»نهاية الصحراء« لسعيد خطيبي.. لماذا نحن موجودون؟

تاريخ النشر : الجمعة 10:49 19-8-2022
No Image
700

في «نهاية الصحراء» للروائي الجزائري سعيد خطيبي (دار نوفل، هاشيت أنطوان، بيروت، 2022)، نحن لا نتتبع خطوة خطوة مجريات التحقيق في الجريمة، فهي ليست رواية بوليسية بالشكل المتعارف عليه أو مما رسخ في الأذهان، بقدر ما نبحث في الرواية عن كيفية صناعة الجريمة داخل المجتمع دون الانتباه لذلك.

فإذا كان القارئ يحمل في ذهنه التصور الذي أخذه من قراءته الروايات البوليسية الكلاسيكية إن صح القول (لأنني لا أؤمن بوجود رواية بوليسية، فلسفية، تاريخية.. إلخ، فالرواية هي كل هذا، لكن من الممكن نجد داخلها حكايات بوليسية)، فإنه لن يجد في «نهاية الصحراء» ما يبحث عنه، فهو لن يعثر على الحكاية البوليسية كما ألفها، خاصة إذا كان لا يبتغي عملا طاله التجديد، بل يريد صورة معينة رسخت بذهنه من قراءاته السابقة وينتظر بالضرورة نسخا مكررة عنها في كل ما سيقرؤه لاحقا.

فالبحث عن المجرم في هذه الرواية ليس بالطريقة التي تعودناها، بل الأمر مغاير تماماً، لأن الجريمة فيها لا ترتكز على القاتل ذاته، وليس الهدف منها معرفته لينتهي دورها وعنصر التشويق فيها، فمن المهم عدم ربط الرواية التي تنطوي على حكايات بوليسية بعنصر التشويق، ففي حقيقة الأمر ذلك اختزال لها وتنميط لفكرتها، بينما يحاول هذا النوع من الروايات دراسة الشخصية في المجتمع وكيف يمكن للمجتمع أن يكون قاتلا بالتقسيط حين يحاول كل شخص تجسيد فكرة القتل بطريقته دون الإجهاز على القاتل دفعة واحدة، وهذا ما عبر عنه سعيد خطيبي على لسا? إحدى شخصياته الروائية بقوله: «لست وحدي من كتم صوت زكيّة، بل شاركتْني حبيبتي تلك الفعلة، مثلما شارَكَنا فيها إخوتها الذين نبذوها، بشير الذي أخلفَ وعده بالزواج بها، الشيخة ذهبية التي كادت لها، ميمون الذي زاد من غرورها، إبراهيم الذي زرع في قلبي رغبة انتقام منها، وحميد الذي أوهمها بحمايتها».

والأكيد أيضا أن أي رواية يجب أن يكون الحب أحد أهم الأسئلة التي تحاول طرحها، نقرأ في الرواية: «سحرته بجمال وجهها وجسدها الممشوق، فخطا خلفها مثل فراشة تتبع الضوء. لقد رجح دائماً جمال الجسد على جمال الروح.. (إن كان جمال الصحراء في صمتها فإن جمال المرأة في إيقاع مشيتها).. هكذا سمعته يقول مرة. ألحت عليه أن يتركها وشأنها أو تصرخ فتثير الناس من حولهما، لكنه استمات إلى أن غيّرت نبرتها وبادرته بأنها لا ترغب في علاقة خارج الزواج. (فخلة)، همهمت وأنا أنظر إليه بشعره الحليق».

إذ نلحظ أن الحب بهذه الرواية قاد إلى الجريمة، وهذا ما نشهده في أيامنا هذه من جرائم تحت مسمى الحب، الذي يخفي خلفه أفكارا أخرى لا تقل خطورة كنظرة المجتمع للمرأة، وبالطبع لم يتحدث الكاتب عن ذلك بطريقة مباشرة، لكن نقرأ ذلك من خلال استعراضه حيوات الشخصيات.

في الرواية عبارة جاء فيها: «إنها مدينة تحفل بالغريب إلى أن يصير مبتذلا». هنا يريد الكاتب القول إن المجتمعات التي تحفل بالغريب وتعطيه كل شيء إلى أن يصبح مع الوقت المتحكم في كل شيء حتى درجة الابتذال، في حين يصبح أبناء البلد مجرد تابعين، وهنا لا يتحدث من وجهة نظر سطحية للموضوع، بل بالتطرق إلى فكرة تقبُّل كل شيء من الآخر ورفض الأصوات القادمة من الداخل، مما يشكل في آخر الأمر أزمات ومشاكل لا تعد ولا تحصى.

لم يذكر خطيبي اسم المدينة، مع أنه يتحدث عن مدينة بذاتها، إذ أراد القول إن الأماكن متشابهة في الجزائر على أيام الاشتراكيّة (في اللباس، وفي الأكل، لأن الدولة كانت تستورد كل شيء)، أما غرضه من أنه كل مرة يتقمص شخصية ما من الشخصيات الروائية الثمانية الرئيسية لتحكي حكايتها فهو استعادة التراث الثقافي الشعبي في شمال إفريقيا بشكل حداثي جديد.

ما هو تراث الحلقة؟ وكيف كانت الحلقة أيام زمان.

وإن نحن تحدثنا عن «الحلقة»، فهي عبارة عن مجموعة أشخاص يحكون حكاية في حلقة لمجموعة معينة من الناس، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ما يشكل روايتنا في ذلك الوقت، أي الأدب الشعبي، ثم تفرقت الحلقة ليحل محلها الموال أو البراح في الأسواق الشعبية. هنا أرادت الرواية استعادة التراث الشعبي المغاربي في رواية حداثية.

لست في معرض شرح الرواية أو كشف شخصياتها للقارئ، فلكل منا تأويله للعمل الأدبي، إنما أحاول أن أنظر للرواية من وجهة نظري.

ما المقصود بالعنوان «نهاية الصحراء»؟

قد يحيل العنوان إلى نهاية فترة ما من تاريخ الجزائر وبداية أخرى، فالفندق في الرواية ليس فقط مكانا بوصفه شاهدا على جريمة قتل، بل هو أيضا مكان بمدينة شهدت تاريخا يختصر تاريخ الجزائر في ثمانينيات القرن الماضي، بما فيه من قتل مظاهر الحياة، فموت «زكية» هو قتل للفن وللحياة.

أما قصة الرواية والبحث عن قاتل زكية، فتصبح مع مواصلة القراءة سؤالا ثانويا مقابل السؤال الأكبر: لماذا نحن موجودون؟ فخلال البحث عن القاتل نحن نسأل عن سبب الوجود أو سبب الحياة. فكل شخصية تعبر عن وجهة نظرتها تجاه الحياة. إن سؤال الرواية الأهم هو الموت حين يصبح أحد أشكال الحياة، إذ نكتشف في الأخير أن الجميع قتل زكية؛ كل واحد بطريقته، والموت هنا إشارة إلى أن تلك الفترة شهدت قتل كل مظاهر الحياة بما فيها الفن، كما ذكر سابقا.

جاءت «نهاية الصحراء» بالمقارنة بروايات سعيد خطيبي السابقة مختلفة من ناحية تقنيات الكتابة، إذ إن كل شخصية فيها تحيل إلى أخرى، وكل حدث يحيل إلى آخر، كي تتشكل لنا الصورة التي نقرأ من خلالها تاريخ بلد من وجهة نظر أناس بسطاء.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }