عندما يذكر الاقتصاد الأردني غالباً ما يتجه الحديث إلى محدودية الموارد الطبيعية، والعجز التجاري، والاعتماد على الاستيراد. إلا أن قراءة متأنية لتطورات القطاع الخارجي خلال السنوات الأخيرة تكشف عن "ملامح" تحول وان كانت تسير ببطء إلا أنها بدأت تتبلور بهدوء. يتمثل هذا التحول في إعادة تشكيل هيكل الصادرات الأردنية والانتقال التدريجي من الاعتماد على عدد محدود من السلع التقليدية إلى قاعدة إنتاجية وتصديرية أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة.
هذا التحول لا يعني أن الاقتصاد الأردني تجاوز جميع التحديات، لكنه يعكس قدرة متزايدة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، ويؤكد أن بناء اقتصاد أكثر انفتاحاً لا يعتمد فقط على زيادة حجم الصادرات، بل على تنويعها ورفع قيمتها المضافة، بما يعزز مناعة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.
لسنوات طويلة ارتبط اسم الصادرات الأردنية بمنتجات الفوسفات والبوتاس والأسمدة، وهي قطاعات شكلت أحد أهم مصادر العملات الأجنبية وأسهمت في دعم الميزان التجاري. إلا أن هذا النمط جعل الأداء التصديري عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، إذ كانت أي انخفاضات في أسعار السلع الأولية تنعكس مباشرة على الإيرادات التصديرية.
لكن المشهد بدأ يتغير بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة. فوفقاً للأرقام ارتفعت مساهمة إجمالي الصادرات السلعية من 20.2% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2021 إلى 26.2% عام 2022، قبل أن تستقر عند 24.9% في عام 2024، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية واضطرابات التجارة العالمية. ويعكس هذا الأداء قدرة القطاع التصديري الأردني على الحفاظ على زخمه في بيئة دولية معقدة، مدعوماً بتوسع الصادرات الصناعية وفتح أسواق جديدة.
وفي الوقت نفسه، شهد هيكل الصادرات تحولاً تدريجياً نحو المنتجات ذات القيمة المضافة الأعلى. فقد ارتفعت مساهمة الصادرات غير التقليدية من 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2016 إلى 5.2% عام 2022، قبل أن تستقر عند 2.7% في عام 2024، في حين حافظت الصادرات التقليدية من الفوسفات والبوتاس على مساهمة بلغت 15.8% من الناتج المحلي الإجمالي. وتعكس هذه الأرقام أن الاقتصاد الأردني لم يتخل عن صادراته التقليدية، وإنما نجح في بناء قاعدة تصديرية أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على سلعة أو قطاع واحد.
ويبرز هذا التحول بشكل خاص في توسع صادرات الصناعات التحويلية، حيث أصبحت المنتجات الدوائية، والكيماوية، والغذائية، والهندسية، والملابس الجاهزة تشكل جزءاً متزايداً من الصادرات الأردنية. وتكمن أهمية هذه الصناعات في أنها لا تحقق عوائد تصديرية أكبر فحسب، بل تخلق أيضاً فرص عمل نوعية، وتعزز الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار، وتزيد من ارتباط القطاعات الاقتصادية المحلية بسلاسل الإنتاج العالمية.
من ناحية اقتصادية تنوع القاعدة التصديرية يوثر ايجابا على الاقتصاد في مواجهة الصدمات الخارجية، سواء كانت تقلبات في الأسعار العالمية أو تغيرات في الطلب أو اضطرابات جيوسياسية. ولذلك فإن تنويع الصادرات لا يمثل مجرد نجاح تجاري، بل يعد أحد أهم عناصر تعزيز الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.
ومن العوامل التي شكلت ملامح هذا التحول البسيط لكنه المهم هو استفادة الأردن من شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية وعدد من الشركاء الدوليين. فقد وفرت هذه الاتفاقيات للمنتجات الأردنية وصولاً تفضيلياً إلى أسواق تضم مئات الملايين من المستهلكين، وهو ما عزز فرص التوسع في التصدير.
