أكتب عن أبي عمر اليوم، لا لمجرد سرد حكاية جيرة جميلة، بل لأنني أؤمن بأن مواجهة الكراهية تبدأ من بيوتنا، ومن علاقاتنا اليومية، ومن تلك التفاصيل البسيطة التي تثبت أن ما يجمع الأردنيين أكبر بكثير مما قد يحاول البعض أن يزرعه بينهم من خوف أو فرقة أو تعصب.
أكتب عنه لأنني أريد أن أقول إن الاعتداء على دور العبادة ليس اعتداءً على حجر أو جدار، بل مساس بحرمة الإنسان وحقه في ممارسة شعائره الدينية بأمان وكرامة. وأكتب لأن الاعتداء على كنيسة في أرض الأردن يمس مشاعر الأردنيين جميعًا، مسلمين ومسيحيين، فهذه الأرض لم تكن يومًا حكرًا على فئة دون أخرى، بل كانت وما زالت وطنًا يتسع للجميع، ويستمد قوته من تنوع أبنائه ووحدة قلوبهم.
أما حكايتي مع أبي عمر، فهي حكاية صغيرة في تفاصيلها، كبيرة في معانيها.
أبو عمر جاري المسيحي الذي ما زال يحافظ على عادات الأجداد، ويؤمن بأن الجار ليس مجرد شخص يسكن خلف الجدار، بل إنسان له حق في المودة والاحترام والمشاركة. فما إن تُعدّ عائلته طبخة اليوم، حتى يصلني نصيب منها في صحن يحمل رائحة الطعام ودفء البيت وصدق المحبة.
لم يسألني أبو عمر يومًا عن اختلاف ديني أو مذهبي، ولم أحتج أنا إلى أن أسأله عن ذلك. فالعلاقة بيننا أعمق من هذه التصنيفات، وأصدق من أن تحتاج إلى إثبات. نحن جاران وصديقان، تجمعنا الأخلاق الطيبة، والمواقف الصادقة، والاحترام المتبادل، وتربطنا تلك القيم التي يعرفها الأردنيون جيدًا، والتي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا.
وحين يصلني صحن الطعام من بيت أبي عمر، لا أفكر في هوية من أعدّه، ولا في اختلاف العقيدة بين بيتي وبيته؛ أفكر في المحبة التي دفعته إلى مشاركتي طعام أسرته، وفي معنى أن يتذكرك جارك وسط انشغالات الحياة.
وفي كل يوم جمعة، هناك حكاية أخرى لا تقل جمالًا؛ مناقيش الزعتر التي يحرص أبو عمر على تزويدي بها، وكأنها تحية أسبوعية تحمل معها نكهة البيوت الأردنية القديمة، ودفء الحارات التي كان أهلها يتقاسمون الخبز والملح، ويتبادلون الأطباق، ويقفون إلى جانب بعضهم بعضًا من دون أن يسألوا عن دين أو أصل أو عائلة.
تلك المناقيش البسيطة تقول لي، في كل مرة، إن المحبة لا تحتاج إلى خطابات كبيرة، وإن الوحدة الوطنية ليست شعارًا نرفعه عند الأزمات ثم ننساه، بل سلوك نمارسه كل يوم، في بيوتنا وشوارعنا وأحيائنا، وفي الطريقة التي ننظر بها إلى بعضنا بعضًا.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد الاعتداء على الكنيسة في قرية حمود بالكرك، هو: ماذا يريد الذين يعتدون على دور العبادة أن يحققوا؟
إذا كان الهدف هو بث الخوف في نفوس المسيحيين الأردنيين، أو إشعارهم بأنهم غرباء في وطنهم، فإن حكاية أبي عمر تقدم جوابًا مختلفًا تمامًا. فهذا الرجل ليس غريبًا عني، ولا عن حارتي، ولا عن الأردن. إنه واحد من أبناء هذا الوطن، له ما لنا من حقوق، وعليه ما علينا من واجبات، وكرامته من كرامتنا، وأمنه من أمننا.
وإذا كان الهدف زرع الفرقة بين أبناء المجتمع، فإن صحن الطعام الذي يصلني من بيته، ومناقيش الزعتر التي يشاركني بها صباح الجمعة، يقدمان صورة أبلغ من كثير من الكلمات: نحن نعيش معًا، ونتشارك تفاصيل حياتنا، ونحفظ الود، ونختلف في بعض معتقداتنا، لكننا لا نختلف على حق الإنسان في الأمن والكرامة والعبادة.
وهنا تكمن الهزيمة الحقيقية للكراهية: أن تعجز عن إفساد علاقة إنسانية صادقة، وأن تفشل في تحويل الجار إلى غريب، أو المواطن إلى خصم، أو الاختلاف الديني إلى حاجز بين القلوب.
أنا لا أكتب هذه الكلمات لأقلل من خطورة الاعتداء على الكنيسة، ولا لأتعامل معه باعتباره حادثًا عابرًا. على العكس، إن مثل هذه الاعتداءات تستوجب الإدانة الواضحة، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، وحماية دور العبادة وصون حرية المعتقد. فالتسامح لا يعني التساهل مع الاعتداء، والمحبة لا تعني الصمت عن الخطأ، والوحدة الوطنية لا تكتمل إلا بالعدالة وسيادة القانون.
