محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

»الصريم«.. التاريخ من وجهة نظر الأدب

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
سارة سليم (كاتبة من الجزائر)

يرى الفيلسوف الأماني ليسينج أنّ الرِّواية هي «فنّ الزمن، مثلها مثل الموسيقى، وذلك بالقيّاس إلى فنون الحيّز كالرّسم والنّقش». فهي شاهدةٌ على عصرها، وعلى كلّ العصور، إذْ أنّها تحفظُ تاريخ الشُعوب وتسجّل انتكاساتهم ونجاحاتهم، وكلّ ما يمكنُ تدوينه كشيءٍ يوثّقُ لحقبةٍ زمنية بعينها. إذ إننا نستدلّ مِن خلال بعض النتاجات الأدبية على ملامح تُشكِّلُ تاريخ بلد ما، سواءً بلداننا العربية التّي نتشاركُ معها اللغة ذاتها، أو البُلدان الأجنبية.

فالذي يطّلعُ على ثقافة شعبٍ آخر مِن خلال رؤية شاملة بين الماضي والحاضر، تتكوّن لديه فكرةٌ حقيقية عن غيره. فالأدبُ وُجد ليكسر كلّ هذه الحواجز، ليدعو بالأخير إلى الفكر الإنساني الحُر، الذي يُمجّد الإنسان فقط.

وانطلاقاً مِن هذه الفكرة قدّم الروائي السعودي أحمد السماري أوّل أعماله الأدبية «الصريم» (دار أثر للنشر والتوزيع بالسعودية، 2021)، إذْ أنها تتناول تاريخ الجزيرة العربية من رؤية أدبية تستندُ إلى الواقع الذي أرى أنّه يستمدُّ قوّته مِن سيرة الكاتب نفسه، كي تقدّم روائيّاً تاريخَ نجد في خمسنيات القرن الماضي، مُرتكزاً على ملامح تشكّل الحياة ما قبل النفط وبعده، والتحولات التي طرأتْ على المُجتمع، وذلك من خلال شخصيّة محورية هي زيد بن عثمان والإنجليزي وليم المكلف بدراسة علمية عن نجد.

خلقَ الكاتب شخصيّة وليم داخل المتن الروائي ليُقدّم للقارئ صورةً حقيقيّة عن تلك المنطقة من وجهة نظر الأجنبي، وتصوراته عنها، وذلك من خلال تداول الحكي بينه وبين زيد الذي يجعلُ القارئ غير المُلم بطبيعة تلك المنطقة يسافر معه إلى أقاصي الصحراء حيث نجْد قبل اكتشاف البترول إلى يومنا هذا.

في هذه الرواية انطلقَ الكاتب من الواقع، وكأنه -كما ذكرتُ سابقاً- دوّن سيرته الشخصيّة، ضمن عملٍ أدبيّ، إذْ أنّه يورّط القارئ كعضو فاعل بالنصّ، ليُقدّم قراءةً لتلك الفترة، ولما كانتْ تعيشه نجْد مِن فقر، ومرض، وجهل، وعزلة لا تطاق عن كلّ شيء له علاقة بالعالم وبالحياة، كحقٍّ بشريّ، إذ يقول في عبارة مؤلمة: «كل ما يكلّف مالاً حتّى لو كان قليلاً فهو غالٍ، لا شيء رخيص غير آلام الناس." يلتقط القارئ من خلال الكتاب قسوة حياة أهلِ نجْد في تلك الفترة، وتصدّيهم للأزمات التي ألمّت بهم والنهوض بأنفسهم. نقرأ: «إذا بقينا على هذه الحال فسوفَ نبقى في عصور الظّلام وخارج التاريخ، البوَّابة الوحيدة للدخول إلى العالم هي بالعِلم والتعلّم». إذْ يرى الروائي أن التغيير يبدأ من الذّات.