وتوضح الأرقام حجم هذا التحول بصورة جلية. فقد ارتفعت الصادرات الأردنية إلى الدول العربية من 123.5 مليون دولار قبل دخول اتفاقية التجارة العربية الكبرى حيز التنفيذ إلى نحو 5.03 مليارات دولار عام 2024. كما ارتفعت الصادرات إلى الولايات المتحدة من 232 مليون دولار قبل الاتفاقية إلى أكثر من 3.11 مليارات دولار، بينما زادت الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي من 63 مليون دولار إلى نحو 689 مليون دولار خلال الفترة نفسها. وتعكس هذه الأرقام أن الاتفاقيات التجارية لم تكن مجرد أطر قانونية، بل تحولت إلى أدوات فاعلة في توسيع الأسواق الخارجية أمام المنتج الأردني.
ومن التطورات الإيجابية أيضاً تنوع الأسواق التي تستقبل الصادرات الأردنية. فبدلاً من الاعتماد على عدد محدود من الوجهات، أصبحت الصادرات موزعة على أسواق عربية وأوروبية وأميركية وآسيوية، الأمر الذي يقلل من المخاطر المرتبطة بالأزمات الاقتصادية أو السياسية في أي سوق منفردة، ويمنح الشركات الأردنية مرونة أكبر في الحفاظ على نمو صادراتها.
كما ساهم التحسن الذي شهده قطاع الطاقة في تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأردنية. فقد أدى تنويع مزيج الطاقة والتوسع في استخدام الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة إلى خفض أثر فاتورة الطاقة على الاقتصاد مقارنة بالسنوات السابقة، الأمر الذي انعكس على تكاليف الإنتاج الصناعي، وساعد الشركات الأردنية على تحسين قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية.
ويكتسب هذا التنوع أهمية متزايدة في ظل حالة عدم اليقين التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت مرونة الأسواق التصديرية عاملاً أساسياً في الحفاظ على استقرار الإيرادات الخارجية ودعم النمو الاقتصادي.
ولم ينعكس تحسن الصادرات على التجارة الخارجية فقط، بل امتد أثره إلى مؤشرات الاستقرار الاقتصادي الكلي. فقد بلغ عجز الحساب الجاري 5.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، بينما وصل العجز المعدل دورياً إلى 4.3%، وهو مستوى قريب جداً من المعيار الذي يقدره صندوق النقد الدولي عند 4%. ولهذا اعتبر الصندوق أن الوضع الخارجي للأردن أصبح “متوافقاً بصورة عامة مع الأساسيات الاقتصادية”، وهو تقييم يعكس الدور المتزايد الذي باتت تلعبه الصادرات في تعزيز الاستقرار الخارجي للاقتصاد الوطني.
لقد أثبتت التجربة خلال السنوات الأخيرة أن بناء قطاع تصديري قوي لا يعتمد فقط على زيادة الكميات المصدرة، وإنما على تنويع المنتجات والأسواق والارتقاء بالقيمة المضافة للصادرات. وإذا استمرت هذه السياسات، واستمر الاستثمار في الصناعة والابتكار والتكنولوجيا، فإن الصادرات غير التقليدية قد تصبح خلال السنوات المقبلة المحرك الرئيس لنمو القطاع الخارجي، بما يعزز قدرة الاقتصاد الأردني على تحقيق نمو أكثر استدامة، وخلق فرص عمل جديدة، وتحسين تنافسيته في الأسواق العالمية.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام الاقتصاد الأردني هو الانتقال من مرحلة تنويع الصادرات إلى مرحلة قيادة الصادرات للنمو الاقتصادي، بحيث تصبح الصناعة والتصدير، كما هو الحال في الاقتصادات الناجحة، المحرك الرئيس للاستثمار والإنتاجية والدخل وليس مجرد مصدر للعملات الأجنبية.