لكنني أكتب أيضًا لأنني أرفض أن نسمح لأي اعتداء بأن يغيّر نظرتنا إلى بعضنا، أو أن يدفعنا إلى الشك في علاقات بناها الناس عبر سنوات طويلة من الجيرة والصداقة والمواقف المشتركة.
إن الأردن، بتاريخه وتقاليده، يعرف معنى العيش المشترك. ففي قرانا ومدننا، عاش المسلمون والمسيحيون جيرانًا وأصدقاء وشركاء في العمل والحياة، وتقاسموا الأفراح والأحزان، ووقفوا إلى جانب بعضهم في الشدائد. وهذه ليست حكاية مثالية بعيدة عن الواقع، بل تجربة اجتماعية حقيقية تستحق أن نحميها ونورثها لأبنائنا.
وأنا حين أتحدث عن أبي عمر، أتحدث عن هذه التجربة من واقع حياتي الشخصية. لا أستعير قصة من كتاب، ولا أردد شعارًا سياسيًا؛ إنني أتحدث عن رجل أعرفه، وأحترمه، وأثق به، وعن علاقة إنسانية تتجدد كلما طرق بابي صحن طعام، أو وصلتني مناقيش الزعتر في صباح الجمعة.
كم أتمنى أن يدرك أبناؤنا أن المواطنة لا تُقاس بدين الإنسان، وأن قيمة المرء لا تحددها طائفته، بل أخلاقه وعمله ومواقفه واحترامه للآخرين، وأن حماية الكنيسة واجب وطني، مثلما حماية المسجد واجب وطني، وأن الاعتداء على أي دار عبادة هو اعتداء على حق أصيل لكل إنسان في ممارسة شعائره بأمان.
فلا يجوز أن يشعر المسيحي الأردني بأنه بحاجة إلى تبرير انتمائه إلى وطنه، ولا أن يشعر المسلم بأن عليه إثبات تسامحه في كل مرة يرتكب فيها شخص جريمة باسم التعصب. المسؤولية تقع على الجميع في رفض الكراهية، لكنها تقع بصورة مباشرة على مرتكبي الاعتداء، وعلى الجهات المختصة في إنفاذ القانون وحماية المواطنين ودور العبادة.
أما أنا، فسأظل أرى في أبي عمر جاري وصديقي وأخي الذي اختارته لي الحياة. سأظل أستقبل صحن الطعام منه بمحبة وامتنان، وأفرح بمناقيش الزعتر التي أصبحت جزءًا من ذكرياتي الجميلة عن الجيرة. ولن أسمح لاعتداء آثم، مهما كان مؤلمًا، بأن يمحو سنوات من الود والاحترام المتبادل.
فأبو عمر لم يحتج يومًا إلى أن يشرح لي معنى التعايش؛ لقد علّمني إياه بمواقفه، وبأخلاقه، وبكرمه، وببساطته التي تجعل المحبة أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى تفسير.
وإذا كان المعتدي يعتقد أن بإمكانه أن ينتصر على المحبة بإيذاء كنيسة، فإنه لا يعرف الأردن جيدًا.
الانتصار الحقيقي ليس في رفع الشعارات، بل في أن يبقى المسيحي والمسلم أخوين وجارين وصديقين، وأن يظل باب البيت مفتوحًا، وأن يستمر تبادل الطعام والزيارات، وأن نرفض جميعًا أن يتحول الدين إلى سبب للعداء.
الانتصار الحقيقي أن نتمسك بوطننا أكثر، وأن نحمي نسيجه الاجتماعي، وأن نؤكد أن حرية العبادة والكرامة الإنسانية ليستا منّة من أحد، بل حقان أصيلان لا يجوز المساس بهما.
وفي نهاية هذه الحكاية، لا أجد أبلغ من أن أقول لجاري العزيز أبي عمر: شكرًا لأنك، من خلال صداقتك ووفائك، تجعلني أرى الأردن الذي نحبه ونريد أن يبقى؛ الأردن الذي لا يُسأل فيه الجار عن دينه قبل أن يُسأل عن أحواله، ولا تُقاس فيه المحبة بهوية صاحبها، بل بصدقها.
شكرًا على صحن الطعام الذي يصلني من بيتك، وعلى مناقيش الزعتر في صباح الجمعة، وعلى كل موقف طيب يؤكد أن الجيرة الحقيقية لا تعرف الحواجز.
يا أبا عمر، أنت لست مجرد جاري المسيحي؛ أنت جاري الأردني، وصديقي الوفي، وأخي في الإنسانية والوطن.
وستبقى مناقيش الزعتر التي نتشاركها، وصحن الطعام الذي يصل بين بيتينا، أبلغ من كل خطاب في التعبير عن حقيقة نؤمن بها: أن الأردن أقوى بمحبته، وأن وحدته أكبر من محاولات الفرقة، وأن الكراهية قد تعتدي على جدار، لكنها لن تستطيع أن تهدم ما بنته القلوب الصادقة عبر السنين.
لأننا في النهاية، مهما اختلفت كنائسنا ومساجدنا، ومهما تنوعت طرق عبادتنا، أبناء وطن واحد، يجمعنا تاريخ مشترك ومستقبل واحد، وتحمينا قيم الأخوة والكرامة والعدالة.
وسيظل أبو عمر جاري، وستظل الجيرة بيننا محبة، وسيظل الأردن وطنًا لنا جميعًا.