: حينها فقط... ستعرف يا قلبي أن أجمل السعادة هي تلك التي لا تحتاج شيئًا خارجيًا... بل تنبع منك.
القلب والعقل: «الحمد لله» حين تُشرق الشمس... وحين تُغادر بهدوء.