الشعر سبيلاً لفهم الموت في نصوص رائد وحش

تاريخ النشر : الجمعة 10:30 9-9-2022
No Image

من فكرة الموت التي تظهر بين قصيدة وأخرى في «كتاب الذاهبين»، تمكن الشاعر الفلسطيني السوري رائد وحش ببراعة ملفتة من نسج هذا الانسجام شديد الصلة بينها، كأن كل واحدة منهما تكمل الأخرى لتبرز الموت بشكله الأصح الذي لا نعرف، والمرض بفكرته التي قد لا نستوعبها، الغياب الذي يشكل حضورا دائماً، حتى إنه كتبنا نحن بصورة أخرى مغايرة كما لم نعتد.

إذ جاء ديوانه «كتاب الذاهبين» الصادر حديثا عن «منشورات المتوسط» (ميلانو، إيطاليا، 2022) بلغة شعرية لكنها لا تنحاز للشعر وحده، بل للتراث، للإنسان، للفلسفة، لغة عنيدة وحده الشعر يكبح جماح غضبها، وفلسفتها الضاربة في الموت وأشباحه. قصائد كتبت الأموات كي يعيشوا، وكتبت الأحياء كي لا يصابوا بلوثة الحياة. قصائد عصية على الفهم، وإن قرأت واستقرأت فهي عصية على النسيان. وهو القائل بكتابه هذا: «لن تفهمها حتى تفهم القوى العنيدة التي نحاكيها.. لن تفهمها ما لم تدخلِ الغيبوبةَ لتصلحَ أخطاء العالم».

قصائد تحاول خلق مفاهيم جديدة للشعر في ظل هذا الزيف الشعري غير المسبوق، فما يميزها صلة قرابتها الشعرية، ولربما هذا هو مغزى العنوان: كتاب الذاهبين، ديوان الذاهبين، سفر الذاهبين.. لأننا في الذهاب نتشارك، وحدها الحياة تفرقنا.. كلنا سنذهب، وحدها الكتابة راسخة البقاء، راسخة الحياة، لتوثق لمن سبق ذهابه هذا الديوان ولمن سيعيش ليقرأه، ولنا نحن كي نرى أنفسنا بكل قصيدة فيه كما ذكرت سابقا. إذ يقول:

"سألتُ الرجلَ النسر: ما الريح؟

أجابني: الريح نحن..

نحن الذين أضعنا صورتنا».

كما أنه حاكى الموت من خلال قصة الرجل النسر التي ظهرت بأربع قصائد فالرجل النسر هو رمز الموت بحسب المعتقدات.. كذلك يتضح من ديوانه الرمزيات التي استخدمها كالريح؛ فشعره مثقل بها ومنشغل بتفكيكها ومنحها حضورا مغايرا.

"نولد لأنّ هناك ريحاً

نموت لأن هناك ريحاً

الريح التي وُلدتْ من لا شيء، ومن لا أحد،

لن تموت لأنها تأكل نفسها

وتشرب نفسها

وتتنفّسُ نفسها..

الريحُ تلك الريحُ دينُنَا».

حين يكون الموت أكثر الأحياء حضورا، فالأكيد أنك تقرأ لرائد وحش، وحين تكون السوداوية أكثر الأمور اقترابا منك، فالأكيد أنك تقرأ لرائد وحش. أن تقرأ لرائد وحش، لا بد أن توقن أن ما يكتبه شديد الصلة بالواقع، شديد الصلة بفلسفة الموت، التي عبّر عنها بقراءة خاصة في نص «ترجمة رسائل الحجر»، ففي متون تلك الرسائل المترجمة، يتحدث الحجر في حد ذاته عن أنواع الموت: «تقولون عن الموت عزلة، تقولون عن الموت أنه فصل الروح عن الجسد، تقولون إن الموت قتل، تقولون إنه وحشة، تقولون عن الموت عقاب». وهنا يستحضر رائد وحش كل أشكال الموت ل?قول في الأخير إن الموت ليس واحدا منها، بل هو مثلنا.. شكل آخر من أشكال الحياة، وبطبيعة أخرى:

"لأنّها ابنة الموت تَلِدُ الحجارة موتاً

فلا تظنّوا أن الموت مجرد نهاية».

وبما أن الكتاب هو احتفاءٌ بالموت إن جاز لنا التوصيف، كان للشاعر الأردني الراحل أمجد ناصر (1955-2019) النصيب الأكبر. إذ خصص له رائد وحش مرثية، ليستحضر شعريا الموت والفراق، فهو اختلق شخصية لأمجد ناصر في قصيدة كي يستنطق حياته ليفهم موته، وهنا يلحظ القارئ مدى تمكن رائد وحش شعريا في استحضاره بصورة غير التي كان عليها، أو بعبارة أخرى غير تلك الصورة التي عُرف بها، فهو استنطق من النموذج الحقيقي صورة حقيقية، لتكون صورة أخرى بمفهوم الموت بشكل عام، وماهية موت أمجد ناصر بشكل خاص.