كما أن الرواية تنتقد أوروبا، وكيف كانتْ تعيشُ ذلك الوقت: «ظلّتْ أوروبَّا المسيحيَّة في تلك الفترة مِن بداياتِ الظَّلام في القرون الوسطى لا تكادُ تملكُ فهماً يُعتَدُّ به لقوانين الطَّبيعة المؤثِّرة على الإنسان، أو لأسبابِ تفشِّي الأوبئة التي تهلكُ الحرثَ والنسل، أو لقواعد المِلاحة البحرية وفنونها، أو حتَّى لطرائق تحديدِ المواقيت الزَّمنية باللّيل أو بالنَّهار».

يتحدّثُ السماري في روايته عن رحلة زيد إلى الكويت والصعوبات التي واجهته في سبيل أن يُحسّن من وضعيته، فالكاتب يقولُ على لسان زيد مخاطباً أمّه قائلاً: «إنّ الغربة يا أمّي ليستْ إرادة وإنّما إجبار».

في الرِّواية انتقاد لمَن يتمسّك بكلّ ما له علاقة بماضيه معتقداً أنّ ذلك من الأصالة، في حين أنّ الأصالةَ الحقيقية هي الانفتاح على الآخر، ليس تقليداً له وإنما نتعلّم منه ما يفيدُ نحو التغير إلى الأفضل بدل البُكاء على الأطلال، ولعلّ القارئ سيكتشفُ ذلك من خلال وليم الإنجليزي وصديقه زيد النجدي.

غير أنّ لوليم رأيه الخاص في هذا الشأن، إذ يقول: «نحنُ في الغرب استفَدنا مِن علم العرب كثيراً».

ومن هنا تبدو فكرة الرِّواية واضحة: الإنسان في حاجة إلى التعلّم من غيره، ما يساعد البشر على تكوين مجتمعاتٍ سليمة وصحية لا عنصريّة ولا حروب تفرّق بينها.

الرِّواية أيضاً تحتفي بكلّ ما يجعلُ القارئ يشعرُ أنّه في نجْد، يشربُ القهوة العربية، ويستمتع بسماع الشعر النبطي تحت نخيلها الذي عبّر عنه الكاتب بجملة لها رمزياتها: «إلّا صديقتي النخلة وجدتُها ساقطةً على الساقية وقد صنعتْ جسراً أمرّ مِن فوقه لأدخل المزرعة.. ما أكرمك مِن نخلة».

ي الرواية عبارة جميلة تختصر الكثير مما قاله الروائي على لسان الراوي حينما تطرق إلى رحلة زيد إلى الكويت، وذلك الأشياء الإيجابية التي تتميز بها دولة الكويت: من أمن، واستقرار وخدمات، وتعليم إذ يقول: «مياههم مالحة ولكن ملافظ أهلها أعذب من الماء الرقراق».

اتخذت هذه الرواية شكل أدب الرحلات، لكنّها أيضاً سيرة توثّق للمكان، وبين هذا وذاك نجدُ أنفسنا كقُراء منسجمين في الحكي الذي يأخذنا إلى أقاصي الصحراء، حيثُ تظلّ البدواة رمز الأصالة رغم المشاكل التّي كانتْ تعيشها نجْد آنذاك، لكن الرواية في الوقت نفسه تعطيك درساً في العزيمة التي تقود للتغيير. كما أنّها تمثل إطلالة على تاريخ تلك المنطقة لغير أهلها.

جاءت «الصريم» لتقول إنّ الأدب قادرٌ على خلق صلة رحم أخرى بين بني البشر، وإن تعرفك على معاناة غيرك في سبيل أن يحقّق النجاح، هي حافز لك، وتجعلك في الوقتِ نفسه تدرك أن لا شيء يأتي بسهولة، ما يحيلني إلى قول أحمد شوقي: "وما نـيل الـمـطـالب بالتمنـي ولـكـن تــؤخـذ الـدنـيا غلابا».

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress