أهمية مضيق باب المندب ليست في كونه مضيقاً يخضع للسيطرة اليمنية فقط، لا بل هو شريان الحياة للتجارة القادمة من شرق آسيا الى أوروبا وأفريقيا والعالم، عبر قناة السويس، ولاشك إن تهديد الملاحة في هذا المضيق قد يتحول الى أزمة إقليمية ودولية بسرعة كبيرة، خصوصا مع إرتفاع كلف التأمين على السفن التي تخشى تهديد المسيرات والصواريخ الحوثية، عدا عن ذلك تعتمد الدول المشاطئة للبحر الأحمر على موانئها المطلة لتصدير ثرواتها ،خصوصا النفط والغاز، بالتالي فالتصعيد يفرض هلى هذه الدول البحث عن مسارات أكثر أمانا ولو كانت أطول وبكلف أعلى.
الأردن يتابع عن كثب التطورات وقد جاءت زيارة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان للمنطقة الإقتصادية الخاصة بالعقبة، من أجل الإطمئنان على استدامة سلاسل التوريد والإمداد وتسهيل الإجراءات في موانئ العقبة والمعابر بالتَّعاون مع القطاع الخاص، في ظل الظروف التي تشهدها المنطقة، حيث حقق ميناء العقبة أرقاما قياسية في حجم المناولة، عبر الميناء الصناعي والتجاري في العقبة.
ورغم ذلك، لا ينظر الأردن إلى هذه التطورات باعتبارها أزمة بعيدة، فالعقبة ميناء حيوي للمملكة ودول المنطقة، خصوصا بعد إغلاق مضيق هرمز، والحصار الخانق المفروض عليه، بالتالي أي إضطراب طويل المدى في حركة الملاحة يمكن ان ينعكس على تكاليف النقل وسلاسل التوريد وحركة السفن التجارية، عدا عن المخاطر الأمنية الأخرى التي يمكن أن تنشأ عن القصف المتبادل بين الحوثيين ودول في المنطقة.
وعليه، يمثل إستمرار استقرار البحر الأحمر مصلحة أردنية خالصة ومباشرة، ليس فقط بسبب الموقع الجغرافي، وإنما لأن الأردن جزء من منظومة اقتصادية وأمنية إقليمية تتأثر بأي اضطراب في طرق التجارة والطاقة وغيرها.
ويكمن الخطر الأكبر للتطورات الحالية في أن تبقى جبهة اليمن مشتعلة بغض النظر عن أي إتفاقات ممكن أن تنشأ بين واشنطن وطهران بخصوص مضيق هرمز، لأن الحوثيين لديهم حسابات خاصة بهم، وقد يجدون في استمرار التوتر الإقليمي فرصة لتعزيز موقعهم العسكري والسياسي داخل اليمن، وفرض أنفسهم لاعبا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية تخص البحر الأحمر.
وهذا يعني حتى لو هدأت المواجهة في الخليج، أو أعيد فتح مضيق هرمز، فإن فرضية بقاء البحر الأحمر مضطربا تبقى واردة بقوة، وقد تتغير قواعد اللعبة التي درجت على مدى الأشهر الماضية، كون إيران تضغط على دول الخليج عسكريا، والحوثيون يضغطون في البحر الأحمر، ويمكن أن تصبح هناك جبهة يمنية لها ديناميكيتها الخاصة ومصالحها وحساباتها.
دول المنطقة الأخرى ستتأثر بشكل كبير بأي صراع طويل المدى في البحر الأحمر، فهناك دول تعتمد بشكل كلي على موانئها لتصدير منتجاتها وثرواتها، فيما تعتمد دول أخرى على السياحة أو إستخدام الممرات للسفن، بالتالي فأي تراجع أو انخفاض مستدام في حركة السفن عبر البحر الأحمر يعني ضغوطا إضافية على هذه الدول، التي ستتأثر مباشرة بحجم التجارة العابرة للممرات الملاحية.
أضف إلى ذلك، فإن تحويل البحر الأحمر الى منطقة صراع عسكري مفتوحة ينعكس بشكل مباشر على هذه الدول وأمنها الإستراتيجي، وفي نفس الوقت لا تستطيع تجاهل تهديد الملاحة أو السماح بتحول باب المندب إلى ورقة ضغط دائمة بيد الحوثيين .
المشكلة في اليمن وصلت الى درجة كبيرة من التعقيد، فلا يمكن الإستمرار الى ما لا نهاية بحماية السفن التجارية والموانئ، وسط البحار، فهذه حرب إستنزاف لها كلفها، بالتالي حل المشكلة اليمينة من جذورها قد يكون أحد أكثر الخيارات المطروحة، مستفيدين من تجارب سابقة بأن إستخدام الحل العسكري لم يضع حدا للتهديدات عبر المضيق ، خصوصا مع الدعم المتزايد المقدم للحكومة اليمينة الشرعية لفرض السيطرة الكاملة على المناطق الغربية من البلاد.
وقد تؤول الأمور الى تعقيدات أكثر مع استمرار التصعيد الذي لن يقتصر بالتأكيد على دول المنطقة، بل سيؤدي بالشركات العالمية الناقلة الى إعادة تقييم مخاطر المرور في البحر الأحمر، وإرتفاع كلف التأمين بسبب تغيير مسارات السفن لطرق أطول، إذا فالمسألة أننا اليوم أمام تطور في حرب الممرات البحرية التي يفترض أن تكون شريان التجارة العالمية لتتحول الى واحدة من أدوات الصراع العسكري والجيوسياسي المعقدة في المنطقة.