يبدو أن أيدي الاحتلال الإسرائيلي هي من حركت مجددا ملف المطالبة بتسليم الأسيرة المحررة أحلام التميمي للسلطات الأميركية، فأعضاء الكونغرس الأميركي السبعة الذين وجهوا خطابا إلى سفير الأردن لدى واشنطن بخصوص تسليم التميمي نشرته جمعية الضغط السياسي EMET الموالية للاحتلال الاسرائيلي.
تأتي هذه الرسالة في وقت تقترب فيه انتخابات الرئاسة الأميركية، وبالتأكيد هناك رغبة جامحة لدى فريق ترمب لكسب أصوات اليهود الأميركيين، والمتعاطفين معهم بطرح ملفات انتخابية تصب في خدمة اللوبي اليهودي، خصوصا إذا ما عرفنا أن أعضاء الكونغرس الموقعين على الرسالة مشهورون بصلتهم الوثيقة بإدارة ترمب.
غالبية اليهود موجودون في المدن الكبرى وبخاصة في مدينة نيويورك وكاليفورنيا وبنسلفانيا والينوي وماساشوستس وأهايو (...)، وهذا مهم جدا بالنسبة لمرشح الرئاسة الأميركية لأن هذه المدن والولايات تتحكم بنصف الأصوات الانتخابية من مجموع الأصوات اللازمة للفوز بانتخابات الرئاسة، فكيف ما عرفنا أن ثلاثة أرباع اليهود الأميركيين يقطنون هذه الولايات؟.
لليهود نفوذ واسع في الولايات المتحدة في مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية والعلمية، فهم متغلغلون في دوائر صنع القرار، ويعملون بطريقة منظمة، لذا يخطب ودهم كل من يخوض الانتخابات الأميركية، ومن هنا تبدأ الحكاية والنفوذ وتنفيذ البرنامج المتفق عليه مع المرشحين.
الرسالة الموجهة للسفير الأردني لدى واشنطن كتبها عضو الكونغرس الجمهوري غريغ ستيوب تدخل في خانة ممارسة الضغوط على الأردن بسبب موقفه الرافض من ضم أراض فلسطينية، فالمشروعون الأميركيون يدركون تماما أن القضاء الأردني رفض في عام 2017 تسليم التميمي لأسباب عديدة أبرزها أنه «لا يجوز تسليم أي مواطن أردني لجهة أجنبية إلا إذا صدر بحقه حكم قضائي قطعي، وبوجود معاهدة لتسليم المطلوبين بينهما» وهذه الأخيرة ليست موجودة بين الطرفين.
المطالبة بتسليم التميمي عبر التلويح بقطع المساعدات عن الأردن، هي محاولة لتطويعه عبر بوابة خلفية لدفعه للقبول بقرار الضم بوضعه بين خيارين سيئين، أحلاهما مر، (المساعدات أو تسليم التميمي)، ومن الصعب اختيار أي واحد منهما في ظل قيادة الأردن لمعارضة قرار الضم عربيا ودوليا، وتمكنه من تحشيد جبهة دولية عريضة رافضة للقرار.
التضيق على الأردن في هذه الفترة محاولة لتركيعه في ظل ضعف الموقف العربي، وغيابه عن التأثير في القرارات الدولية، وعدم رغبته في مجابهة قرارات اسرائيل على أرض الواقع، وإنشغاله بأوضاعه السيئة في أحيان أخرى، ومن هنا، فمن الصعب الاتكاء او المراهنة على موقف عربي حازم ورافض تجاه ممارسة الضغوط على الأردن.
ما زال ضغط أعضاء الكونجرس السبعة ليس ذي قيمة، لأن الكونغرس لم يطرح الرسالة كمشروع قانون يجري التصويت عليه، ليرفعه إلى الإدارة كقانون بموافقة الأغلبية، وإذا افترضنا إن ذلك حدث فعلا، فإن البيت الأبيض ليس ملزما بما يقره الكونجرس فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.
الضغوط على الأردن من الممكن أن تستمر بتحشيد متواصل للوبي اليهودي، خصوصا وأن إسرائيل الحليف الأقرب للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وفي المقابل، فإن الدبلوماسية الأردنية قادرة على التعامل مع هذه الضغوط، من خلال حلفائها الأوروبيين الذين أبدوا تأييدا للموقف الأردني الرافض للضم.
تدرك دول العالم وبالذات إسرائيل بأن الأردن ميزان الاستقرار في المنطقة، وهو الصوت الأكثر عقلانية فيها، والذي يمكن الركون إليه من قبل المجتمع الدولي، وأي مغامرة سياسية أو غيرها، صغيرة كانت أو كبيرة باتجاهه ستعصف باستقرار الجميع، بمن فيهم من يتفرجون على الأردن وهو يخوض المعركة وحيدا.