إلى أي حد يمكن للمبدع أن يكون موضوعياً محايداً وهو يذهب إلى ذروة لحظات الصراع مع الأعداء ليروي حكاية الذين اقتلعوه من وطنه وبيته، وحوّلوا الطفل الفلسطيني المفقود إلى جندي في الجيش الإسرائيلي؟!
هذا ما تجيب عنه رواية غسان كنفاني «عائد إلى حيفا»، التي حولت إلى دراما تلفزيونية من إعداد وسيناريو وحوار الكاتب والروائي الأردني غسان نزال، وقام بإخراجها الفلسطيني باسل الخطيب في عمل إنتاجي ضخم لشركة «لين» السورية بالتعاون مع تلفزيون المنار اللبناني الذي باشر ببث المسلسل قبل أيام.
ويتجلى عنصر المفارقة في هذا العمل أنه يحاول تقديم حكاية النكبة الفلسطينية، عام 48 ثم باستكمالها عام 67 من زاويتي الرؤيا الفلسطينية والصهيونية معاً.. فثمة قضية تبدو (عادلة)! يتنازع عليها طرفان متناقضان في حرب ضروس لا مكان في نهايتها إلاّ لطرف.. وحيث يتدفق المهاجرون اليهود من أرجاء الدنيا إلى فلسطين.. فيما ينفى الطرف الآخر الفلسطيني على هيئة جموع من المهجرين إلى مخيمات اللجوء العربية.
هذه الأسئلة الكبرى والتاريخ المضمخ بالآلام قام غسان كنفاني بمعاينتها من خلال واقعة بالغة الدلالة والتأثير.. ففي صبيحة الحادي والعشرين من شهر نيسان عام 1948 انهمرت قذائف الموت الصهيونية من مرتفعات الكرمل لتدك مدينة حيفا..فكان أن تركت الأم صفية (نورمان أسعد) ابنها الرضيع، واسمه خلدون في البيت، وخرجت تبحث عن زوجها المعلم سعيد (سلوم حداد) فيما بدأت العربات المصفحة التي تقودها العصابات الصهيونية تملأ شوارع حيفا وتطلق الرصاص والقذائف على المواطنين الفلسطينيين العزل.. ووسط حشود المذعورين الهاربين أجبر الزوجان على النزوح، دون أن يتمكنا من العودة لطفلهما..
ورغم ذلك لم تتوقف محاولات استعادة الطفل بل استمرت دون جدوى حتى بدا أن الزوج قد سلم بضياع الطفل الرضيع، وتمر عشرون سنة ثم تقع حرب 67 وتفتح بوابة مندلبوم فتسعى الام للعودة الى بيتها في حيفا بحثا عن الابن المفقود، وإذ يوافق الزوج على الذهاب فإنما مجاراة لها، بعد أن اخفق في إقناعها بعبث المحاولة: «أوهام يا صفية، أوهام ! لا تتركي لنفسك أن تخدعك على هذه الصورة المحزنة. أنت تعرفين كم سألنا وكم حققنا، وتعرفين قصص الصليب الأحمر، ورجال الهدنة والأصدقاء والأجانب الذين بعثناهم إلى هناك، لا، لا أريد الذهاب إلى حيفا، إن ذلك ذل، وهو إذا كان ذلا واحدا لأهل حيفا فبالنسبة لي ولك هو ذلان، لماذا نعذب أنفسنا؟». ولكنهما يذهبان فتكون المفاجأة الرهيبة: إن خلدون قد أصبح شابا وان اسمه «دوف»، وهو مجند في جيش الاحتلال وقد تبنته اسرة يهودية استوطنت البيت بعد نزوح 1948 وهنا تبلغ المأساة ذروتها: فبعد ان عرف الفتى الحقيقة أصر على الانحياز الى جانب الام التي تبنته.
