أما الرواية التي تزعم أن الضربات تستهدف الوجود العسكري الأمريكي فتبدو أيضا عاجزة عن الصمود أمام أبسط الأسئلة، فالولايات المتحدة تمتلك أساطيل بحرية وقواعد ومنصات عسكرية معروفة، وتنتشر قواتها في البحار والمياه الدولية وفي مواقع معلنة وقريبة جدا ويمكن للقوات الإيرانية رؤيتها بالعين المجردة، وإذا كانت المواجهة هي مع واشنطن، فما الذي يجعل الأراضي الأردنية أو الخليجية هدفاً للصواريخ؟ وكيف يتحول أمن الدول العربية إلى ثمن لصراع لا علاقة لها به؟ وعليه فإن هذا التناقض يكشف أن الذريعة شيء، والواقع شيء آخر.
على الرغم من حرص إيران على تقديم نفسها ولسنوات طويلة باعتبارها دولة تحترم حسن الجوار، وتدعو إلى الأمن الإقليمي، وترفض التدخل في شؤون الآخرين، غير أن أفعالها تكشف زيف ادعائها، فكل صاروخ يعبر أجواء دولة عربية أو يسقط على أراضيها يهدم جانباً من هذه الرواية، ويؤكد أن مبدأ حسن الجوار يصبح قابلاً للتعطيل كلما تعارض مع تطلعات إيران للهيمنة وما يتبعها من الحسابات العسكرية أو السياسية.
والأخطر أن استهداف الأردن ودول الخليج يضرب في صميم منظومة الأمن العربي، ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطراباً في الإقليم، لا سيما وأن هذه الدول لم تكن طرفاً في النزاع، ولم تعلن الحرب على إيران، ولم يمنحها القانون الدولي صفة الخصم العسكري، ومن ثم فإن زجها في دائرة الاستهداف يمثل توسعاً خطيراً في رقعة الصراع، ويعيد رسم خرائط التهديد في المنطقة بصورة تنذر بتداعيات تتجاوز حدود الدول المستهدفة، لتطال أمن الملاحة الدولية، واستقرار أسواق الطاقة، والاقتصاد العالمي بأسره.
أما القضية الفلسطينية، التي كثيراً ما يتم توظيفها بوصفها عنواناً لهذه السياسات، فهي أول المتضررين من هذا النهج، ففلسطين لا تحتاج إلى توسيع دائرة الحرب، ولا إلى تحويل العواصم العربية إلى ساحات مواجهة، ومن يريد أن يجعل من فلسطين قضية جامعة، لا يمكن أن يجعل من الدول العربية والإسلامية أهدافاً لصواريخه، خاصة وأن القضية الفلسطينية كانت دائماً عنواناً لتوحيد الصف العربي، ولم تكن يوماً مبرراً لتهديد أمنه أو تقويض استقراره.
أما حجة محاربة إسرائيل فقد سقطت عند احتلال إيران لسوريا وتقتيل شعبها وعدم إطلاقها رصاصة واحدة تجاه إسرائيل، كما إن حماية فلسطين لا تكون بإضعاف الأردن، ولا بتهديد أمن الخليج، ولا بإدخال المنطقة في دوامة صراعات مفتوحة وفقاً لحسابات تتعلق بصراع النفوذ وبسط الهيمنة، فالأردن كان وما يزال في مقدمة الدول المدافعة عن الحقوق الفلسطينية سياسياً ودبلوماسياً وإنسانياً، ودول الخليج قدمت على مدى عقود دعماً سياسياً واقتصادياً وتنموياً كبيراً للشعب الفلسطيني، وأي استهداف لهذه الدول لا يخدم الفلسطينيين، وإنما يضيف إلى أزمات المنطقة أزمة جديدة، ويمنح الاحتلال فرصة للاستفادة من الانقسامات واستنزاف الجميع.
لقد أثبتت التجارب أن المشروع الذي يوسع دائرة الخصوم، ويضع دول جواره في مرمى نيرانه، لا يصنع استقراراً ولا يحقق نصراً، وإنما يراكم الأزمات ويغذي الاستقطاب ويقود إلى مزيد من الفوضى.
إن أمن الأردن ودول الخليج يمثل ركناً أساسياً في منظومة الأمن القومي العربي وأمن المنطقة، وأي اعتداء عليها يضع المنطقة أمام مرحلة أكثر اضطراباً، ويؤكد استمرار نهج يقوم على توسيع دوائر الصراع وفرض كلفته على الدول العربية، فأمن الدول لا يجوز أن يتحول إلى أداة لتصفية الحسابات الإقليمية.
في المحصلة، كل مشروع في المنطقة يوجه سلاحه نحو الدول العربية تحت أي ذريعة ومهما أحاط نفسه بشعارات المقاومة أو الدفاع عن قضايا الأمة وغلف أطماعه بإطار عقائدي، يفقد مبرره السياسي والأخلاقي، لأن الدفاع عن قضايا الأمة يبدأ باحترام سيادة دولها وصون أمنها واستقرارها، وليس ببث الفرقة والاقتتال بين شعوبها وبجعلها ميادين للصراع.