هذه التغيرات الكبرى تعمل على تحريك مراكز القوة من مكان إلى آخر، بطرق يعجز الكثير عن قراءة إشارتها قبل فوات الأوان، فاليوم، في خضم هذا التحول، إذ لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الموارد الطبيعية، بل بامتلاك التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والقدرة على جذب الاستثمار، والدخول إلى الغرف التي يُناقش فيها شكل الاقتصاد العالمي القادم.
لا يمكن قراءة مشاركة جلالة الملك عبدالله الثاني في مؤتمر صن فالي باعتبارها زيارة عادية أو محطة بروتوكولية. فالمؤتمر، الذي يجمع قادة أكبر شركات التكنولوجيا والاستثمار والإعلام والابتكار، أصبح أحد المطابخ الاقتصادية التي تُصاغ فيها اتجاهات الاقتصاد العالمي قبل أن تؤثر في الأسواق أو تتصدر نشرات الأخبار.
يدرك الأردن، بحكم تجربته، أن الدول الصغيرة لا تملك رفاهية الانتظار، فمن ينتظر حتى تتضح ملامح المرحلة الاقتصادية الجديدة، سيجد نفسه مضطراً للتكيف معها حسب شروط وضعها غيره، أما من يحضر مبكراً، ويعرض فرصه، ويبني علاقاته، فقد يحجز لنفسه مكاناً في المشهد ويشارك في رسم صورته النهائية.
وفي واقع فيه شركات تمتلك ميزانيات تفوق اقتصادات دول بأسرها ومنصات رقمية تؤثر في حياة مليارات البشر، وتقنيات تعيد تعريف معنى العمل والتعليم والصناعة والأمن. ولذلك، فإن الحوار مع هذه القوى لم يعد ترفاً، بل ضرورة تفرضها طبيعة العصر.
ومن هنا تبدو اللقاءات التي عقدها جلالة الملك مع رؤساء شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاستثمار والرعاية الصحية والتعدين جزءاً من دبلوماسية مختلفة؛ دبلوماسية تمتعنا المبادرة ساعية إلى حجز مكانك متقدمة في دوائر الاقتصاد الذي يتشكل الآن، لا الاقتصاد الذي كان بالأمس.