هذه الواقعة تفرض على الزوج/الأب الذي كان يعارض التحاق ابنه الثاني بالعمل الفدائي أن يعاود التفكير بموقفه، وبعد أن رأى ما انتهت حالة ابنه البكر خلدون قرر الموافقة فعاد ليجد ابنه قد التحق بالعمل الفدائي.
والى جانب هذا الخط الدرامي المحوري الذي انبنت عليه الرواية والمسلسل هناك حكاية المجاهد قاسم (سامر المصري ) وخطيبته ليلى (تولين البكري). وهي حكاية حب يفرقها الاحتلال، وتشكل خطاً دراميا مستقلاً يرتبط مع الحكاية المحورية من خلال اشتراك قاسم في محاولات استرداد الطفل الرضيع. وقاسم هو بالأساس جزء من الفعل المقاوم إلى جانب رفاقه أبو حسن ومازن.
في المقابل هناك الخط الدرامي النقيض المتمثل بالمهاجر اليهودي البولوني عامير وزوجته اليهودية مريام،(قمر قمرايا) والمفترض أنهما هاربان من البطش النازي إلى أرض اللبن والعسل فيكون أن يحشرا في غرفة حقيرة مع مهاجرين آخرين، ويشهدا بطش الآلة الحربية الصهيونية، بقيادة الضابط شيمون، بالعزّل الفلسطينيين وبحقوقهم.
وقد شارك في انجاز هذا العمل إلى جانب من ذكرنا كوكبة من النجوم: فاديا خطاب، ماهر صليبي، شادي زيدان، تيسير ادريس، نهاد حلبي، صباح الجزائري.
وقد استغرق العمل في هذه الدراما أكثر من عام، وبكلفة إنتاج تعدت المليون دولار، وقد اعتمد الكاتب غسان نزال، الذي سبق وكتب قبل ذلك مسلسل «العوسج» مع نجدت أنزور،على عدد كبير من المراجع التاريخية وشهادات شهود العيان، الذين عايشوا نكبة فلسطين العام 1948، وتمت إضافة بعض المشاهد والشخصيات للمسلسل، التي تخدم العمل فنياً وتاريخياً.
وتم تصوير مشاهده في مدينة صافيتا الساحلية التي تشبه حيفا، والجديد في المسلسل، أن الممثلين أنفسهم قدموا مجموعة من الحوارات باللغتين الإنجليزية والعبرية، وقد تمت الاستعانة بمترجمين متخصصين باللغة العبرية، ليشرفوا على تعليم الممثلين نطق الكلمات بطريقة صحيحة. وموضوع حوارات المسلسل ولغاته ولهجاته تحتاج الى مراجعة وحوار لا تتسع له هذه العجالة. كما تمت الاستعانة بدبابات وأسلحة قديمة، وسيارات، من تلك الأنواع التي كانت شائعة في العام 1948 .
ويؤكد معد العمل الروائي الأردني غسان نزال، في حديث له أن المسلسل يعيد طرح قضية اللاجئين الفلسطينيين مجدداً، خاصة أنها تتعرض الآن لمحاولات شطبها والالتفاف عليها وتوقيت هذا المسلسل مهم جداً بخاصة بعد إنكار حق العودة، ولا بد من إعادة طرح الأمور من جديد، من عند نقطة الصفر.. بنبش أحداث 48، باعتبارهم يتحدثون الآن فقط عن جدار الفصل، والاقتسام والتطبيع.
هذه العودة إلى جذور القضية الفلسطينية تبدو وكأنها الرد الإبداعي على عمليات مصادرة القضية الوطنية الفلسطينية وتحويلها إلى سلسلة مساومات حول تفاصيل جزئية صغيرة تشكل ساتراً دخانياً مضللاً للقضية الوطنية وللحقوق الأساسية في الأرض الفلسطينية.
