لم تعد بواعث خطاب الكراهية، وبث الفكر التكفيري مخبأة في الظلام، أو تدار في الكهوف البعيدة النائية، فمن يراقب وسائل التواصل الاجتماعي، وما يبث فيها من أدخنة قاتلة وأبخرة سامة، عند كل نقاش أو مناسبة أو حدث، من أشخاص يعيشون بيننا ويتحركون بين مسامات المجتمع، يجعلنا ندرك حجم الخطر وحتمية المواجهة وكلفتها العالية، إن سنوات من التأجيل والتغافل أو سوء التقدير لحجم الخلل وخطورته، توجعنا إذا أطل برأسه فجأة، فليس جل نتائج خطاب الكراهية والتكفير هي دماء تراق وأرواح تزهق فهذا العرض الأشد إيلامًا والأوضح أثرًا، لكن تقسيم المجتمعات وتفتيت اللحمة الوطنية، وما ينعكس نتيجة لذلك على إضعاف المؤسسات وتفكيك الدول وسيادة الفوضى المدمرة، هي النتائج الأبعد أثرًا والأعمق فتكًا في المجتمعات والدول وهو الهدف الأعلى عند دعاة التكفير والفتنة.
إن اليد الرخوة، وترك البيئات الفكرية السوداوية تنمو ونحن نراقب شرارتها هنا وهناك، دون متابعة وملاحقة، فإن أغفلنا الإشارة صارت كلمة، وإن تجاوزنا عن كلمة نمت الكراهية وترعرعت، من منشور أو تعليق يحمل تحريضًا وتصنيفًا وتقسيمًا ويعلي من فئة على فئة أخرى، ويلغي حقًا ويجعل من باطل حقًا، فتتكاثر الغيوم السوداء وتنتشر النباتات الضارة، فنجد أن عقودًا من البناء والتنمية والتحصين، أمام مجابهة غير واضحة الحدود، تهدد السلم المجتمعي والأمن الوطني، وتغيب الثقة الراسخة بمستقبل الأجيال القادمة، وقدرتها على مواصلة رسالة البناء والتطوير.
نحن اليوم علينا أن نحوّل قوة الصدمة إلى فعل مؤسساتي ومجتمعي فاعل ومؤثر، لا بد من مراجعة تشريعية عميقة، وأن يكون القانون صاحب اليد الطولى في وجه كل خطاب تكفيري ينشر الكراهية ويحرض على أبناء الوطن ومؤسساته، لا بد من نهج تعليمي يئد البيئات الموبوءة بالفكر الأسود، وأن يكون للثقافة التنويرية حضورها القوي، وأن يخرج الفعل الثقافي من النخبة إلى أن يكون حصة وحقًا لكل مواطن أينما كان، وأن نأخذ الشباب إلى حالة من الوعي الإنساني والوطني الذي يسهم في حماية الوطن وإنسانه ومقدراته، اليوم نحتاج إلى تكاتف رسمي ومجتمعي ضمن خطط واضحة وإجراءات حازمة، حتى نسهم جميعًا في لفظ كل هؤلاء الخوارج عن الدين والعصر والإنسانية.
لا مجال للتساهل والمجاملات وتقزيم معنى ومؤشرات ما حدث، فمن يدفع الثمن هو الوطن، إن لم نتحرك الآن خلف جلالة الملك الذي طالما وقف في وجه هذا الظلام وحذر منه محليًا وإقليميًا وعربيًا، فسنكون أمام تحديات أكثر صعوبة لا سمح الله، علينا أن نفعل عوامل تعرية كل هؤلاء الذين يبثون الخراب بالكلمات والضجيج، ويسوغون الموت لكل من يختلف عنهم أو يخالفهم الرأي أو هو في لون غير لونهم، اليوم يحتاجنا الوطن أن نكون معه، وطن نتألم معه ولكننا نهب جميعًا لنصرته وتنقيته من الزوان الأسود.