يقوم الخطاب الروائي المعاصر على استدعاء جملة من التعالقات النصيّة المتحققة بالفعل التي تثري النص الجديد ببنيات تأويلية انزياحية تدفع بالمتلقي إلى المراوغة لأجل فك شفراته، أو أنّه يرتكز على استعارة وابتكار أشكال محدثة وبنى تقنية وفنية وفكرية جمالية ومعرفية متعددة، وتضمينها بحيث تمارس خرقاً وخلخلة على مستوى القواعد الثابتة، وتحقق من خلال الأشكال التقنية الوافدة أحقيةَ القول برفع شعار التجريب.
تأتي رواية «خبز وشاي» للروائي أحمد الطراونة والصادرة عام 2016 عن «الآن ناشرون وموزعون»؛ لتعمّق من مأساة الواقع، وتذكي حركة الشخوص طلباً للتحرر من حالة الظلم وطغيان الفساد.
يختار الكاتب لروايته عنواناً ذا طبيعة انتشارية مغرقة في الحياة اليومية، نتنفس ونحلم معه؛ فالخبز هو حبّنا اليومي المتّصل بحقائق وجودنا، أمّا الشاي فهو نبض يتشكل معه ليمنحه نفساً عميقاً كلما اشتدت ضغوط الحياة.
شاي وخبز، خبز وشاي.. كلاهما وجهان لوطن واحد. لمن يكون الخبز والشاي، وما هو مآل فعله وفاعلية نتاجه. إنّها المعاناة والحُرقة والرغبة في الحياة والزهد فيها فضلاً عن معاندة الواقع، لتولد شجرة الحياة في الأجيال القادمة.
«خبز وشاي» حكايةُ وطن لا تهزه الخطوب ولا تخيفه المحن، إذ يُقيم الكاتب روايته على ثنائية الأنا والآخر التي تشكّل في مجملها وطناً خالداً، وصرح أحلام من حقها أن تعيش.
«خبز وشاي» كي لا تجوع الحرة فتأكل بثدييها .. كي لا يستبد الجوع فيصبح كفراً.. كي لا يضيق الوطن فيصبح سجناً.
رواية «خبز وشاي» تذكّرنا بالمسرح المجرد للمأساة الكلاسيكية القديمة، وهذا يعني أنها تقترب في هندستها من المسرحية كثيراً، وليس مردّ ذلك اشتمالها على مجموعة من القصص فحسب، وإنّما لغلبة الحوار بنوعيّه فيها، فهي إذا ما قيست بالمسرحية نجد أنّ كل قصّة هي بمثابة الفصل الذي يحتوي على مشاهد.
إنّ الشّخصيات في كلّ مشهد من الرواية تعي وجود شخصيات الرواية الأخرى، إذ أقام الكاتب جسراً روحانياً ونسيجاً اجتماعياً متيناً يربط الشخوص بعضها ببعض؛ ليسّهل العبور من مشهد إلى آخر. كما في قوله معبّراً عن رؤى أحد شخوصه التي بدا صبرها نافداً: «عينان صغيرتان تغوران في محجرين واسعين، تلفّهما خطوط سوداء متماوجة، يلمعان فوق وجهٍ مستطيلٍ تغيب ملامحه في شيء من الخوف والحزن. تململ وهو يعلن عدم رضاه عن هذه الحياة البائسة: خبز وشاي، خبز وشاي... أما آن لهذه الحالة أن تنتهي؟ لقد مللنا حتى الحلم في أن نغيِّر هذا الكابوس، ألسنا بشراً يا بشر؟ أليس لنا الحق في أن نأكل كغيرنا من الناس.. زيت وزعتر، شيء آخر اسمه جبنة، جبنة، زيتون، بيضة؟ هذا ظلم ، وهذه ليست حياة، هذا موت بطيء» (ص73).
تتناول «خبز وشاي» في طياتها شريحة اجتماعية مقهورة تبحث عن الحياة الكريمة، انتقاها الكاتب من الواقع الذي نحياه، وبسرد واضح للأحداث المعاصرة بتجاذباتها الفكرية وتناغماتها الحياتية مع الاهتمام بإظهار مواقفهم تجاه هذه الأحداث، فهو لا يروي قصّة رئيسية واحدة، وإنّما يروي قصصاً متعدّدة لشخصيات تتباين في أفكارها ونوازعها بحيث تمثّل كلّ قصّة شريحة اجتماعية معينة.
