بين التعليم وتنمية الموارد البشرية

تاريخ النشر : السبت 11:14 15-8-2026
أ. د. ليث كمال نصراوين

دخل قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026 حيز النفاذ قبل أيام، ليشكل إطارا تشريعيا جديدا يقوم على الربط بين الحق في التعليم وتنمية الموارد البشرية، والتعامل معهما باعتبارهما مسارا متكاملا لبناء الفرد الأردني وتعزيز قدراته. ولا تقتصر أهمية هذا التحول على تغيير مسمى القانون أو توحيد المرجعية المسؤولة عن قطاع التعليم، وإنما تمتد إلى إضفاء صفة تشريعية ومؤسسية على العلاقة بين التعليم وتنمية الموارد البشرية، بعد أن كانت تظهر بصورة أكبر في السياسات والخطط الحكومية.

ويجد هذا التوجه التشريعي أساسا دستوريا واضحا، إذ نصت المادة (6/3) من الدستور على أن "تكفل الدولة العمل والتعليم ضمن حدود إمكانياتها". وهذا الجمع بين حقين دستوريين أساسيين قد جرت ترجمته في القانون الجديد، الذي ينظر إلى تنمية الموارد البشرية باعتبارها حلقة وصل بين التعليم والعمل، ليكون الربط بينهما ترجمة تشريعية حقيقية للعلاقة التي أقامها الدستور بين التعليم والعمل.

وفي هذا الإطار، يحدد القانون الجديد الفلسفة التي يقوم عليها التعليم، إذ اعتبرت المادة (3) منه "التربية ضرورة اجتماعية والتعليم حقا للجميع وفق قابلية الفرد وقدرته الذاتية"، وبأن "التعليم استثمار في المستقبل". فهذا النص يكشف عن البعد الذي أضافه القانون إلى الحق في التعليم، فلم يعد ينظر إليه من زاوية إتاحته فحسب، وإنما من حيث دوره في بناء قدرات الفرد وتأهيله للحياة العملية والإسهام في التنمية.

أما على صعيد البناء العام للقانون الجديد، فتظهر هذه الفلسفة في التعامل مع الطالب باعتباره محور مسار تعليمي وتنموي متصل، يبدأ منذ دخوله مرحلة التعلم المبكر وصولا إلى التعليم العالي أو المهني ثم سوق العمل. فالطالب في جميع هذه المراحل هو المستفيد ذاته من السياسة التعليمية للدولة، وهو ما يقتضي ألا يجري التخطيط لكل مرحلة بمعزل عن الأخرى، وإنما ضمن رؤية وطنية متكاملة تراعي انتقاله بينها وتطور معارفه ومهاراته.

وعلى الصعيد الدولي، يتوافق هذا التصور التشريعي مع المعايير ذات الصلة بالحق في التعليم وتنمية الموارد البشرية، إذ لم يعد مفهوم الحق في التعليم يقتصر على مجرد إتاحته، وإنما يمتد إلى غاياته ومخرجاته وأثره في تنمية الإنسان. فقد ربطت المادة (13) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحق في التعليم بالإنماء الكامل للشخصية الإنسانية وتمكين كل شخص من الإسهام بدور نافع في مجتمع حر. كما جمع الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة بين التعليم الجيد والمنصف وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة واكتساب المعارف والمهارات اللازمة للتنمية، وهو ما ينسجم مع التعامل مع التعليم وتنمية الموارد البشرية باعتبارهما مسارا متصلا.

وعلى المستوى المؤسسي، تنعكس هذه الرؤية في إنشاء مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، وإسناد وضع السياسات العامة واعتماد الاستراتيجيات والخطط إليه. وتكتسب تشكيلة المجلس دلالة قانونية، كونها تجمع الجهات المعنية بالتعليم والعمل والاقتصاد والتكنولوجيا، ومن بينها وزير العمل ووزير الاقتصاد الرقمي والريادة ورئيس غرفة صناعة الأردن. فهذا التنوع يعكس فلسفة تشريعية تقوم على إشراك الجهات المرتبطة بمخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل في صناعة السياسة التعليمية، فلم يكتف المشرع بالنص على مواءمة التعليم مع سوق العمل، بل ترجمها في تشكيل الجهة المختصة بوضع هذه السياسات.

ومع ذلك، فإن فاعلية هذا البناء المؤسسي الجديد تقتضي أن تتحدد بصورة واضحة آليات عمل مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية وعلاقته بالجهات الوطنية الأخرى ذات الصلة، خاصة في ظل تعدد المؤسسات التي تضطلع باختصاصات في مجالات التعليم والتدريب والعمل. فنجاح المجلس في أداء دوره يقتضي أن تقوم هذه العلاقة على التكامل والتنسيق، بما يحافظ على الاختصاص القانوني لكل جهة ويضمن في الوقت ذاته وحدة التوجه الوطني في سياسات التعليم وتنمية الموارد البشرية.

خلاصة القول، إن القيمة التشريعية للقانون الجديد تكمن في الربط بين التعليم وتنمية الموارد البشرية ضمن إطار قانوني واحد، وفي التعامل مع الطالب باعتباره محور مسار تعليمي وتنموي متصل، يقابله تكامل مؤسسي في صناعة السياسات التي تحكم هذا المسار. ويبقى الاختبار الحقيقي في ترجمة هذه الفلسفة إلى سياسات تعليمية متكاملة تعزز قدرات الإنسان وتربط التعليم بالعمل والتنمية الوطنية.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }