وعندما استعرض ما أتيح لي الاطلاع عليه مما نشره الأخرون من كاليفورنيا وحتى اليابان... مروراً بعمان
من كتابات وفيديوهات تناقلتها وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بعضها يحاول الاستناد إلى نسقٍ علمي، وآخر إلى اكثر من سبع نظريات مؤامرة قواعدها تنوعت بين سياسية او اقتصادية أو تنافس على اختراعات علمية، أو تفسيراتٍ دينية، فأرى انها كتابات تنوعت بين أوهام وتخرصات، الى رصانة في نقد الذات ودعوة قادة العالم الى تفكير خارج الصندوق، لرفع سوية العلاقات بين البشر، والاستفادة من (الصفعة الدرس)، بأننا شركاء فوق هذه البسيطة التي تتسع لنا جميعا إن أحسنا التصرف ونصرنا الخير على الشر والعدل على الظلم، وكنا اكثر رأفة بالبيئة على سطحها.
ولا بد أن أشير الى غضب الموتورين من نجاحنا بداية عندما أبعدنا معدنُ أغلبيتنا الأصيل عن متاهات وفوضى ودماء (الفوضى غير البناءة) في الخريف العربي، ثم الآن حيث لَا تفلح محاولة إخفائهم الغيض من نجاحنا الباهر في إدارة مواجهةٍ مع عدوٍ لا نراه بالعين المجردة، فبات واضحاً أن أغلب ما يسمى المعارضة الخارجية قد سقط موضوعياً وأخلاقياً، ومنطقياً.
وإلى ذلك، فإن ما كتبته العام الماض (لكي لا نندم) كان من أجل ضرورة تهذيب قول كلمة النقد حتى تكون بنّاءةً، وإبعاد كلمة شر تتستر بلباس الخير، واختيار التوقيت الموضوعي لقول كلمة الحق كي لا يستفيد منها عدو داخلي أو خارجي، وعطفاً على ذلك، أكدت إعجابي بأهلنا في وطننا الأردني الصغير الكبير (محك الشدائد وبريق الذهب)، فذلك معدننا الأصيل.
وإذا كانت الغالبية تتفق أن عالم ما بعد كورونا لن يكون كما قبله، ونحن جزء من هذا العالم، فتعالوا نبصر ونتفكر في أي أردن ما بعد الكورونا نريد.. من اجل حياة أفضل لأبنائنا وأحفادنا ومن أجل أن نمارس دوراً ايجابياً في إطار شراكتنا مع هذا العالم :–
١: استحضر أن العام القادم هو ذكرى مئوية التكوين، واستذكر معها، ما ورثناه عن الأجداد من معاني وأسس راسخة لمعنى عقدنا السياسي والاجتماعي، وليعلم من يريد أن يصطاد في الماء العكر، أن علاقة الأردنيين بالهاشميين ليست موقفاً عاطفياً وإنما علاقة لها أبعادها وقناعاتها السياسية منذ الثورة العربية الكبرى، وبداية التكوين القومي للأردن، وهي علاقة وفاء بين طرفي هذا العقد، والأردنيون توارثوا حب العائلة الهاشمية والإخلاص لها، والقريب من الشأن السياسي ومن أتاحت له الظروف التشرف بلقاء بعض الأمراء الهاشميين، يعلم أيضاً ان كل أفراد العائلة الهاشمية شعارهم خدمة الوطن والأمة، ومتماسكون مع الأردنيين خلف قيادة جلالة الملك وخلف ما يمليه الدستور وقواعده، من صيغة المُلك، وولاية العهد، وانتظام عمل السلطات الثلاث.
٢: ولا بد أن نعترف أن أمامنا أزمة اقتصادية، تتطلب منا شحذ الهمم، وتجميع تراكم الخبرات الوطنية الرسمية وغير الرسمية بعيداً عن المآرب الشخصية أو حساسية بعض المسؤولين المفرطة، لتوضع جميعها للدرس والتمحيص ليستفيد منها صانع القرار . ولعلنا مع ما سيكتنف العالم من معاناة اقتصادية نستذكر أهمية الدرس الأول الذي درسناه في علم الاقتصاد: الاْردن دولة زراعية، ولا أقصد هنا الارتداد عن تطوير الصناعة والقطاعات الأخرى، وإنما ان لا نهمل القطاع الزراعي سلة غذائنا وصمام أماننا عند بعض الشدائد.
٣: إذا كان العالم مطالب باستشراف نمط جديد للعلاقات الدولية اكثر أنسنةً وعدلاً، وتشاركيةً، فلا بد لنا ان ننظر بعين النقد الإيجابية لتطوير واقعنا الداخلي، وهنا تطالبنا الأجيال القادمة ان نستنهض الهمم لبناء مستقبل أفضل لهم.
وهذا يتطلب تحقيق تطوير سريع في حالتنا الذهنية والثقافية، بعيداً عن جدليات الاختلاف الثقافي، لنترك الغث ونمحوه، ونتمسك بالسمين ونطوره، ونضع نظاماً تعليمياً يساهم في ثورة ثقافية بيضاء تبدأ من مقاعد الدرس الأولى، لنضمن جيلاً متميزًا بعد عقدين يؤمن بمفهوم ومظلة (المواطنة)، وفِي عالمنا قصص نجاحات لا ضير ان ندرسها ونستفيد منها اختصاراً للمراحل ، فنبدأ من حيث نجح الآخرون.
٤: وإذا كنت انتقدت ذات يوم بعض معارضتنا (الوطنية) في أسلوب وتوقيت طروحاتها، فإني في ذات الوقت كنت أقرأ واتابع بتمعنٍ مضامين الأوراق النقاشية التي طرحها جلالة الملك، والتي في تقديري تمثل القاعدة الأساسية للتطوير المنشود وتحقيق التغيير الذي نطالب به جميعا، والذي تصاحبه شفافية دائمة للحكومات هي حاجةً ملحةً بعد تجربة كورونا.
وهنا أثني على طروحات بعض المخلصين الذين نوهوا مبكراً إلى أن مضامين الأوراق النقاشية لا بد لها أن تتحول الى خطة عمل لتغيير نهجنا الثقافي قبل نهجنا في العمل والتعامل.
٥: ونعترف أن في باطن مجتمعنا هناك جيوب فقر وبطالة ومعاناة، وفئة قليلة أُبتليت بآفة الإدمان على المخدرات، ولكن وفِي ذات الوقت هناك الخيّرون، والظرف إن كان تطلب بعض التعاضد والتكاتف بين أعضاء المجتمع حالياً، فانه يتطلب في المرحلة القادمة تفكيراً خارج الصندوق لمواجهة الأزمات الاقتصادية، والاستخدام الأمثل لطاقات الوطن البشرية والاقتصادية، ومعالجة مواطن الخلل.
٦: أما على المقلب الآخر السياسي، فجديرٌ بنا أن نلحظ أمرين:
أ: النهج الذي اختطته قيادتنا الهاشمية في رسم سياستنا الخارجية وعلاقتنا مع الاشقاء أولاً ، ومع الأصدقاء ثانياً اثبت نجاعته ونجاحه ، وأزمة كورونا أثبتت أن الاشقاء يقدرون لنا هذا النهج الذي تعاملنا به مع الاشقاء في كل الظروف وكثابت من ثوابت سياستنا المعتدلة وابتعادنا عن سياسة الأحلاف، وهذا لا شك سينعكس على تعامل الاشقاء مع أبناء الاردن المساهمين مع مواطنيهم في بناء اوطانهم الثانية.
ومؤكد أيضاً أن المكانة والاحترام المتميزين للأردن لدى أغلبية دول العالم التي ورثها جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله عن الملك الباني طيب الله ثراه، وقام بتنميتها باقتدار وثقة متميزين، ستجعل من ذلك رصيداً نحتاجه في ظل عالمٍ يعيش مرحلة انتقالية في البعدين السياسي والاقتصادي.
ب: وإذا كانت القيادة السياسية في إسرائيل شذت وللأسف عن معطيات التأثر الإيجابي لدى غالبية دول العالم بفعل أزمة جائحة كورونا مما استدعى العديد للتفكير في ضرورة إصلاح النظام الدولي سياسياً واقتصادياً، واعتبار العدل واحترام الكرامة الإنسانية وحقوق الانسان وحقوق الشعوب في الحرية والاستقلال من اساسيات هذا الإصلاح، فإن السياسة الخارجية الأردنية في المرحلة القادمة مع ثبات دعمها المطلق للشقيق الفلسطيني، ستنشط في تحركها مع الاشقاء العرب والأصدقاء في العالم من أجل تحقيق جهدٍ واقتدارٍ لحشد ضغط دولي يمنع التمادي في التطرف والإجراءات الأحادية وغير القانونية التي تمارسها نرجسية القيادة الإسرائيلية الحالية. والتي بات من الواضح انها تهدد السلم والأمن الدوليين.
لنجمع إرادة الخير فينا خلف الإرادة الصلبة لقيادتنا، ولنخلص النوايا ونبني على الأفضل الكثير الذي قطعناه من رحلة الألف ميل.