نهج الكاتب من حيث الموضوع تقنيات تجريبية فنية عدة في سرد المعاناة التي تحياها الشخوص، فقد مزج في روايته التّاريخ الشّخصي بالتّاريخ العام، فجاء أسلوبها مباشراً، يرصد حقائق تاريخية، اجتماعية اقتصادية، وجاء في عمومه بسيطاً سلساً والكلمات والصور معبّرة بصدق عن قوّة الموقف والفكرة معاً ولا سيما أنّ الكاتب في موضع استبطان للذّات ورصد تحوّلاتها وأثرها على قوّة القرار والموقف. كما في تصويره لنوازع شخوصه:» يجرح الموت أحلام « أبو خليل» ، وتصرخ في وجهه المنتفخ شهوة المال، تصفعه ألسنة الهلع بقوّة. حين عرف بموت أخيه، تقاطر إلى بيت « أبو أحمد» كأنه يسير في حقل أشواك، تزاحمه الأفكار وتلسع أحلامه كنحل جبليّ، الميراث، الإبريق، الأولاد، أم أحمد، أستاذ التاريخ، هل موت أخيه يعني أنّ حقه سقط في البيع؟»( الرواية ص 114).
تختزل الرواية اللّحظة الثّورية -النّفسية والاجتماعية- التّي تعتمل في نفسية الشخوص سواء أكانت مثقفة أم غير ذلك وتدفع بالقارئ إلى اتّخاذ موقف اتجاهها.
يأخذ السّرد في «خبز وشاي» طوابع مختلفة، فهو تارة يصلنا من الرّاوي، فينقل لنا وجهة نظره دون تأويل، وهو بذلك يدعو القارئ لإكمال السرد بالطريقة التي تتسق مع كيفية فهمه للنص، وفقاً للمواقف المختلفة، وأخرى عبر شخصيات فاعلة من خلال حواراتها التّي تدور حول الحدث نفسه وبوجهات نظر متقاربة، لكن في ظروف وأوضاع مختلفة .
تنتمي «خبز وشاي» إلى الأدب الملتزم بقضايا الوطن،امتزج فيها التّاريخ الشّخصي بالتّاريخ العام، الذّي يصف أقصى ملامح الواقع المأزوم بجميع أبعاده التّاريخية والنّفسية والاجتماعية، وبلغة ترصد حركة الشّخوص ظاهرياً وباطنياً بأسلوب واقعي بسيط، قدّم من خلاله الكاتب صوراً للواقع بكلّ تفصيلاته .
عند البحث في تمظهرات الشخوص في الرواية ،فإننا نجد أن الشخصية هي المحور المكوّن للعناصر القصصية الأخرى، بل هي العنصر الفارق بين الأجناس الأدبية، فقد ركّز الطراونة على رسم ملامح الشخصية ومحاولة تعميق معاناتها وتقديمها للمتلقي بأبعادها النفسية والاجتماعية والأيديولوجية، فهي مرتبطة بمنظومة العمل الروائي.
نجد شخصية ( أبو أحمد ) شخصية محورية في رواية خبز وشاي وإن تعددت شخوص الرواية وتنوعت أفكارها، ذلك أن هذه الشخصية تفتح آفاقاً جديدة للمتلقي، وتسهم في بناء النص الروائي ورفده بالأفكار فهي شخصية قلقة مقلقة، تبعث الأفكار في الآخرين، وتمد النسيج الروائي بكلّ ما يحتاجه من دعائم التغلغل في وجدان المتلقي، فنجدها تارة هادئة تبعث الأمل في غيرها من الشخوص اليائسة، وهي تارة أخرى ثائرة تبحث عن الخلاص.
وهكذا لم تكن شخصية ( أبو أحمد) معطى قبليّاً جاهزاً، ولا قالباً شكليّاً مستهلكاً ، إنّا اختزال لهموم الجماعة ومعاناتها، ورصد لمسيرة وطن، كما في تصوير الكاتب له في حواره مع أبي خليل:» استند أبو أحمد الذي ضاق صدره وارتفع ضغطه وأخرج غليونه الأزليّ ووضعه في فمه لتنتظم أنفاسه وتنشط رئتاه من جديد وهو يقول بصوت جريح:» أنا لم يبقَ بي حولٌ ولا قوّة، انهض ودعنا نخرج من هذه الخربة ما دام فينا نفس. هم يأخذون الكثير ونحن نعدّ للعشرة وللمائة قبل أن نبيع زجاجة مكسورة نعمل من أجل الحصول عليها أياماً، كي نُطعم أولادنا رغيف خبز»( الرواية ، ص59).
