فالإرهاب لا يميز بين أردني وآخر على أساس الدين أو الانتماء أو المنطقة، وإنما يستهدف الأردن والأردنيين جميعا، مسلمين ومسيحيين، مدنيين وعسكريين، ومؤسسات وأفرادا، وهذا ما تكشفه محطات المواجهة التي قدم فيها الوطن قوافل من الشهداء دفاعا عن حياة المواطنين وأمنهم، من الشهيد الطيار معاذ الكساسبة والرائد راشد الزيود والمقدم سائد المعايطة والعميد عبد الرزاق الدلابيح، وغيرهم الكثير من نشامى القوات المسلحة والأمن العام والأجهزة الأمنية.
وتجمع هذه الوقائع حقيقة واحدة، وهي أن الإرهاب الذي يستهدف كنيسة أو موقعا عسكريا أو مقرا أمنيا أو مواطنين في مدنهم، ينطلق من نهج متطرف يسعى إلى إضعاف الدولة وإرباك المجتمع وفرض الخوف على حياة الناس، فيما يحمل استهداف دور العبادة دلالة إضافية تتصل بمحاولة المساس بحرية المعتقد والتعايش الوطني، وإثارة حساسيات دينية واجتماعية تخدم أهداف المتطرفين، بيد ان سجل الضحايا وطبيعة الاعتداءات يؤكدان أن الخطر يطال المجتمع الأردني بأكمله، وأن وحدة الأردنيين وتماسكهم يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الجرائم.
ومن هنا يبرز السؤال: لماذا الأردن؟ يرتبط الجواب بموقع المملكة في منطقة مضطربة، وبنهجها القائم على الاعتدال والحوار والحلول السياسية، ورفضها أن تكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو منطلقا للاعتداء على الدول الأخرى، وتمسكها بحماية سيادتها وأمنها واستقرارها، ورفضها الإرهاب والتطرف، وتمسكها بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس في إطار الوصاية الهاشمية، وتفرض هذه الثوابت التعامل مع التهديدات الأمنية بوعي يجمع بين الحزم في مواجهة الإرهاب والحكمة في معالجة أزمات المنطقة.
وتتطلب مواجهة هذا الخطر مواصلة رفع الجاهزية الأمنية، وملاحقة الخلايا المتطرفة، وكشف دوافع المنفذين وصلاتهم استنادا إلى الأدلة والتحقيقات، وتعزيز التنسيق الأمني، إلى جانب مواجهة خطاب الكراهية والشائعات وترسيخ ثقافة المواطنة، فحماية المجتمع مسؤولية متكاملة تتشارك فيها الأجهزة الأمنية والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية، من خلال تعزيز الوعي وتحصين الأجيال من الفكر المتطرف وحماية المجال العام من التحريض والتضليل.
لقد واجه الأردن الإرهاب في حدوده ومدنه ومخيماته، وقدم شهداء من أبنائه وهم يدافعون عن جميع الأردنيين، دون تمييز بين دين أو انتماء، وسيبقى الأردن متمسكا بثوابته الوطنية ونهجه المعتدل، فيما تبقى وحدة الأردنيين والتفافهم حول دولتهم ومؤسساتها الركيزة الأهم في مواجهة الإرهاب وكل محاولة للنيل من أمن المملكة واستقرارها.