ولذلك كانت الكرك الهدف؛ لأنها أرقى نماذج الوحدة والتآخي والعيش ووحدة الحال، ولا أقول التعايش لأن في معناه محاولة للعيش المشترك بينما كان الأردن ولا يزال نموذجا في العيش الحقيقي المشترك ليس فقط بين المسلمين والمسيحيين بل بين الأردنيين من شتى الأصول والمنابت.
ولماذا جاءت العملية في هذا التوقيت وبهذا التوقيع الملوث بالفكر المتطرف؟ وهل هي خلية منفردة نائمة أم لها جذورها وارتباطها الخارجي؟ كلها أسئلة بحاجة لإجابات من أجهزتنا الأمنية التي نثق بقدرتها وبفهمها الاستراتيجي لأعمق القضايا.
توقيت العملية خبيث جداً وتزامن بالوقت نفسه مع مباشرة نتنياهو لعملياته الميدانية في الخليل، وهنا نستذكر أن الخليل على مر الزمن هي توأم الكرك؛ وتأتي العملية بعد شهر تقريبا على خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة والذي أدار فيه البوصلة بنجاح إلى حقيقة واضحة بأن الصراع ليس يهوديا إسلاميا في الضفة الغربية، بل هو صراع صهيوني ضد المسيحيين والمسلمين في الشرق، وأن مسيحيي المشرق هم في أمان أهل هذه البلاد منذ أكثر من ١٤٠٠ عام.
هذه العملية هي بالتأكيد نتيجة حتمية لتزاوج الفكر المتطرف الخارج المريض مع الأجندات الخارجية التي تريد أن تعيث في بلدنا فساداً، ونحمد الله أن يقظة شعبنا وأهلنا وأجهزتنا فوتت الفرصة يوم الجمعة على المتربصين بالوحدة الوطنية فما زادنا الموقف إلا التحاماً وقوةً وسطرت عشائر الكرك وحدتها بماء الذهب في كتب التاريخ.
سيذكر التاريخ شباب الكرك من كل العشائر وهم يهبون للمستشفيات متبرعين بالدم والفزعة وسيكتب التاريخ أن أهل حمود والسماكية وعشائرها استقبلوهم بالطيب والحضن وبكوا ضحاياهم على أكتاف أخوانهم من كل عشائر الكرك وهم في عز فورة الدم، سيذكرهم التاريخ كما ذكر إبراهيم وعليا الضمور وهم يشهدون حرق أبنائهم أمام أعينهم حماية لدخيلهم النابلسي الذي رفضوا تسليمه للباشا الوالي، سيذكرهم إلى جانب اخوانهم عيال المجالية أواخر القرن التاسع عشر وهم يلقون بنادقهم ويسلمون أنفسهم للإعدام بعد أن حاصرت الحملة التركية التي تبحث عنهم مضارب عشائر الزريقات فانتخت بالمطاردين عجوز من الزريقات قالت لهم: "حنا ونسوانا وأولادنا وأطفالنا أمانة برقبتكم" فآثر المجالية تسليم أنفسهم على أن ينتهك الدم الكركي.
وما أهيب مشاهد الوحدة الوطنية التي يجب أن تُدرّس في المناهج ونحن نرى يوم أول من أمس أهل المدن الأخرى وعشائرها في مادبا والسلط والمفرق وهم يلغون أفراحهم وزفات شبابهم وأعراسهم واحتفالاتهم تضامنا مع الكرك وشهدائها، وما أبهى وما أجمل تلك السيدة الكركية التي أصيبت بالعملية فقالت للتلفزيون معلقة على الحادث الارهابي الجبان: "أنا أردنية كركية أولاً… بعدين مسيحية"، كل هذه الصور هي تأصيل لوحدة هذا الوطن وهذا الشعب مهما بلغت درجات الامتحان الصعب أمام الإرهاب والذعر والابتلاء.
قالها سيدنا وقطع العهد بحزم وحسم "رح نورجيهم" وهو صاحب القول القطع في ضرورة محاربة الفكر المتطرف من جذوره واذا كانت الضربة هذه المرة موجعة لنا جميعا لكننا نعاهد الله ثم الملك ثم دم الشهداء الطاهر أن الاردن لن يتفرق أهله مهما حاول الخبثاء ذلك، وأن نهر الأردن المقدس الذي وحد بين ضفتيه هو نفسه النهر المقدس الذي تعمد فيه المسيح، وأن مسيحيي هذه الارض هم منا وفينا نحميهم برموش العين لأنهم الأهل والعزوة والأخوة.
حان وقت الحرب الحقيقية بتمتين الجبهة الداخلية وتطهير البلاد من أصحاب الأفكار المريضة المتطرفة التي لا يمكن أن يقبلها أي اردني، والوقوف صفا واحداً خلف قيادتنا الحكيمة ودعم أجهزتنا الامنية التي تخوض حربا منذ سنوات طويلة ضد أصحاب هذا الفكر الارهابي المتطرف، وحان الوقت أكثر أن يراجع المجتمع نفسه لينبذ أولاً بأول كل احتمال لوجود هذا الفكر في الأسرة والمجتمع.
نلملم جراحنا بسرعة وهذا ديدن الأردني في كل المحن، ونتحامل على الجرح العميق بسرعة ايضاً واثقين بقدرة أجهزتنا الأمنية على ملاحقة الجناة والقبض عليهم وإحالتهم للقضاء الذي سيأخذ حقنا جميعاً منهم، فكل أردني اليوم هو مجني عليه في هذا الحدث الجلل والمصاب الكبير.
ولعل أبلغ الرد قد وصل ليلة الجمعة حين وقف الأردنيون صفاً واحداً بعفوية كبيرة أمام كنيسة عمانية ملتحمين مع أخوتهم بالدم يداً بيد يقرؤون فاتحة القرآن على أرواح الشهداء بأعلى أصواتهم في مشهد مهيب يعكس قوة المواطن الأردني ونخوته وشجاعته، في مشهد يغيظ من أراد بهذا البلد سوءاً أن خسئتم في مسعاكم فهذا الوطن لا يعرف التفرقة ولا الطائفية وقد نجاه الله من الفتن ما ظهر منها وما بطن!