بدأت أمينة بلهاشمي شاعرة، ثم أغواها سحر السرد، لتدشن أول أعمالها الروائية، والذي سمّته «تلك أمي». وعلى هامش التدشين كان الحوار التالي مع هذه الكاتبة التي تنحدر من شرق المغرب الحافل بالأسماء المبدعة سرداً وشعراً:
• أمينة بلهاشمي، إنسانة وروائية مغربية، أيّ مقارنة؟!
- أمينة بلهاشمي نُعوتٌ جاءتني من الخارج، أما ما أعرفه عني فأنا المرأة، البنت، الأخت والزوجة والصديقة والأم والمدرسة أيضاً.
هذه أوصافي التي أعرفها جداً.. أقابلها في اليوميّ ألف وألف مرة ، كما أعرف عن أمينة أنها حالمة وحاملة لمخاض الحبر الذي يأتيني على شكل هذيان، يقتحمني، يتوغلني دون سابق استئذان.. يترسم على الصفحات ما أرتضيه بوحاً وما قد لا أرتضيه بوحاً، يرتسم كلمات لا تقبل الانمحاء.
• كيف أدركت أنك أصبحت روائية، ومن أيّ مشتل جاءت «تلك أمي»؟
- في سن مبكرة جداً، اجتذبني القلم رفيقاً أستكين إليه.. كان صديقي في لحظات وحدتي، يحفر في الذات وينبش في غورها، راوغته ونازعته البقاء لأن العمر كان ما يزال في أوله، وهو يجتذبني برفق شديد نحو العراء. أهملته عمراً وهو يلازمني صوتاً يحدثني في صمتي.. بلوغي العقد الرابع وفي رصانة العمر، بدا أني مكتملة وجاهزة أن ألفظ عملاً يسمى رواية..
في البداية ارتدْتُ عوالم المرأة والحياة والموت والكبر والصغر، لم يمض وقت طويل حتى انعطفت حياتي انعطافاً مهولاً جعلني أرتمي في أحضان قلمي.. أعطيته عنان الحكي.. هكذا اجتُررت إلى حنايا «تلك امي» اجتراراً، فكانت الرواية صورة لأمي ونساء أخريات.
• «تلك أمي» وإيقاع سيرتك الذاتية.. أيّ علاقة؟
- توزّعت «تلك أمي» بين نبضين اثنين.. نبض سير ذاتي ونبض روائي.. لكن بعض الفصول وإن بدت سيرة ذاتية، فأنا بجزم كبير أنفي كونها نقلاً للواقع، لأنها كانت متخيَّلاً مستوحى من بعض اللوحات الواقعية..
يكفي أن أقول لك إني أنفر من الفوتوغرافيا التي تحمل حياتنا الماضية، ولا أملك صورة لأمي وإن حدث وأن صادفت صوراً معلقة في بيت الإخوة أغمضت عيني مخافة أن أسترق النظر إليها.. معنى ذلك أن ما كتبته لم يكن نقلاً بقدر الفوتوغرافيا وإنما كان نقلاً بقدر المتخيل.
• ما حكاية الموت والخراب في حياة الرواية.. موت الأم واختفاء الدالية؟
- كلاهما فقدانٌ أليم وفي الآن نفسه فقدانٌ جميل.. يُشعرك بهذا الإنسان فيك، يرضى ويصمت، لكنه لحظةَ الفقد يتدفق منه أكثر من شعور.
• كما لو أن ساردتكِ متسلطة ومتحكمة في خيوط الحكي...
- لم تكن الساردة في «تلك أمي» متسلطة ومتحكمة في خيوط الحكي.. صحيح أنها تورطت تفاعلاً مع شخصياتها النسائية بضمير الأنا لأنه مطية لصدق كبير لا يفي به ضمير الغائب أو المخاطب، ولأنها تؤمن أن الكتابة حبر يسيل من الفؤاد حتى الأنامل كان لها هذا الحضور الصادق ليس إلا، ولربما أثار هذا التورط مع ضمير المتكلم زوابع خصوصاً لمّا تضيق المسافة بين القارئ والسارد وتصير القراءة حبيسة التربص والفضول..
• ماذا عن «أبيسية» الرجل (عنفه) ودونية المرأة في «تلك أمي»؟
- الكتابة مخاض بالنسبة لي، لا أعرف زمانه ولا الحدود التي يرسو عليها، معنى ذلك أنني لا أتحكم في شكل ملامح الشخصيات، بل إنها ترتسم وفقاً لتفاعل قبلي وضمني قد يكون صريحاً أو مستتراً.. بتعبير آخر لم أتعمد «أبيسية» الرجل ولا دونية المرأة في الرواية.
• هل يمكن أن نجد في روايتك صدى لانتهاك بعض الممنوعات والتابوهات؟
- لعل «تلك أمي» كانت مرآة لواقع لا يُرى.. الانتهاكات تملأ الحياة من حولنا، لا ينظر إليها إساءةً للدين، لكن لما يُكتب عنها وتُسطر كلمات على ورق تبدو نبشاً في المقدس.. والواقع أنها نبش في الرتيب الذي لم يعد يرى من شدة ما رتب بيننا.
• لكل كاتب طقوسه أثناء الكتابة، فهلا أخبرتنا بطقوسك؟
- أكتب في لحظات الشروق والغروب لمّا يرتدي الكون من حولي ضياء أو ينزعه عنه.. وفي لحظات الأرق لمّا ترفض عتمة الليل أن ترقد معي.. في لحظات الوهن لمّا يضعف البدن لا أعرفه ولا يعرفني.. في لحظات مماثلة تتوغلني مشاعر تستبدّ بي.. وتهمس في أذني صوتاً يتملّكني أرسمه للتو حبراً على الورق.
• لو لم يعد بإمكانك الكتابة وحتمت عليك الظروف ذلك، فماذا ستفعلين؟
- لا أتصوّرني لا أكتب.. وإن حتم عليّ ألّا أكتب.. سأنطق كلماتي دموعاً تذرف أو صمتاً ينظر إلى الفراغ.. أو إلى البحر..
• كيف تقيّم أمينة بلهاشمي القارئةُ، ما تكتبه أمينة بلهاشمي الروائيةُ؟
- وددتُ لو أن حبرها يرتاد كل العوالم، ويثرثر كثيراً، تماماً كما هو صوتها في صمتها.. حبرها شحيح.. صحيح هو كذلك، وإن حملته ثقلاً معنوياً فأنا أراه شحيحاً.. هكذا يبدو على أقل تقدير في «تلك أمي».. هل لأنها الإطلالة الأولى أم لأن أمينة بلهاشمي لا تستطيع أن تبسط جناحَي حبرها في مكان ضيق.. هذا ما ستفصح عنه ولادة أخرى لمخاض آخر!
* شاعر مغربي