هذه النظرة تقع ضمن إطار الفكر المنتج للشخصية والموجّه للأحداث ، يكشف عن بعد إنساني ووظيفة أخلاقية للشخصية تُضاف لوظيفتها الفنية، فهي شخصية تمتلك الوظيفة المنتجة للرؤى، فضلاً عن امتلاكها للخصوصية رغم اندماجها بحوارات مكثفة مع الآخرين، تظهر من خلال صيغ سرديّة تختزل المعرفة والرغبة في الأشياء والقدرة على تحقيق بعضها.
أبو أحمد شخصية بسيطة لكنها عميقة في الوقت نفسه، تثور تارة وتبوح تارة أخرى؛ لتبعث وجدها في الآخرين وهجاً فكريّاً وقيم إنسانية نبيلة، ذهب للقبور باحثاً عن الدفائن، لكنه في حقيقة الأمر يبحث عن الحقيقة الضائعة، لم ينقاد لأستاذ التاريخ برمزيته الظاهرة ومعلوماته المحفوظة، بل انحاز إلى صوت الإنسان المكلوم ومعاناته العميقة.
تتصل شخصية أبي أحمد بشخوص بيته: أم أحمد، وأحمد، وتلتقي أحياناً مع أبي خليل، لكنها ـ مع كلّ ذلك تبقى شخصية مرجعيّة متفرّدة لا تعبأ بمحن الواقع، تتماسك رغم خواء السنين، تحيل إلى معنى ممتلئ بالفكر، تعمد إلى تنشيط ذاكرة المتلقي ونسج شبكة من الذكريات في ذهنه.
لعلّ هذه الرؤيا التي تقدمها الشخوص ذات اتّساق واضح مع عنوان الرواية» خبز وشاي» فالخبز حياة والشاي رواء، كما يتبدّى في المشهد الحواري الذي دار بين أحمد وأمه:» أخرج من جيبه بعض النقود، ووضعها في يد أمه التي بدّت راجفة، ثم قال وهو يشيح عنها بوجهه: اشتري لنا بعض الأكل عسانا ننسى الخبز والشاي، توجّست أم أحمد خيفة من كلام ابنها، نظرت في كفِّها فوجدت نقوداً أكثر ممّا تتخيّل قبضت يدها عليها ثم سألت أحمد عن مصدرها: « ما بال الخبز والشاي، ألم يصنع منكَ رجلاً كامل الأوصاف، على سنّ ورمح كما يقولون، ثم من أين لكَ كلّ هذه النقود؟».
اقترب منها، وبحنان يتدفَّق كسيلٍ عرم، سأل والدته التي لا تعي ما يقول: « وهل كُتب علينا البؤس في كلّ شيء؟ ألا تريديننا أن ننفك من هذه المتلازمة، ألا ترغبين بأن نضيف شيئاً ما مختلفاً على مائدتنا، مائدتنا الفقيرة بالحبّ الفقيرة بالأخلاق، الفقيرة بالسياسية، الفقيرة بالرجال، ألا ترين أنّ رجالنا خبز وشاي يا أم أحمد؟ ألا ترين أنّ
(أبو خليل) الذي لا أقبل أن أقارنه بالخبز والشاي أصبح يَسُود المشهد البائس هو ويوسف الذي يبدِّل الدنيا بأنتيكة» (ص183).
لقد كان هاجس التجديد في الرواية واضحاً، وذلك بالتحرر من سكونية النص التقليدي حيث قامت الرواية على هاجس البحث المستمر عن المفقود من القيم الإنسانية النبيلة توقاً إلى تحقيق المغايرة من خلال أسئلة تهدف المتن والأبنية والأنساق لغة وخطاباً.
ومن الناحية اللغوية كشفت الرواية عن تعدُّد لغوي، وذلك بتعدد الأصوات الساردة والمتكلمة لأن الرواية جنس أدبي قادر على امتصاص أجناس أدبية عدة تتخلل السرد وتغنيه بمعاجمها المختلفة، كذلك فإنّ تذويب الكتابة كان واضحاً في الرواية بجعل ذات الكاتب حاضرة متفاعلة مع ما تحكيه وحاملة للغة، تخصص التجربة وتحمّلها رؤية معرفيّة وشعوريّة تُسهم في بناء الحدث الروائي.