من هنا ربما جاء انجاز «التغريبة الفلسطينية» لوليد سيف وحاتم علي ويجري انجاز مسلسل «عياش» عن سيرة المناضل الفلسطيني الشهيد يحيى عياش، وهو من إعداد الكاتبة دينا جبور وإخراج باسل الخطيب، الذي يرى بأنه رغم كل تعقيدات الوضع العربي الراهن، تبقى القضية الفلسطينية هي القضية الجوهرية الأولى، بالنسبة الينا،ـلذلك اعتبر نفسي محظوظاً هذا العام، إذ تمكنت من تنفيذ عملين عن القضية الفلسطينية، الأول «عيّاش» والثاني «عائد إلى حيفا». ويضيف: «ما نريد أن نؤكد عليه اليوم، هو أن خيار المقاومة بالنسبة للشعب الفلسطيني، كان ولا يزال هو الخيار الأمثل». ومثل هذا الخيار هو الذي ينقل تطلعات هذا الشعب للعودة إلى وطنه بوصفها حقاً مشروعاً تماماً كما هي مقاومته للاحتلال حق مشروع. والجدير بالذكر أن المخرج العراقي قاسم حول قد قام عام 1981 بإخراج فيلم روائي طويل بعنوان «عائد إلى حيفا» وكان قد وضع الموسيقى التصويرية له الفنان زياد الرحباني.
كما قام المخرج السينمائي الايراني «سيف الله داد» في العام 1995، بانجاز فيلمه الروائي الطويل «المتبقي»، عن نفس الرواية (عائد الى حيفا) مركزا على الاحتلال الصهيوني لمدينة حيفا.. ومحاولة إخلاء المدينة وتسكينها لليهود المستوطنين. حيفا، ولكن السؤال الأهم، الذي يثيره فيلم «المتبقي»، كما يقول بشار ابراهيم هو: «إلى أيّ مدى يحقُّ لمخرج سينمائي أن يغيّر في جوهر الحكاية، ومنطق الرواية الأدبية، التي يعتمد عليها؟.. ففي حين أراد غسان كنفاني البحث في مسألة كون (الإنسان قضية)، وذلك من خلال حكاية تحوّل (خلدون) الفلسطيني، الذي تُرك، وإن قسراً، رضيعاً ليتربى في كنف أسرة يهودية، فأصبح جندياً صهيونياً بامتياز اسمه «دوف»!.. فإن المخرج الإيراني سيف الله ، غيّر في جوهر الحكاية، وسياقاتها، ليجعلها قصة كفاح الفلسطينيين، وليبني في فيلمه نشيداً للكفاح المسلح الفلسطيني، لم ـيكن في بال غسان كنفاني التطرّق إليه، في هذه الرواية، بل كان همه إثارة السؤال حولـمن هو الصهيوني؟.. ومن هو الفلسطيني؟
وفي مسلسل «عائد إلى حيفا» يقول الكاتب نزال بأنه قد تمت إضافة بعض المشاهد والشخصيات للمسلسل، التي تخدم العمل فنياً وتاريخياً ويقول المخرج باسل الخطيب بأن الكاتب قد توسع في السيناريو، وقدم مجموعة من الشخصيات غير الموجودة في الرواية، باعتبار أن طبيعة العمل الدرامي تتطلب وجود عدد من الشخصيات والأحداث».
وبالتأكيد يظل هنالك دائما فارق نوعي بين النص المقروء وبين العمل المشاهد، بين الكتاب وبين الدراما السينمائية أو التلفزيونية، ولكن في حدود روح الرواية وفلسفتها، وهذا ما نظن مسلسل «عائد إلى حيفا» قد التزمه حتى الآن، وما سنتأكد منه خلال متابعة وقائع هذا المسلسل الهام والجاد، وسط ركام المسلسلات البازارية التي تسوّق علينا بالكيلو.
إن ما قدمناه هو مجرد دعوة لمشاهدة هذا العمل وستكون لنا عودة أخرى متأنية بعد متابعتنا لبقية الحلقات.
[email protected]