ضمن الفضاء الرقمي اليوم، ومع زيادة هموم الناس الاقتصادية منها خاصة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت في المقام الأول وسيلة تبادل المعلومات، ومؤشرا مهما على المزاج العام وتوجهاته.
ولكن، ورغم كثرة الحديث عن التربية الرقمية، وتضمينها في مقررات دراسية وسواها، ومحاولات تنظيم النشر، فلا زال هناك قصور في التعاطي مع هذه الوسائل ورسائلها، خاصة فيما يتعلق بالشأن العام والحديث فيه.
ومؤخرا، قدم شباب أردني انموذجا جيدا رافق منتخبنا لكأس العالم، وحاول تقديم محتوى إيجابي نتفق او نختلف معه، ولكن هذه المحاولات أسست لثقافة تركز على المنجز، بدلا من الدوران في عناوين النقد البناء منه، وغير البناء.
الإشكالية أنه لا تزال هناك "أقلية" صوتها مرتفع تحاول بحثا عن الشهرة والمال، عبر هذه الوسائل تنتج "صراخا" بلا معنى، يستغل في كثير من الأحيان هموم الناس، ويلعب على أوتار حاجاتهم المعيشية والاقتصادية.
وهذه الفئة لا تتحمل وحدها ما شاب المشهد من سلبيات، إذ يرافقها، استسلام بعض وسائل الإعلام لهذه المنصات.. والجري على طريقة المؤثرين، فيصبح المشهد مزدحما بالكثير من المعلومات يضيع الحقيقي منها بغيره.
إضافة إلى ذلك، إن تأخر الاستجابة الرسمية يترك المشهد يعيش بفراغات تستغلها بعض المنصات، لمآرب أو بحثا عن التأثير، فتأخذ الرأي العام إلى زاوية مختلفة، أو إلى عناوين الإحباط والتململ الشعبي، وهذا أمر يستحق التنبه له.
نحن اليوم نعيش في زمن التواصل الاجتماعي، والمطلوب مشروع كبير، يعيد إنتاج هذه الأدوات كمنصات حقيقة، ومعرفة، ونقد بناء، لا الدوران في فلك البحث عن الشهرة، وملاحقة الترند.. دون مراعاة للمسؤولية والالتزام حيال المجتمع.
هناك مؤشرات جيدة، ولكن هناك بالمقابل حاجة كبيرة لوضع هذه المنصات ضمن منظومة "قيمية" تعيد للإعلام دوره، وللناشط عبر هذه المنصات دوره أيضا، أي أننا بحاجة إلى فرز يصحح، وينقد، ويحكي الحقيقة بدلا من محاولات البعض باختطاف الرأي العام.
وهناك تجارب جيدة في بعض الدول يمكن البناء عليها، ولكن في سياق تجربتنا الخاصة، وبعد دراسات لإقبال الناس وأيها أكبر حجما وتأثيرا، ودراسة سلوك المستخدم الأردني وخوارزمية البحث والتأثير الخاصة بها.
إذ لا يعقل أن نصحو كل يوم على قضية متداولة بين الناس، ونتيجة جملة أسباب لا تميز حجم الحقيقة فيها من الكذب، فهذه مسألة تراكمية وأثرها عميق على صلة بالثقة والانطباع، والقيم، وتكريس مفاهيم إيجابية تصوب الخطأ، وتمنح الناس حقهم بالحقيقة.. وتكون وسيلة بناء، لا منصات إنتاج تجهيل وإحباط.
فهذا الفضاء الواسع بحاجة إلى فكرة كبيرة، تقربه من الشارع وحقيقته، فكثيرا ما نعيش دوامات عبر السوشيال ميديا، ضخمها إلكترونيا، ولا صدى لها بالشارع وبين الناس وفي تجمعاتهم..