وبطبيعة الحال؛ لا يمكن تفسير قصائد رائد وحش عن أمجد ناصر على أنها قصائد امتنان أو عرفان بالجميل ككل القصائد التي عادة يقدمها الأحياء للأموات لطبيعة صلة الصداقة والمحبة التي ربطتهما، بل هي قصائد -كما ذكرت سابقا- تحاول استيعاب ماهية الموت بشكل مختلف عن المتعارف عليه، لخلق مفاهيم أخرى له، وهنا برأيي تبرز قوة «كتاب الذاهبين»، أي التوغل في فهم الموت، إذ جعل رائد وحش للموت هيئة وحضورا، كأنه من خلالها أراد أن يحول كل القضايا التي تناولها شعريا إلى شأن إنساني..

للغياب أيضا حضوره في هذا الكتاب، إذ خصص له رائد وحش قصيدة بعنوان «قرابة الغياب» يقول فيها:

"أبكي لأن خيالي الذي طالما خلته رحماً لصور الغُيّاب يتمزّق من إجهاضها في هذا اللقاء».

تقول سوزان كوبر: «يجد الشعراء الحقيقةَ من خلال الكتابة عما يحبونه»، لكن السؤال إن تحدثنا عن الحب كقيمة مطلقة؛ هل هو موضوع للكتابة، أم إنه دافع لها؟ لعل الإجابة عن هذا السؤال تحيل للافتراضين معا؛ فالحب ما يجعلهم يكتبون، أما الكتابة عما يحبونه فهي تحصيل حاصل. إذن، الحب دائماً على حق من وجهة نظر الشاعر، يقول:

"الحُبُّ نجمُ الرحلةِ الطويلة

طريقتُنا في اختراعِ بوصلة

أسلوبُنا في تأجيلِ توقيعِ الموتِ على جباهِنا».

فيما يبدو أن عبارة «تيرينس ماكينا» التي تقول «مهمة الشعراء والمتمردين في القرن العشرين هي نقل اللغة من بعدين إلى ثلاثة» تحيلنا إلى ما كتبه رائد وحش عن المرأة، إذ نقرأ له:

"نُحبُّ المرأةَ التي تأتي من مكانٍ نظنُّهُ شِعْراً

محمولةً على هودجٍ من كلام

كأنها المجاز.

كلَّما أجدْنا التأويلَ غدا الحُبُّ استحقاقاً،

فاليائسون ليسوا مَنْ سقطوا من حسابِ الحُبِّ وحسب، وإنما مَنْ أسقطُوا اللغةَ من حساباتِهم أيضاً».

وحين يتساءل رائد وحش قائلا:

"ألكِ عُمُرٌ تموتين آخرَهَ

أم لعلَّكِ استأثرتِ بالأبديَّة"

فعلينا أن نصدّقه.. ألم يقل «غاستون باشلار": «يجب أن نستمع إلى الشعراء».

أن تقرأ «كتاب الذاهبين» هو أن تدرك أن الحياة ضرب من الموت والموت ضرب من الحياة، إذ يقول الشاعر: «وقّع الموت اسمه في جباهها قبل دهر».

وحين تتداخل المفاهيم بعضها ببعض وتحاول إعادة صياغتها لكي تنتج فكرة جديدة، تأكد أنك استطعت أن تنجو من «كتاب الذاهبين»، لكنك ستظل غريقا ينتظر قارب نجاة. فأهم ما في هذا الكتاب أنه يحتفي بهويته المختلفة التي لا تشبه الشعر الدارج والكلاشيهات الجاهزة.

لا يكتب عن الذاهبين إلّا من خاطب الموت بكل أحاسيسه، وقرأه بكل جوارحه، وشعر أن لا حياة بعد الشعر، وأن الشعرَ شكلٌ آخر من أشكال تذكُّر الموت.. شعْر أهم ما فيه أنه واضح حد الصعوبة، إذ إنه ينتمي لقصيدة النثر التي ترى الناقدة الفرنسية «برنار» أنها يجب «أن تضيق بأصحاب الذائقة التقليدية كما تضيق بهم لوحة سريالية موغلة في الغموض».

لذا فكتاب الذاهبين يحتاج قارئاً صبوراً، فإن كنت كذلك فلك الكتاب وتأشيرة الذاهبين..

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }