وليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها الكرك لاعتداء إرهابي، فقد شهدت عام 2016 أحداثا دامية استشهد خلالها مدنيون ورجال من الأجهزة الأمنية. واليوم، وبعد نحو عشر سنوات، تعود لتواجه مأساة تستحضر ذكريات تلك الأحداث وتضحيات أهلها في مواجهة الإرهاب. وكأن قدر هذه المدينة أن تدفع دماء أبنائها ثمنا لصمودها، وأن تبقى قلعتها شاهدة على تاريخ من التضحية والفداء.
وما يزيد من بشاعة هذه الجريمة اللاإنسانية أنها وقعت في محيط كنيسة، قصدها المؤمنون والموحدون وقد حملوا أحزانهم على أكتافهم، وجاؤوا لوداع ابنة عشيرتهم ومواساة أهلها، فإذا بهم، بدلا من تقديم واجب العزاء، يقدمون دماءهم الطاهرة قربانا على مذبح الوطن. فتحولت لحظات الحزن إلى مأساة، وامتزجت دموع الوداع بدماء الأبرياء، وارتجت جدران الكنيسة بصيحات النساء وفزع الرجال، في مشهد تقشعر له الأبدان وتدمى له القلوب.
لم يفرق رصاص الغدر بين مسيحي ومسلم، فأصاب أبناء الكرك الذين اجتمعوا في باحة الكنيسة، وكأن دماءهم جاءت لتجسد وحدتهم وتآخيهم حتى في أحلك الظروف وأقسى اللحظات، ولتؤكد أن ما جمعهم في الحياة من محبة وأخوة وانتماء للوطن، لن تستطيع رصاصات الحقد أن تفرقه حتى في الموت.
إن ما جرى في الكرك لم يكن اعتداء على المسيحيين وحدهم، فالضحايا أردنيون قبل كل شيء، والجرح الذي أصابهم امتد إلى قلب الوطن بأكمله. فالمسيحيون ليسوا ضيوفا على أرضه، ولا طارئين على تاريخه، بل هم أبناؤه وشركاء في بنائه وحماية ترابه، ولم يحتاجوا يوما إلى شهادة تثبت انتماءهم إليه. وقد أكدت هذه الفاجعة أن الوحدة الوطنية ليست شعارات ترفع في المناسبات، بل حقيقة تظهر في الشدائد، حين يصبح مصاب العائلة الواحدة حزنا يسكن بيوت الوطن جميعها.
وكعادته في الوقوف إلى جانب أبناء شعبه في المحن، سارع جلالة الملك إلى زيارة المصابين والاطمئنان على صحتهم، مؤكدا أن الأردن سيواجه العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات، في رسالة ملكية حازمة بأن دماء الأردنيين ليست رخيصة، وأن كل من يحاول المساس بأمن الوطن سيواجه دولة قوية وشعبا متماسكا.
ويكتسب هذا الموقف الملكي دلالة خاصة إذا ما استحضرنا أن الجريمة وقعت بعد نحو شهر من خطاب جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين وقف أمام قادة العالم معتزا بدور الأردن في حماية الوجود المسيحي وإرثه التاريخي، والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في مواجهة التطرف. فما تحدث عنه جلالته لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل كان تعبيرا عن واقع عاشته الكرك وغيرها من محافظات المملكة، حيث جمعت المسلمين والمسيحيين أخوة راسخة ومصيرا مشتركا.
وأمام هذه الفاجعة، فإن مسؤوليتنا لا تقف عند إدانة الجريمة والمطالبة بمحاسبة مرتكبيها، بل تمتد إلى مساندة أسر الشهداء والمصابين، والتصدي لمحاولات بث الشائعات وإثارة الكراهية. فالإرهاب لا يمثل دينا أو طائفة، ولا يجوز أن نسمح للمعتدين بأن يحققوا بالفرقة ما عجزوا عن تحقيقه بالرصاص. فالوفاء لدماء الضحايا يقتضي المحافظة على وحدة المجتمع والالتفاف حول مؤسسات الدولة لحماية أمن الأردن واستقراره.
واليوم تنزف الكرك ألما على أبنائها، وتحمل في وجدانها وجع الفاجعة ومرارة الفقد. لكنها ستلملم جراحها، وتمسح دموع أهلها، وتنهض من حزنها كما نهضت من محن سابقة، محافظة على إرثها الوطني والقومي. وستعود أجراس كنائسها لتقرع كما كانت، وستبقى مآذن مساجدها شامخة إلى جوارها، شاهدة على أخوة لم تستطع يد الإرهاب أن تنال منها.
فقد تبكي الكرك شهداءها، لكنها لن تنحني أو تسمح للحزن بأن يهزمها. وستبقى مدينتي وموطن أهلي وجذوري، قلعة الوطن، عزيزة بأهلها، كبيرة بتاريخها وتضحياتها، عصية على كل من يحاول تمزيق وحدة الأردنيين أو انتزاع المحبة من قلوبهم.
أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية